ابني المقعد
ابني المقعد قاعد لوحده في جنينة عامة، بيتفرج على الأطفال وهما بيلعبوا ويضحكوا، وكلهم بيبعدوا عنه أول ما يشوفوا الرجالة المسلحين اللي واقفين يحرسوه. أنا كنت واحد من أخطر رجال المافيا في نيويورك، لكن رغم كل النفوذ والفلوس اللي تحت إيدي، مقدرتش أشتري لابني الصغير صاحب واحد يقعد معاه ويلعب جنبه!
لحد ما بنت فقيرة، شعرها أحمر ونار في عينيها، عدّت من بين الحراس بتوعي، وقربت من كرسي ابني المتحرك، وعملت حاجة محدش اتجرأ يعملها من شهور...
اسمي ماكسيم الشناوي. كنت راجل مجرد دخولي أي مكان بيخلّي الرجالة اللي قدّي واللي أكبر مني يسكتوا ويحسبوا لكل كلمة حساب، لكن لما كنت بشوف ابني الوحيد، آدم، قاعد لوحده جنب ملعب الأطفال، كنت بحس إن الدنيا كلها وقعت فوق دماغي، وإن كل القوة اللي عندي ملهاش أي لازمة.
دورلي على اللي سرق الشحنة يا فنسنت، قلت في التليفون بصوت مليان غضب. محدش يمد إيده على عيلة الشناوي ويفتكر إنه هيعدّيها بالساهل!
وفجأة، سمعت صوت كورة بتخبط في الأرض وتتنطط على الرصيف.
آدم رفع راسه بسرعة، وعينيه لمعت بأمل أول ما شاف الكورة.
كان فيه ولد صغير بيجري وراها، لكن أول ما عينه وقعت على الحراس بتوعي، وقف مكانه كإنه شاف عفريت.
بص لآدم بخوف، وخطف الكورة بسرعة وهو بيقول
معلش... آسف!
آدم رد عليه بصوت واطي ومكسور
ولا يهمك.
واتفرجت على كتاف ابني وهي بتهبط، وعلى وشه وهو بيرجع يبص للأرض، بينما الولد جري ورجع لأصحابه يكمل لعب معاهم.
قبضت إيدي جامد لدرجة إن ضوافري غرست في كفّي.
كان نفسي أصرخ فيهم كلهم، أقولهم إن ابني مش وحش، وإنه مش خطر على حد، وإن الرجالة اللي واقفين حواليه دول مش موجودين عشان يخوفوهم، لكن عشان يحموا أغلى حاجة فاضلة لي من الدنيا.
بس الحقيقة كانت أصعب من أي كلام.
من سنة واحدة بس، حادثة عربية بشعة قلبت حياتي وحياة ابني رأسًا على عقب.
مراتي، نادين، ماتت في الحادثة دي، وآدم نجا بأعجوبة، لكن إصاباته كانت شديدة لدرجة إنها خلّته عاجز عن المشي.
لحد النهارده، كنت بصحى من النوم على صوت صراخها اللي لسه بيرن في ودني، وأفتكر إزاز العربية المتكسر في كل حتة، ودمها اللي كان مغرق إيديها وهي بتحاول توصل لابننا الصغير.
كنت مستعد أتنازل عن كل اللي بنيته في حياتي، عن الفلوس والرجالة والنفوذ والاسم اللي الناس بتخاف منه، لو ده معناه إني أرجّعها للحياة تاني.
لكن الموت مبيفاوضش، مهما كنت غني أو قوي.
وبعد ما خسرت نادين، حطيت كل اللي أملكه في محاولة إني أرجّع لآدم حياته.
أشهر الدكاترة في مصر وبرّه مصر.
ممرضين مخصوص ليه طول اليوم.
جلسات علاج طبيعي وتأهيل بأحدث الأجهزة.
عربية مصفحة، وفيلا كاملة اتعدلت عشان تناسب الكرسي المتحرك بتاعه.
كنت بجيب له كل حاجة ممكن طفل في سنه يحلم بيها، وأي لعبة كان يشاور عليها كانت بتوصله لحد أوضته في نفس اليوم.
لكن كان فيه حاجة واحدة، مهما دفعت فيها، مقدرتش أجيبها له.
طفولته.
كل يوم بعد الضهر، كنت باخده للجنينة، وأقعد أراقبه وهو بيتفرج على الأطفال وهما بيجروا ويلعبوا، يضحكوا من قلبهم، ويتخانقوا على الكورة ويرجعوا يتصالحوا بعدها بدقايق.
أما هو، فكان قاعد على كرسيه المتحرك كأنه لعبة مرمية في ركن محدش عايز يقرب منه.
