صحيت لقتني
صحيت لقيت نفسي محبوس في قفص حديد تحت بيتي، جسمي كله إصابات، ومش عارف مين اللي غدر بيا. وفجأة، ظهرت بنت صغيرة عندها 3 سنين، معاها إزازة مية، وبصتلي وقالت بكل ثقة
يا عمو، إنت عليك ليا عُمر!
في الليلة دي، سرقت مفتاح نحاس عشان تخرجني من السجن اللي أنا فيه... بس لا هي ولا أنا كنا نعرف مين اللي مستنينا فوق!
يا عمو، إنت عليك ليا عُمر!
البنت الصغيرة كانت عندها 3 سنين، حضنة أرنب لعبة في صدرها، وحاطة إيديها على وسطها، وواقفة قدامي كأنها لسه واخدة قرار مصيري ومفيش حد يقدر يعترض عليه.
أما أنا، فكنت بقالي 4 أيام محبوس في قفص حديد تحت بيتي أنا شخصيًا.
رجلي الشمال كانت وارمة بشكل مخيف، وشفايفي متشققة من العطش، لدرجة إني في الأول افتكرت إني بهلوس.
بصيتلها.
وهي بصتلي.
وفجأة... ضحكت.
ضحكة حقيقية، من قلبي، يمكن بقالي سنين طويلة ما ضحكتش زيها.
سألتها وأنا بحاول أرفع راسي
إنتِ اسمك إيه يا شاطرة؟
قالت بفخر
ليلي. وماما بتقول إن لو لقينا حد تعبان أو مجروح، لازم نساعده.
ابتسامتي اختفت في لحظة لما سمعت صوت خطوات فوقينا.
بصيتلها بسرعة، وشاورتلها على رف النبيذ اللي في الركن التالت.
فهمت قصدي من غير ما أتكلم.
جريت واستخبت ورا زجاجات النبيذ، وحضنت أرنبها الصغير، ميمي، وحطته على بقها عشان حتى نفسها ما يتسمعش.
الخطوات قربت.
وبعدين وقفت فوق دماغنا تقريبًا.
حبست نفسي، وقلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني حسيت إن اللي فوق ممكن يسمعه.
وبعد لحظات، الخطوات بدأت تبعد.
ساعتها بس قدرت أتنفس.
في الوقت ده، كان فيه أكتر من مية راجل في القاهرة بيدوروا عليّا في كل حتة. بيفتشوا المخازن والمطاعم والجراجات والعقارات، وبيسألوا العائلات اللي بينا وبينها عداوات.
محدش فيهم كان يتخيل إن دومينيك موريتّي، الراجل اللي اسمه لوحده كان كفاية يخلي ناس كتير ترتعش، لسه موجود جوه قصر عيلة موريتّي نفسه.
والأغرب من كده، إن محدش كان يتخيل إن اللي حابسني تحت الأرض هو أخويا اللي من دمي!
فيكتور.
أخويا اللي كنت باعتبره ضهري وسندي.
هو اللي حطلي حاجة في كوباية النبيذ بتاعتي وأنا بتعشى. ولما فقدت الوعي، شالوني ورموني في القفص ده.
وبعدها، نشر إشاعة إن عيلة منافسة خطفتني، وإن محدش عارف أنا فين.
كل ليلة، كان بيقعد على رأس السفرة الكبيرة، عامل نفسه قلقان عليّا، ويوزع أوامر على رجالة العيلة عشان يفضلوا يدوروا عليّا.
وبمجرد ما يتأكد إن محدش شايفه، كان بينزل القبو.
يقف قدام القفص، ويبصلي بابتسامة باردة، ويقول
اديني أكواد الحسابات، وكل حاجة هتخلص يا أخويا.
كنت عارف كويس هو يقصد إيه بكلمة هتخلص.
أول ما ياخد الأكواد اللي محتاجها عشان يسيطر على فلوس العيلة، هيتخلص مني للأبد.
ومن غير ما يسيب وراه أي دليل.
أما ليلي، فظهرت في حياتي بالصدفة.
كانت بتلعب في ممر القصر، وأرنبها اللعبة، ميمي، وقع واتزحلق ورا رف قديم. ولما راحت تجيبه، اكتشفت باب مستخبي في الحيطة.
الباب ده كان مدخل القبو اللي محدش من أهل البيت تقريبًا يعرف بوجوده.
