ابني طردني

لمحة نيوز

ابني طردني من بيتي ومراته كانت بتضحك بس لما اكتشفت إن حسابي البنكي فاضي، لقيت سر مستخبي في مصحف جوزي الله يرحمه!
الجزء الأول
لمّي شنطك واغوري من بيتي! أنا مش هصرف على عجوزة بقت ملهاش أي لازمة!
صوت دانيال هز الشارع القديم في مدينة طنطا، والناس اللي ماشية في الشارع وقفت تبص بصدمة على أمه، الحاجة كريمة Valdés، اللي عندها ٧٨ سنة، وهي بتحاول ترفع شنطتين كبار بالعافية، وإيديها بتترعش من التعب.
ومن شباك الدور اللي فوق، كانت مرات ابنها، بياتريس، واقفة بتتفرج على المشهد بابتسامة شماتة، كأنها أخيرًا خلصت من حمل كان على قلبها.
ولما دانيال لف ورجع ناحية باب البيت، قالت له بصوت واطي وهي بتبتسم
عملت الصح يا حبيبي. كان لازم ناخد راحتنا ونعيش حياتنا بقى من غير وجع الدماغ ده.
كريمة ما ردتش بكلمة واحدة.
وقفت ساكتة، بتحاول تداري دموعها عن الناس، وهي فاكرة السنين اللي فاتت من عمرها. تلاتة وأربعين سنة قضتهم قدام ماكينة الخياطة، بتخيط فساتين الفرح للعرائس، وتشتغل ليل ونهار عشان تصرف على ابنها، وتدخّله أحسن المدارس والجامعات، وتخليه يكبر ويبقى راجل أعمال ناجح.
وفي الآخر، ده كان جزاؤها!
البيت اللي ابنها طردها منه كان بيت العيلة من زمان، في قلب مدينة طنطا، وورثوه جيل بعد جيل. وبعد وفاة جوزها، الحاج حسن، من تلات سنين، حياتها اتقلبت رأسًا على عقب.
في الأول، بياتريس بدأت تشتكي إن وجود حماتها في البيت بيضايقها، وإنها مش عارفة تاخد راحتها في بيتها.
وبعدها أقنعت دانيال إن أمه بقت عبء عليهم، وإنهم مش هيقدروا يعيشوا حياتهم طول ما هي موجودة.
شوية بشوية، كريمة خسرت كل حاجة.
أول حاجة، أخدوا منها أوضتها ودوها أوضة صغيرة جنب المطبخ.
بعدها نقلوا ماكينة الخياطة بتاعتها للمخزن، بحجة إنها بتاخد مساحة ومحدش بقى محتاج شغلها.
وبعدين جه اليوم اللي دانيال دخل عليها فيه ومعاه شوية ورق، وقال لها بكل برود
البيت بقى باسمي يا أمي. أبويا كتب كل حاجة ليا قبل ما يموت، وإنتِ ملكيش حق تعترضي. شوفي لك مكان تاني تعيشي فيه.
كريمة مسكت الورق بإيديها المرتعشة، وحاولت تقراه، بس الكلام القانوني كان أكبر من فهمها. بصت للتوقيع، وحست إنه شبه خط جوزها، فافتكرت إن يمكن فعلًا يكون كتب البيت باسم ابنه.
ما جادلتوش.
ما كانش عندها لا القوة ولا الصحة اللي تخليها تدخل في خناقة مع ابنها الوحيد.
بس دلوقتي، وهي نازلة الشارع بشنطها، بدأت تحس إن الوجع الحقيقي مش وجع رجليها ولا ضهرها.
الوجع الحقيقي إن ابنها اللي سهرت عليه الليالي، واللي كانت بتقص من أكلها عشان تشبع بطنه، هو نفسه اللي رماها في الشارع من غير ما يرمش له جفن.
بعض الجيران وقفوا يتفرجوا، وفيه ستات كانوا بيتمتموا بغضب، لكن محدش كان عارف يتدخل إزاي.
لحد ما عم محمود، راجل عنده ٧٣ سنة، كان معاشه من شغله في المخبز، ساب عربية العيش الفينو والفطير اللي كان بيبيعها على ناصية الشارع، وجري ناحيتها.
يا كريمة! إنتِ رايحة فين بالشنط دي كلها؟ وإيه اللي حصل؟!
حاولت تبتسم، بس شفايفها كانت بتترعش.
مفيش يا محمود، أنا بس هدوّر على مكان أقعد فيه كام يوم.
