ابني المقعد

لمحة نيوز

جماعية.
في الأول، كان متوتر، لكن سارة كانت بتشجعه من غير ما تضغط عليه.
وكان فيه ولد اسمه يوسف، عنده إصابة حركية برضه، اتعرف عليه في المركز.
في البداية، الاتنين كانوا ساكتين، لكن بعد ما اكتشفوا إنهم بيحبوا نفس ألعاب الكمبيوتر، بقوا أصحاب.
ولأول مرة، آدم بقى عنده صاحب تاني غير سارة.
أما أنا، فبدأت أتعلم إزاي أكون أب، مش مجرد راجل بيحاول يحل كل مشكلة بالقوة والفلوس.
المفاجأة اللي سارة قدمتها لآدم
بعد ست شهور، المركز نظم يوم رياضي للأطفال وأسرهم.
كان فيه سباقات للكراسي المتحركة، وألعاب جماعية، ومسابقات رسم.
آدم كان متحمس جدًا، لدرجة إنه صحاني بدري وقال
بابا، متتأخرش! النهارده أنا هكسب يوسف في سباق الكراسي.
ضحكت.
وأنا مالي؟ أنا مش الحكم!
قال بجدية مضحكة
بس لازم تكون موجود وتشجعني.
وعدته إني هكون موجود.
يوم المسابقة، كنت واقف وسط الأهالي، من غير حراسة ظاهرة، ومن غير ما حد يبعد الناس عني.
آدم كان عند خط البداية، وسارة واقفة جنبه بتشجعه.
لما الإشارة بدأت، اتحرك هو ويوسف وباقي الأطفال في المسار المحدد.
آدم ماكسبش المركز الأول.
وصل تالت واحد.
لكن لما وصل، كان بيضحك وبيصفق لنفسه، وسارة جريت ناحيته وهي بتقول
أنا قلت لك إنك هتعملها!
وهو بص لي من بعيد ورفع إيده.
في اللحظة دي، حسيت إن ابني كسب حاجة أهم بكتير من المركز الأول.
كسب ثقته في نفسه.
وبعد المسابقة، سارة طلعت من شنطتها علبة صغيرة، وادتها لآدم.
فتحها، فلقى جواها صورة مطبوعة ليهم هما الاتنين في الجنينة، من أول يوم اتقابلوا فيه.
على ظهر الصورة، كانت كاتبة
لآدم، صاحبي اللي علمني إن الشجاعة مش إنك تجري أسرع من كل الناس، لكن إنك تكمل حتى لو الطريق صعب.
آدم فضل باصص للصورة، وبعدين قال لها
إنتِ أحسن صاحبة في الدنيا.
سارة ابتسمت.
وأنت أحسن صاحب. بس متفتكرش إن ده هيخليني أسيبك تكسبني في الألعاب!
ضحكوا هما الاتنين.
وأنا، وأنا واقف بعيد، حسيت إن نادين لو كانت موجودة، كانت هتبقى فخورة بابنها.
بعد سنة... القرار اللي غيّر مستقبل عيلتين
مرت سنة كاملة من يوم ما قابلت سارة في الجنينة.
شريف اتحاكم في قضايا التلاعب في المستندات والتهديد والفساد المرتبط بشركة الصيانة، وصدر ضده حكم بالسجن بعد ما ثبتت مسؤوليته عن الجرائم اللي ارتكبها.
أما تهمة التسبب عمدًا في وفاة نادين، فلم تثبت، لأن التحقيقات ماوصلتش لدليل قاطع يثبت إنه دبّر الحادثة.
سامح اعترف بدوره في تغيير التقرير، واتحاسب قانونيًا على مسؤوليته.
ومنّى أخدت حقها بعد ما ثبت إنها تعرضت للتهديد، واتفتح تحقيق في المخالفات اللي حصلت في المستشفى.
أما أنا، فكان لازم أواجه نفسي.
قررت أقطع كل علاقة بين شغلي وأي نشاط غير قانوني، وأخلي محاميّ يساعدني في تسوية الملفات والمخالفات اللي كنت متورط فيها، وأتعاون مع التحقيقات بدل ما أستخدم نفوذي عشان أهرب منها.