ولما دخلت، لقتني محبوس في القفص.
في البداية، أمرتها ما ترجعش تاني.
لكنها رجعت تاني يوم، ومعاها إزازة مية مخبياها تحت البلوزة الصغيرة اللي لابساها.
وبعدها بيوم، جابتلي حتة عيش.
وبعدها جابتلي شوية جبنة.
كانت كل مرة تدخل فيها، تبص حواليها بحذر، كأنها بتنفذ مهمة سرية أكبر من سنها بكتير.
وفي يوم، وهي قاعدة على الأرض قدام القفص، سألتها
إنتِ عرفتي توصلي هنا إزاي يا ليلي؟
قالت وهي بتلعب في ودن أرنبها
ماما شغالة في المطبخ هنا.
سألتها
ومامتك اسمها إيه؟
ردت ببساطة
إيلينا بينيت.
أول ما سمعت الاسم، سكت.
كنت أعرف إيلينا.
بقالها 4 سنين شغالة في القصر. ست هادية، محترمة، بتصحى من الفجر، بتنظم شغل العاملين، وبتعدي في الممرات كل يوم وهي شايلة صواني الأكل.
كانت دايمًا بتسلم عليّا وتقول
صباح الخير يا أستاذ دومينيك.
وأنا؟
كنت في أغلب الأوقات حتى ما برفعش عيني من الورق اللي قدامي عشان أرد عليها.
الفكرة دي وجعتني أكتر من إصاباتي.
أنا اللي كنت فاكر نفسي فاهم الناس، ما كنتش حتى أعرف إن الست اللي بتخدمني كل يوم عندها بنت صغيرة عايشة في نفس البيت، وإن البنت دي هي الوحيدة اللي مدت إيدها ليا وأنا في أضعف لحظات حياتي.
في يوم، ليلي قربت من القضبان وهمستلي
يا عمو، أنا عرفت مكان المفتاح!
قلبي دق بسرعة.
لكنها كملت وهي بتشاور ناحية السلم
الحارس اللي بييجي بالليل بينام وهو قاعد. والمفتاح الأصفر بيحطه في أول درج في المكتب.
مسكت إيدها الصغيرة برفق، وقلت بلهجة حازمة
إوعي تفكري تقربي من المفتاح ده يا ليلي. سامعاني؟
بصتلي باستغراب.
بس أنا ممكن أخرجك!
هزيت راسي وقلت
لأ يا حبيبتي. لو حد شافك، مش هيفرق معاه إنك طفلة عندك 3 سنين. الناس اللي فوق دول ممكن يأذوكي عشان محدش يعرف إنك ساعدتيني.
نزلت عينيها للأرض.
وبعد شوية، رفعت راسها وسألتني بصوت صغير
طب توعدني إنك مش هتخليني أساعدك؟
بصيت في عينيها وقلت
أوعدك.
وأنا عارف من اللحظة دي إنها مش هتسمع كلامي.
تاني يوم، سمعنا صوت الباب السري وهو بيتفتح.
ليلي اختفت ورا الرف التالت، وحضنت ميمي بقوة.
نزل فيكتور، ومعاه اتنين من رجالته.
المرة دي، كان مختلف.
وشه كان جامد، وعينيه مفيهاش أي أثر للقلق اللي كان بيمثله قدام الناس.
حط إيده في جيب قميصه، ولمحت طرف سرنجة صغيرة.
قرب من القفص، ووقف قدامي.
آخر فرصة يا دومينيك. هتديني الأكواد ولا لأ؟
بصيتله من غير ما أرد.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
براحتك. بكرة الصبح، لو لسه مصمم على العند، مش هيبقى عندي أي سبب يخليني أسيبك عايش.
وبعدين قرب بوشه من القضبان وهمس
وبالمناسبة، محدش بيدور عليك عشان ينقذك. كلهم بيدوروا عليك عشان أنا طلبت منهم كده. إنت بالنسبة لهم دلوقتي مجرد راجل مخطوف، ومفيش حد هيعرف إنك كنت تحت رجليهم طول الوقت.
اعتدل في وقفته، وبص للحارس اللي وراه.
خليك صاحي الليلة دي. مش عايز أي مفاجآت.
وبعدها طلع.
فضلت ساكت، بحاول أستوعب إن أخويا فعلًا وصل للدرجة دي.