بصلها بصدمة، وبعدين بص ناحية البيت اللي دانيال كان لسه واقف على بابه.
مكان إيه اللي تدوري عليه؟! إنتِ مالكيش غير بيتك! هو ابنك طردك بجد؟!
كريمة نزلت عينيها في الأرض، ودمعة نزلت على خدها من غير ما تحس.
عم محمود ما استناش يسمع أكتر.
خلاص، اعتبري الموضوع انتهى. أختي أمينة عندها أوضة فاضية في بيتها، وهتفضلي عندها لحد ما نشوف إيه الحكاية دي. ومحدش هيبات في الشارع طول ما أنا لسه عايش.
حاولت كريمة تعترض، وقالت له إنها مش عايزة تتقل على حد، لكنه أصر، وشال عنها واحدة من الشنط، ومشي معاها لبيت أخته.
وفي الليلة دي، قعدت كريمة في أوضة صغيرة، مساحتها ما تكملش تسعة أمتار، وحطت علبة الدوا بتاعتها على الكومودينو، وطلعت صورة قديمة لجوزها من شنطتها.
فضلت تبص للصورة وقت طويل.
افتكرت أيام ما كان دانيال طفل عنده تمن سنين، وكان بيروح المدرسة بفخر ويحكي لصحابه عن أمه.
كان دايمًا يقول لهم
أمي أشطر خياطة في الدنيا، وفساتين الفرح اللي بتعملها أحلى من أي فساتين في المحلات!
إمتى اتغير الطفل ده؟
إمتى بقى شايف أمه عبء، بدل ما تكون أغلى إنسانة في حياته؟
يمكن لما كبر وبقى فاكر إن كل الفلوس اللي عاش بيها جاية من أبوه، وإن البيت والشغل والنجاح كلهم فضل من أبوه عليه.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
الحاج حسن كان راجل طيب، لكنه عمره ما حب يتكلم عن الفلوس اللي مراته ساهمت بيها في تكوين حياتهم. كريمة كانت بتشتغل بإيديها وتكسب فلوس كويسة من خياطة فساتين الأفراح، وكانت بتحط معظم دخلها في مصاريف البيت وتعليم دانيال، وحتى في ترميم البيت القديم اللي بقى دلوقتي بيطردها منه.
هي عمرها ما عايرت ابنها بحاجة، ولا قالت له إنها ضحت عشانه.
كانت فاكرة إن الأمومة مش حسابات، وإن اللي بتعمله لابنها مش مستنية عليه مقابل.
لكنها ما كانتش تعرف إن سكوتها ده ممكن يخلي ابنها ينسى كل حاجة.
تاني يوم الصبح، قررت كريمة تروح البنك وتراجع حسابها.
كان معاها حساب توفير بتحوش فيه من سنين، وكل ما تخلص فستان فرح وتحصل أجرها، كانت بتحط جزء من الفلوس على جنب.
على مدار عمرها، قدرت تجمع مبلغ محترم، حوالي أربعة ملايين وسبعمية ألف جنيه، كانوا أمانها الوحيد لو احتاجت علاج أو اضطرت تعيش لوحدها يومًا ما.
وصلت البنك، وقعدت قدام موظفة خدمة العملاء، وادّتها بطاقتها وطلبت منها تعرف رصيد حسابها.
الموظفة كتبت البيانات على الكمبيوتر، وبعد لحظات، وشها اتغير.
راجعت الشاشة مرة تانية، وبعدين بصت لكريمة باستغراب.
معلش يا حاجة، ممكن أتأكد من الرقم القومي لحضرتك مرة كمان؟
كريمة ادّتهولها، وهي مستغربة.
الموظفة راجعت البيانات، وبعدها قالت بتردد
يا حاجة كريمة، الحساب بتاع حضرتك رصيده تقريبًا صفر.
كريمة افتكرت إنها سمعت غلط.
بتقولي إيه يا بنتي؟! إزاي صفر؟! ده أنا سايبة فيه فلوس عمري كله!
الموظفة بصت للشاشة مرة تانية، وقالت
فيه تحويل كبير اتعمل من تلات أسابيع، وكل الفلوس تقريبًا اتسحبت من الحساب.
كريمة حسّت إن الأرض بتلف بيها.
تحويل لمين؟ ومين اللي عمل كده؟!
الموظفة راجعت تفاصيل العملية، وبعدين قالت
التحويل اتعمل بتفويض بنكي مسجل باسم ابن حضرتك، الأستاذ دانيال.