مخدتش القرار ده عشان بقيت ملاك فجأة، ولا عشان الماضي اختفى.
أخدته لأن آدم كان بيكبر، ولأني لأول مرة فهمت إن ابني مش محتاج أب يخاف منه الناس، قد ما هو محتاج أب يقدر يبص له في عينه من غير ما يخجل من حياته.
وبمساعدة ناس متخصصين، أسست برنامجًا لدعم الأطفال ذوي الإعاقة وأسرهم، وتوفير أنشطة ترفيهية وتأهيلية ليهم، من غير ما أفرض عليهم قصتي أو أخلي حد يحس إنه مديون لي.
منى بقت مسؤولة عن جزء من البرنامج، بعد ما درست تدريبًا إضافيًا في دعم الأطفال وأسرهم.
وسارة رجعت مدرستها بانتظام، وبقت بتزور آدم في مواعيد مناسبة لدراستها وحياتها، مش كأنها موظفة عندنا.
وأنا حرصت إن علاقتهم تفضل صداقة حقيقية، من غير هدايا غالية أو وعود تخلّي سارة تحس إنها لازم تفضل جنب ابني.
في يوم، كنا قاعدين كلنا في حديقة المركز الجديد.
آدم كان بيتكلم مع يوسف عن مسابقة جاية، وسارة قاعدة ترسم شجرة كبيرة، ومنى بتتكلم مع إحدى الأمهات.
قربت من آدم وسألته
مبسوط يا حبيبي؟
بص لي وابتسم.
أوي يا بابا.
سكت لحظة، وبعدين قال
عارف يا بابا، أنا ساعات لسه بزعل إني مش بقدر أمشي زي باقي العيال.
قلبي وجعني، لكني سيبته يكمل.
بس مبقتش حاسس إن حياتي وقفت. عندي أصحاب، وبروح المركز، وبعمل حاجات كتير بحبها. وسارة قالت لي إننا هنفضل نكتشف ألعاب جديدة حتى لو رجلي فضلت زي ما هي.
حطيت إيدي على كتفه.
سارة عندها حق. وإحنا هنفضل نحاول نساعدك تتحسن على قد ما نقدر، من غير ما ننسى تعيش وتنبسط دلوقتي.
بص لي وسألني
بابا، إنت لسه زعلان عشان ماما؟
السؤال خلاني أسكت شوية.
وبعدين قلت له
أيوه يا آدم. هفضل أفتقدها طول عمري. بس مش معنى إني زعلان عليها إني لازم أفضل حزين كل يوم. أنا عايز أفتكرها وهي بتضحك، مش بس اللي حصل لها.
آدم هز راسه، وبعدين مد لي صورة قديمة لأمه، كان محتفظ بيها في شنطته.
أنا كمان بحب أفتكرها وهي بتضحك.
، وفضلنا ساكتين شوية.
لأول مرة، حسيت إننا بنتكلم عن نادين من غير ما الخوف يسيطر علينا.
السر الأخير في جواب نادين
بعد أيام، وصلني صندوق صغير من المحامي عادل.
كان فيه أوراق قديمة من حاجات نادين الشخصية، استلمها المستشفى بعد الحادثة، وبعد انتهاء الإجراءات رجعت ضمن متعلقاتها.
في قاع الصندوق، لقيت جوابًا مكتوبًا بخط إيدها، وعليه اسمي.
فتحته بإيدين بيترعشوا.
كان مكتوب فيه
ماكسيم،
لو إنت بتقرأ الجواب ده، فغالبًا إحنا مرينا بوقت صعب، ويمكن تكون رجعت تقفل على نفسك وعلى آدم خوفًا من إنك تخسرنا.
أنا عارفة إنك بتحبنا، وعارفة إنك مستعد تعمل أي حاجة عشان تحمينا.
بس فيه حاجة نفسي تفهمها.
آدم مش محتاج أب يقدر يمنع العالم كله من الوصول له. هو محتاج أب يعلمه إزاي يعيش في العالم، حتى لما الدنيا تكون صعبة.
ولو حصل لي أي حاجة، متخليش خوْفك عليّ يتحول لسجن ليك وله.
خليه يعيش، ويضحك، ويغلط، ويتعرف على ناس، ويكون له أصحاب.