لكن قبل ما أقدر أفكر في أي حاجة تانية، ليلي خرجت من ورا الرف.
كانت سمعت كل كلمة.
قربت مني، وعينيها مليانة خوف.
يا عمو... هو هيقتلك؟
ما حبيتش أكذب عليها.
هزيت راسي ببطء.
أيوه يا ليلي.
سكتت شوية، وبعدين حطت ميمي على الأرض وقالت بجدية غريبة على طفلة في سنها
خلاص. أنا هخرجك.
بصيتلها وقلت بسرعة
لأ يا ليلي! اسمعيني كويس. لو حصل لي أي حاجة، عايزك تروحي تدوري على راجل اسمه سالفاتوري كورسيتي. هو الوحيد اللي ممكن يساعدك. لكن ما تتكلميش مع أي حد تاني، مهما قالك إنه صاحبك.
عشان أتأكد إنها هتقدر توصله، علمتها جملة سرية عمرها ما كانت معروفة غير لأقدم رجال عيلتنا.
قلت لها
لو قابلتيه، قولي له ريزوتو على الطريقة الصقلية.
كررت ورايا الكلمات بطريقتها الطفولية، وهي مش فاهمة معناها أصلًا.
وبعدين سألتني
هو الراجل ده طيب؟
رديت بعد لحظة صمت
هو راجل ممكن أثق فيه بحياتي.
ليلي بصتلي، وهزت راسها كأنها حفظت أهم معلومة في الدنيا.
وبعدين شالت ميمي، وطلعت من الباب السري.
قبل ما تختفي، لفتت ناحيتي وقالت
ما تخافش يا عمو. أنا مش هسيبك.
الساعة كانت تلاتة الفجر.
كنت بين النوم والصحيان، جسمي كله بيوجعني، لما سمعت صوت معدن بيتحرك قدام القفص.
فتحت عيني بصعوبة.
ولقيت ليلي راكعة قدامي.
وفي إيديها الصغيرة... كان فيه مفتاح نحاس قديم.
همست بصدمة
ليلي! إنتِ عملتي إيه؟!
رفعت المفتاح قدامي وقالت بفخر
جبتهولك!
حطته في القفل.
لفته مرة.
ما حصلش حاجة.
بصتلي بتوتر، وعضت شفايفها الصغيرة.
حاولت تاني.
المفتاح اتحرك نص لفة، وبعدين وقف.
قلت لها وأنا بحاول أوجهها
بالراحة يا حبيبتي... لفيه ناحية اليمين.
نفذت كلامي.
وفجأة...
طَق!
صوت القفل وهو بيفتح دوّى في القبو الهادي.
باب القفص اتحرك ببطء.
لأول مرة من 4 أيام، بقيت حر.
مديت إيدي للقضبان عشان أسند نفسي، وحاولت أقف على رجلي المصابة.
لكن قبل ما أقدر أخطو حتى خطوتين بعيد عن القفص، سمعنا صوت الباب السري وهو بيتفتح من جديد.
ليلي اتجمدت مكانها.
وأنا حسيت إن الدم اتسحب من عروقي.
صوت خطوات تقيلة بدأ يقرب من السلم.
خطوة...
وبعدها خطوة تانية.
الشخص اللي نازل ما كانش بيحاول يخفي صوته.
كان جاي ناحيتنا بثقة، كأنه عارف بالضبط إحنا واقفين فين.
شدّيت ليلي ناحيتي، وحطيتها ورا ضهري رغم إني بالكاد كنت قادر أقف.
وبصيت ناحية السلم المظلم.
لأن اللي كان نازل دلوقتي...
ما كانش فيكتور.
كان شخص تاني خالص... شخص كنت فاكر إنه مات من 12 سنة!
البنت اللي عندها 3 سنين أنقذت زعيم أخطر عيلة في مصر... لكن لما باب القبو اتفتح، الراجل اللي ظهر قدامه كان المفروض يكون مات من 12 سنة!
صوت الخطوات كان بيقرب واحدة واحدة.
كنت واقف بالعافية، مسنود على باب القفص الحديد، ورجلي الشمال مش قادرة تشيلني. ليلي كانت مستخبية ورايا، حضنة أرنبها الصغير ميمي، والمفتاح النحاسي لسه في إيدها.
الباب اتفتح بالكامل.