كريمة حطت إيدها على صدرها، وحاولت تاخد نفسها.
دانيال!
ابنها اللي طردها من بيتها امبارح، هو نفسه اللي سحب تحويشة عمرها من غير ما يقول لها!
افتكرت إنها كانت مدياله تفويض على حسابها من فترة، لما دخلت المستشفى وعملت عملية في رجليها، وكان مطلوب حد يتابع بعض الإجراءات البنكية بدلها.
وقتها قالت لنفسها إن ده ابنها، وإنها تقدر تأمنه على روحها، مش بس على فلوسها.
ما خطرش على بالها أبدًا إنه ممكن يستغل ثقتها بالشكل ده.
خرجت من البنك وهي مش شايفة قدامها من الصدمة، وقعدت على أول دكة في الشارع، وحطت إيديها على وشها وانفجرت في العياط.
ما كانتش بتعيط على الفلوس لوحدها.
كانت بتعيط لأنها اكتشفت إنها بقت غريبة في حياة ابنها، وإن كل حاجة ضحت بيها عشانه ما كانتش كفاية عشان يمنع نفسه من أذيتها.
وفجأة، سمعت صوت راجل بينادي عليها
كريمة؟! إنتِ قاعدة هنا بتعيطي ليه؟ حصل إيه؟!
رفعت راسها، ولقت قدامها الأستاذ رفعت الشاذلي، صديق جوزها القديم، ومدير فرع البنك اللي كانت بتتعامل معاه من سنين.
رفعت كان يعرف الحاج حسن من أيام الشباب، وكان من الناس القليلة اللي حضروا معاه مراحل كتير من حياته.
لما شاف حالتها، قعد جنبها وطلب منها تحكي له كل اللي حصل.
كريمة حكت له عن طرد ابنها ليها، وعن الورق اللي قال لها إن البيت بقى ملكه، وعن الفلوس اللي اختفت من حسابها.
رفعت سمعها للآخر، وكل ما كانت بتحكي، ملامحه كانت بتتغير.
ولما خلصت، فضل ساكت شوية، وبعدين قال لها بصوت جاد
كريمة، فيه حاجة لازم تعرفيها عن حسن الله يرحمه.
بصت له باستغراب.
حاجة إيه يا رفعت؟!
اتلفت حواليه كأنه بيتأكد إن محدش بيسمعهم، وبعدين قرّب منها وقال
جوزك قبل ما يتوفى، سلّمني أوراق مهمة جدًا أحافظ عليها. وقال لي لو في يوم حصل لك أي حاجة، أو حد حاول ياخد منك حقك، لازم أوصّلك للحقيقة. بس هو كمان ساب لك رسالة شخصية في مكان كان بيخبّي فيه أسراره طول عمره.
كريمة عقدت حواجبها وهي بتحاول تفتكر.
وفجأة، افتكرت حاجة.
المصحف القديم اللي كان جوزها بيحتفظ بيه في صندوق خشب، واللي كان دايمًا يرفض إنها تتخلص منه رغم إن غلافه بقى قديم ومهترئ.
كان المصحف ده من أغلى الحاجات عند حسن، وكان كل ما يفتحه يقعد لوحده وقت طويل، وبعدها يرجعه مكانه ويقفل الصندوق بالمفتاح.
كريمة أخدت المصحف معاها وهي خارجة من البيت، وسط حاجاتها القليلة، من غير ما تعرف ليه أصرت تاخده بالذات.
رفعت بص لها وقال
اسمعيني كويس يا كريمة. أول ما ترجعي، افتحي المصحف ده ودوّري جواه. ولو لقيتي أي حاجة، ما تروحيش لدانيال، وما تواجهيهوش قبل ما ترجعي لي. اللي جوزك سايبه ممكن يغيّر حياتك كلها.
كريمة قامت من مكانها، وهي حاسة إن لأول مرة من يومين فيه خيط أمل ظهر قدامها.
رجعت بيت أمينة، وطلعت الصندوق الخشب من الشنطة، وحطته على السرير.
إيديها كانت بتترعش وهي بتفتح الغطا.
جواه كان المصحف القديم، ومعاه شوية صور عائلية وعلبة صغيرة فيها دبلة جوازها.
مسكت المصحف وبدأت تقلب صفحاته واحدة واحدة، لحد ما لاحظت إن فيه صفحات متنية بطريقة غريبة ناحية آخره.
