دواير حمرا سما سامح

لمحة نيوز

أول ما شفت التلات دواير الحمرا على ضهر جوزي، جسمي كله تلّج.

كل دايرة كانت عبارة عن عشرات العلامات الصغيرة المنفوخة، مترتبة بشكل يخوف... لا شكلها حساسية، ولا قرص ناموس، ولا أي حاجة طبيعية.

بصيتله وأنا متجمدة، لكنه نزل التيشيرت بسرعة وضحك ضحكة مستفزة.

ـ يا ستي أكيد من المسحوق الرخيص اللي جبتيه... إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟

دي كانت طريقته دايمًا.

في أي مصيبة... يبقى الغلط غلطي.

على مدار 12 سنة جواز، عمره ما شافني زوجة أو شريكة حياة. كنت بالنسبة له زي قطعة عفش... موجودة وقت ما يحتاجني، وساكتة وقت ما يحب، وأتحمل اللوم في الآخر.

أما أخته "منى"، فكانت أسوأ منه بكتير.

كل ما تيجي بيتنا بكعبها العالي وشنطتها الغالية، تبصلي من فوق لتحت وتقول بسخرية:

ـ أهو جات ست البيت اللي ماسكة الآلة الحاسبة.

بطلت أرد عليها من زمان... لأن الرد مع ناس زيهم كان مضيعة وقت.

لكن اللي أحمد عمره ما عرفه...

إني قبل ما أبقى الزوجة الهادية اللي قدامه، كنت شغالة سبع سنين في إدارة مكافحة الجرائم المالية بالنيابة.

كنت بشتغل في تتبع الأموال وغسيل الفلوس.

واتعلمت حاجة واحدة...

الكدبة الكبيرة عمرها ما بتيجي فجأة... الأول بتسيب وراها نمط.

ومن حوالي ست شهور، بدأت أحس إن في حاجة غلط.

خروجات بالليل من غير سبب.

سحب كاش بمبالغ أقل من الحد اللي يخلي البنك يبلغ عنها.

مكالمات من منى تقفل أول ما أدخل الأوضة.

كل ده خلاني أراقبه... من غير ما يحس.

بعدها بكام أسبوع، ركب قفل جديد على أوضة صغيرة في البدروم.

ولما سألته قال:

ـ فيها عفش قديم عليه عفن... متدخليش هناك.

الكلام ما دخلش دماغي.

وقبل ما أشوف العلامات اللي على ضهره بأسبوعين، وأنا بغسل هدومه، لقيت فاتورة بيطرية في جيب الجاكيت.

الفاتورة باسم شركة اسمها "الرحاب للاستشارات الزراعية".

الغريب إن الشركة دي ماكنتش باسم أحمد، ولا ليها أي بيانات واضحة.

لكن اللي خلاني أقف مكاني...

إن الفاتورة كانت خاصة باستيراد حشرات استوائية ماصة للدم.

صورتها بالموبايل...

ورجعتها مكانها بالمللي.

ومن ساعتها بدأت أجمع كل حاجة.

كشف حسابات.

صور.

تحويلات.

تسجيلات.

وأحفظهم في ملف إلكتروني مشفر... محدش يعرف عنه حاجة.

أحمد كان فاكر إن سكوتي معناه إني استسلمت.

لكن الحقيقة...

إن السكوت أوقات بيكون أحسن مكان الواحد يفكر فيه.

في صباح اليوم ده، أصريت إنه يروح معايا للدكتور.

الدكتور شريف كان طبيب الأسرة بقاله سنين، وكنت عارفة تعبيرات وشه كويس.

أول ما كشف على ضهر أحمد...

اتكلم شوية...

وبعدين سكت فجأة.

لون وشه اتغير.

وراح كشف على أسفل ضهره.

وفجأة...

حشرة سودة صغيرة وقعت من تحت هدوم أحمد.

الدكتور غطاها بكوباية معمل بسرعة، وطلب من الممرضة تكلم قسم الأمراض المعدية فورًا.

أحمد حاول يقوم ويمشي.

لكن الدكتور قال بنبرة عمره ما استخدمها قبل كده:

ـ محدش هيخرج من هنا.

وقف... وقفل باب الأوضة بالمفتاح.

وبصلي وقال بهدوء:

ـ يا مدام... خدي شنطتك... ومتروحيش بيتك النهارده.

أحمد اتعصب.

ـ هو في إيه يا دكتور؟!

لكن الدكتور تجاهله تمامًا.

وقاللي:

ـ العلامات دي مش طبيعية... دي ناتجة عن حشرة اسمها "بق الترياتوما"... أو اللي الناس بتسميه بق التقبيل.

لكن الأخطر...

إن ترتيب العلامات مستحيل يكون حصل لوحده.

واضح إن حد حط مجموعة من الحشرات داخل حلقات دائرية وثبتها على ضهره لحد ما امتصت الدم.