وظهر راجل طويل، لابس معطف أسود، وشعره فيه خصلات بيضا أكتر من اللي كنت فاكرها.
في إيده عصاية خشب قديمة، وعلى صباعه خاتم فضة عليه شعار عيلة موريتّي.
قلبي وقف للحظة.
همست بصوت مبحوح
مستحيل...
الراجل رفع عينيه وبصلي.
وبعدين قال بهدوء
لسه بتقول مستحيل يا دومينيك؟ حتى بعد كل اللي حصل؟
كان سالفاتوري كورسيتي.
أقدم وأوفى راجل اشتغل مع أبويا، والراجل الوحيد اللي كنت متأكد إنه مات في الحريق اللي حصل في مخزن العيلة من 12 سنة.
الحريق اللي أبويا مات فيه.
واللي أنا قضيت سنين مقتنع إن سالفاتوري ضحّى بحياته عشان ينقذني.
لكن هو كان واقف قدامي دلوقتي، حي، وبيبصلي بنظرة مليانة عتاب.
قلت وأنا مش مصدق عيني
إنت كنت فين كل السنين دي؟ وليه ما ظهرتش؟
بص ناحية ليلي، وبعدين رجع بصلي.
عشان اللي حصل من 12 سنة ما كانش حادث، يا دومينيك. واللي حصل لك النهارده مش أول مرة حد من عيلتك يحاول يقتلك.
قبل ما أقدر أسأله، مد إيده وسندني.
لكن ليلي وقفت بينا فجأة، ورفعت أرنبها ناحيته كأنها بتحذره.
إنت مش هتاخد عمو دومينيك، صح؟
سالفاتوري نزل على ركبته قدامها، وبصلها بجدية.
لأ يا صغيرة. أنا جاي أرجّعه لبيته.
ليلي فكرت شوية، وبعدين قالت
طب خليه ياخد ميمي معاه.
لأول مرة من ساعة ما دخل القبو، ابتسم سالفاتوري.
ده أكيد أهم واحد في المهمة كلها.
ضحكت ليلي، لكن أنا ما قدرتش أضحك.
لأن سالفاتوري كان بيبص ناحية الباب بنظرة معناها إن الوقت خلص.
قال بسرعة
معانا أقل من عشر دقايق. فيكتور عرف إن القفص اتفتح.
عرف إزاي؟
سالفاتوري بصلي وقال
لأن المفتاح اللي سرقته البنت الصغيرة مش هو المشكلة. المشكلة إن فيكتور كان مستني اللحظة دي من البداية.
حسيت ببرودة بتجري في ضهري.
مستني إيه بالضبط؟
رد وهو بيساعدني أمشي
مستنيك تخرج من القفص، عشان يقدر يقول للكل إنك هربت، وإنك أنت اللي قتلت الحارس اللي هيلاقيه فوق.
بصيت ناحية ليلي.
الطفلة اللي دخلت القبو كل يوم عشان تجيبلي مية وعيش، كانت لسه مش فاهمة حجم اللعبة اللي إحنا بقينا جزء منها.
مديت إيدي ومسكت إيدها الصغيرة.
هنخرج من هنا يا ليلي. أوعدك.
لكن سالفاتوري وقف فجأة.
رفع إيده يطلب مننا السكوت.
وبعد ثواني، سمعنا صوت فيكتور جاي من فوق
دوروا في كل أوضة! محدش يخرج من القصر!
وبعدين أضاف بصوت خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي
أخويا لسه هنا... وأنا عايزه حي.
سالفاتوري قرب مني وهمس
دلوقتي هتعرف ليه أخوك محتاجك عايش.
الفصل الأول السر اللي اتدفن مع أبويا
سالفاتوري أخدنا ناحية باب صغير في آخر القبو، وراه ممر ضيق كان مستخبي ورا رفوف الخشب.
الممر ده ما كنتش أعرف بوجوده رغم إني عشت في القصر سنين.
كنا بنمشي ببطء، وليلي ماسكة في إيدي، وكل شوية تسألني إذا كنت كويس.
كنت عارف إن حالتي مش هتسمحلي أهرب لمسافة طويلة، لكن الغريب إن الخوف اللي جوايا بدأ يقل كل ما قربنا من نهاية الممر.
وصلنا لباب حديد قديم.
سالفاتوري طلع مفتاح صغير من جيبه وفتح الباب.
دخلنا أوضة ضيقة مليانة