دخلت صوابعها بين الصفحات، وسحبت ظرف أصفر قديم، كان متخبّي بعناية جوه الغلاف الخلفي.
على الظرف كان مكتوب بخط جوزها
إلى كريمة افتحي الظرف ده لو في يوم حسّيتي إنك بقيتي لوحدك، أو إن حد سرق منك حقك.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
فتحت الظرف، وطلعت منه جواب مكتوب بخط حسن، ومعاه ورقة بنكية مختومة، وأوراق تانية ما فهمتش معناها.
بدأت تقرأ الجواب بصوت واطي، وكل سطر كانت بتقراه كان بيخلي عينيها تتوسع أكتر.
كريمة حبيبتي،
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا مش موجود جنبك، ويمكن تكوني مريتي بوقت صعب كنت أتمنى أكون فيه معاكي.
سامحيني إني خبيت عنك الحقيقة كل السنين دي، لكني كنت بحاول أحميكي من ناس كنت عارف إنهم ممكن يطمعوا في اللي معاكي.
إنتِ طول عمرك فاكرة إن كل اللي نملكه هو البيت وحساب التوفير وشوية مدخرات. لكن الحقيقة إن ليكي حق في ثروة كبيرة، قيمتها بتتجاوز تمنميت مليون جنيه، وحقك فيها مثبت بأوراق قانونية.
الثروة دي مش هدية من حد، ولا فلوس جات لنا بالصدفة. جزء كبير منها نتيجة استثمارات وعقارات اشتريتها على مدار سنين، وجزء تاني من أموال ورثتيها عن عيلتك، وكنت أنا بديرها ليكي بناءً على اتفاقات موثقة.
لكن فيه حاجة أهم لازم تعرفيها.
لو دانيال حاول يطردك من البيت أو ياخده منك، ما تصدقيش أي ورق يوريهولك، مهما كان التوقيع شبه توقيعي.
عقد الملكية الحقيقي بيحكي حكاية مختلفة تمامًا حكاية محدش في العيلة يعرفها غيري وإنتِ.
روحي لرفعت الشاذلي، وهو هيعرف يوصّلك لباقي الحقيقة.
ويا كريمة، لو وصلتي للمرحلة دي، خدي بالك من الشخص اللي واقف جنب دانيال. لأن اللي حصل مش مجرد طمع في الفلوس فيه سر أقدم وأخطر من كده بكتير.
كريمة وقفت عن القراءة، والجواب بدأ يترعش بين إيديها.
تمنميت مليون جنيه؟!
عقارات واستثمارات وورث من عيلتها؟!
إزاي كل ده حصل وهي عايشة طول عمرها على قد حالها، وبتخيط فساتين الفرح عشان تكسب رزقها بالحلال؟!
لكن اللي خوّفها بجد ما كانش رقم الثروة.
كان آخر سطر في الرسالة.
خدي بالك من الشخص اللي واقف جنب دانيال لأن اللي حصل مش مجرد طمع في الفلوس.
كريمة بصت ناحية باب الأوضة، وكأنها خايفة يكون فيه حد واقف وراها وبيسمعها.
وبعدين رجعت بصت للأوراق اللي كانت جوه الظرف.
إحدى الورقات كان عليها رقم عقار قديم وعنوان مكتب محاماة في القاهرة، والتانية عليها ختم رسمي وتوقيع شاهدين.
لكن وسط الأوراق دي كلها، لقت صورة صغيرة قديمة ليها هي وحسن، واقفين قدام نفس البيت اللي ابنها طردها منه.
وعلى ضهر الصورة، كان حسن كاتب جملة واحدة بخط إيده
البيت ده عمره ما كان ملك دانيال والحقيقة موجودة في الخزنة رقم ٣١٧.
كريمة شهقت من الصدمة.
خزنة رقم ٣١٧؟!
يا ترى إيه اللي كان حسن مخبيه فيها؟ وليه ما قالهاش على السر ده طول عمره؟
والأخطر من كده
لو دانيال ما كانش صاحب البيت زي ما ادّعى، يبقى مين اللي زوّر الحقيقة؟ وإيه اللي كانت بياتريس عارفاه وخلاها تبتسم وهي بتتفرج على حماتها وهي بتتطرد في الشارع؟
الجزء التاني والأخير السر اللي قلب حياة كريمة واللي ابنها اكتشفه بعد ما كان فات الأوان!
كريمة فضلت باصة للصورة القديمة اللي في إيديها، وهي مش قادرة

تم نسخ الرابط