وبعدين رفع الكوباية اللي تحتها الحشرة وقال:

ـ شايفة العلامة الزرقة دي؟

دي علامة بتتحط على الحشرات اللي طالعة من مستعمرات بحثية مراقبة.

في اللحظة دي...

افتكرت الفاتورة اللي لقيتها.

بصيت لأحمد وسألته:

ـ المستعمرة دي تبع مين؟

وشه شحب.

وبدل ما يرد...

نط على موبايله.

لكن كنت أسرع منه.

خطفته قبل ما يمسكه.

وفي نفس اللحظة...

إشعار رسالة طلع على الشاشة.

المرسل...

منى.

فتحت الرسالة.

وقريتها مرة...

واتنين...

لأن عقلي رفض يستوعب.

"هي لمست الخزنة ولا لسه؟ لازم ناخد بصماتها قبل الليلة."

رفعت عيني ناحية أحمد.

أول مرة في حياتي أشوف الخوف الحقيقي في عينه.

الدكتور همسلي:

ـ اتصلي بالشرطة... حالًا.

عملت كده.

لكن قبلها صورت الرسالة، وبعتها مع نسخة احتياطية للملف السري بتاعي.

ولأول مرة...

أحمد بصلي كأني أنا الخطر اللي واقف قدامه.

بعد شوية وصلت الشرطة.

وفصلونا عن بعض.

المقدم لينا عبدالسلام دخلت معايا أوضة لوحدنا وقالت:

ـ احكيلي من الأول.

حكيت كل حاجة.

الفاتورة.

التحويلات.

الشركات الوهمية.

وإني كنت شغالة زمان في تتبع الجرائم المالية.

أول ما عرفت شغلي القديم...

طريقة كلامها اتغيرت.

شرحتلها إن كل فلوس العيلة كانت موجودة في صندوق عائلي كبير.

أحمد وأخته منى ووالدتهم كانوا مستفيدين منه.

ومنى هي اللي كانت مسؤولة عن اعتماد المصروفات.

ومن شهور وأنا ملاحظة إن فلوس بتطلع لشركات صيانة ملهاش وجود.

وشركة الرحاب الزراعية كانت واحدة منهم.

وكمان لاحظت حاجة محدش غيري كان ممكن ياخد باله منها.

كل الفواتير المزورة كانت بتنتهي بنفس القروش.

14 قرش.

62 قرش.

8 قروش.

المبالغ مختلفة...

لكن طريقة كتابة الأرقام واحدة.

وده معناه إن شخص واحد بيطلعها دفعة واحدة ويحاول يخليها شكلها طبيعي.

المقدم لينا سألتني:

ـ قصدك إنهم بيسرقوا فلوس عيلتهم؟

لسه هرد...

دخل ظابط وقال إن الشركة اللي باعت الحشرات أكدت إن جزء من مستعمرة بحثية مراقبة اختفى فعلًا.

ورقم الطلب اللي صورته مطابق.

ساعتها...

بقى واضح إن اختفاء الفلوس...

وعلامات القرص على ضهر أحمد...

مش حاجتين منفصلتين.

في نفس اللحظة...

منى دخلت العيادة.

أول ما شافت الشرطة...

وقفت ثانية واحدة.

وبعدين بدأت تقول للمقدم:

ـ مرات أخويا تعبانة نفسيًا... وبقالها فترة مهووسة بفلوس العيلة.

الغريب...

إنها ما سألتش أخوها عامل إيه.

ولا حتى بصت عليه.

كل همها كان تشوه صورتي.

كأنها جاية وهي محضرة الحوار كله.

وفي اللحظة دي افتكرت حاجة.

امبارح...

منى كانت عندنا في البيت.

جابت معاها زجاجة نبيذ وفتاحة فضة تقيلة.

وأصرت إني أنا اللي أفتح الزجاجة.

فضلت مركزة معايا وأنا بمسكها.

ولما مشيت...

خدتها معاها.

وقتها افتكرتها رخمة وخلاص.

لكن دلوقتي...

بصيت لإيدي.

وحسيت إن الدم انسحب من وشي.

همست للمقدم:

ـ هم أصلًا خدوا بصماتي...

المقدم لينا بصتلي بجدية وقالت إن إذن تفتيش البيت والبدروم خلاص بيطلع.

لكن أنا كنت بفكر في حاجة تانية.

الرسالة ما قالتش:

"هنحتاج بصماتها بعدين."

قالت:

"لازم ناخد بصماتها قبل الليلة."

وفي اللحظة دي...

فهمت الحقيقة اللي خوفتني أكتر من أي حاجة.

أحمد ومنى كانوا مخلصين كل الترتيبات.

وفاضل كام ساعة بس...

على تنفيذ الخطة اللي كانوا ناويين يلبسوهالي.

الجزء الأخير

المقدم لينا ما استنتش دقيقة.

تم نسخ الرابط