ومتفتكرش إنك لازم تكون قوي طول الوقت. ساعات، أقوى حاجة ممكن تعملها إنك تعترف إنك موجوع، وتسمح لحد يساعدك.
بحبك.
نادين.
فضلت باصص للجواب وقت طويل.
ماكنتش عارف هي كتبته إمتى بالضبط، لكني كنت متأكد إنها كانت بتتكلم عن أكتر حاجة كنت محتاج أسمعها.
قعدت في المكتب، وعيطت لأول مرة من غير ما أحاول أخبي دموعي عن نفسي.
مش عشان الحزن اختفى.
لكن عشان أخيرًا فهمت إن حبي لنادين مش لازم يفضل مربوط بالليلة اللي خسرتها فيها.
وإن حبي لآدم مش معناه إني أمنعه من الحياة خوفًا من إنه يتوجع.
في المساء، خدت الجواب لآدم.
قرأناه سوا، ولما خلص، فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
ماما كانت عايزانا نكون مبسوطين، صح؟
ابتسمت وأنا بمسح دموعي.
أيوه يا حبيبي.
آدم بص ناحية الشباك، حيث كانت سارة مستنياه عشان ينزلوا يلعبوا في الحديقة.
طب أنا هروح ألعب. وإنت تعالى معانا.
ضحكت.
حاضر يا سيدي.
في آخر اليوم، كنت واقف عند باب الحديقة، بتفرج على آدم وسارة ويوسف وهما بيلعبوا لعبة جماعية.
آدم كان بيتحرك بكرسيه وسط أصحابه، بيضحك وبيشاركهم، ومش فارق معاه مين بيكسب ومين بيخسر.
وسارة كانت بتجري بينهم، بشعرها الأحمر اللي بيتطاير مع الهوا، ونفس الجزمة القديمة اللي شفتها عليها أول مرة، بعد ما أصلحت نعلها بدل ما ترميها.
فؤاد وقف جنبي وقال
يا باشا، عمرك كنت تتخيل إن بنت صغيرة زي دي هتغيّر حياتك بالشكل ده؟
فضلت باصص لابني قبل ما أرد.
لأ. أنا كنت فاكر إن القوة إني أخلي كل الناس تخاف مني، وإن الفلوس تقدر تصلح أي حاجة.
سكت لحظة، وبعدين كملت
لكن البنت دي علمتني إن فيه حاجات محدش يقدر يشتريها، وإن ساعات طفل صغير يقدر يعمل اللي إمبراطورية كاملة تعجز عنه.
آدم لمحني من بعيد، ورفع إيده وناداني
بابا! تعالى العب معانا!
بصيت له، وابتسمت.
خلعت الجاكيت، وسبت الموبايل مع فؤاد، ومشيت ناحيتهم.
لأول مرة من سنين، مقدرتش أفتكر آخر صفقة عملتها، ولا آخر شخص هددني، ولا عدد الرجالة اللي مستنيين أوامري.
كل اللي كنت شايفه قدامي كان ابني، وأصحابه، وضحكته اللي رجعت تنور الدنيا من جديد.
وساعتها فهمت إن أغلى حاجة رجعت لي بعد موت نادين، مكنتش فلوس ولا نفوذ ولا حتى الحقيقة اللي دورت عليها سنة كاملة.
كانت فرصة إني أكون أبًا حقيقيًا لابني.
أما سارة، البنت اللي دخلت من بين الحراس من غير ما تخاف، فمقدرتش تمشي زي ما دخلت.
لأنها من غير ما تقصد، فتحت بابًا كان مقفولًا في قلب طفل، وخلّت أبوه يكتشف إن الحياة ممكن تبدأ من جديد حتى بعد أقسى خسارة.
وانتهت حكايتنا مش بأن كل الجروح اختفت، ولا بأن آدم قام ومشى بمعجزة، لكن بأننا اتعلمنا نعيش رغم الجروح، ونحب من غير خوف، ونفتكر اللي فقدناهم من غير ما ندفن نفسنا معاهم.
وده كان أول يوم في حياتي أحس فيه إني فعلًا كسبت حاجة تستاهل كل التعب.
النهاية.

تم نسخ الرابط