مش لأن الأطفال بيكرهوه، لكن لأنهم كانوا بيخافوا من الرجالة اللي واقفين حواليه، ببدلهم السودا وسماعاتهم وأسلحتهم اللي باينة تحت الجواكت.
وفي يوم، واحد من الحراس قرب مني وقال بصوت واطي
يا باشا، يمكن الأحسن ناخد آدم ونروح. الولد زهق، ومفيش حد بيلعب معاه.
بلعت غضبي وبصيت له بحدة.
لأ. هنفضل هنا.
كنت عارف إن ابني نفسه يقعد أكتر، حتى لو مفيش حد هيكلمه.
وفجأة، عيني وقعت عليها.
بنت صغيرة، شعرها أحمر ومكركب، هدومها قديمة وباين عليها إنها مستهلكة من كتر اللبس، وجزمة رياضية مقطوعة من الجنب لدرجة إن نعلها كان قرب يفك خالص.
كانت ماشية لوحدها ناحية منطقة الألعاب، ولما شافت الحراس بتوعي، وقفت لحظة وبصت لهم.
افتكرت إنها هتلف وترجع من حيث ما جت.
لكن اللي حصل بعدها خلاني أفتح عيني من الدهشة.
البنت كملت مشي، وعدّت من وسط الرجالة اللي واقفين، كأنها مش شايفاهم أصلًا!
واحد من الحراس صرخ فيها
إنتِ يا بنتي! استني عندك! رايحة فين؟ ممنوع تقربي من هنا!
لكنها لا بصت له، ولا حتى بطّلت مشي.
إيدي اتحركت تلقائي ناحية موبايلي، وأنا براقبها بحذر. في عالمي، أي حد بيقرب مني أو من عيلتي من غير إذن بيكون وراه سبب، وعمري ما كنت بثق في حد بسهولة.
البنت وقفت قدام آدم مباشرة.
ابني رفع عينه ليها باستغراب، كأنه مش مصدق إن فيه حد أخيرًا قرر يقرب منه بإرادته.
بصت له البنت وسألته بمنتهى البساطة
إنت قاعد هنا لوحدك ليه؟ مش بتلعب مع باقي العيال ليه؟
آدم بص ناحية رجليه اللي مبتتحركش، وبعدين رجع بص لها.
معرفش ألعب معاهم.
البنت عقدت حواجبها باستغراب.
يعني إيه متعرفش؟
آدم وطّى راسه وقال بصوت بيترعش
رجلي مش بتتحرك... أنا مش بعرف أمشي.
البنت فضلت باصة له ثواني، وكأنها بتحاول تفهم هو ليه حزين بالشكل ده، وبعدها ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
طب ومين قالك إن كل اللعب لازم يبقى بالجري؟
آدم رفع عينه ليها، ومتكلمش.
فكملت وهي بتشاور على عينيها
بص يا سيدي، فيه لعبة اسمها خمن أنا شايفة إيه. دي لعبة بالعينين، مش بالرجلين! وإنت عندك عينين أهو، ولا إيه؟
آدم رمش بعينيه كذا مرة، كأنه بيحاول يستوعب كلامها.
وبعدين...
ابتسم.
ابتسم ابتسامة حقيقية، من قلبه، لأول مرة من شهور طويلة.
الابتسامة اللي كنت فاكر إني مش هشوفها تاني غير في الصور القديمة اللي كانت بتجمعه بأمه.
حسيت إن نفسي اتحبس في صدري، وإن رجلي مش قادرة تتحرك من مكاني.
البنت سحبت كرسي صغير كان قريب منها، وقعدت جنب آدم، وبدأت تشرح له اللعبة بحماس، كأنهم أصحاب من سنين.
كنت لسه واقف مذهول، مش قادر أصدق إن طفلة غريبة قدرت تعمل في ثواني حاجة أنا وكل الدكاترة والأخصائيين النفسيين فشلنا نعملها في شهور.
لكن قبل ما ألحق أستوعب اللي بيحصل، واحد من رجالي مسك دراعي بقوة.
بصيت له بضيق وقلت
فيه إيه؟ إيدك على دراعي ليه؟
قرب مني، ووشه كان متغير بشكل مقلق، وصوته نزل لدرجة إني بالعافية سمعته.
يا باشا... فيه حاجة لازم تعرفها عن البنت الصغيرة دي.
بصيت له، وبعدين رجعت بعيني ناحية آدم، اللي كان بيضحك مع البنت وكأنه طفل تاني خالص.
الحارس بلع ريقه وقال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي
البنت دي مش مجرد طفلة فقيرة يا باشا... إحنا شوفناها قبل كده، وهي مرتبطة بحادثة وفاة مدام نادين، واسمها موجود في ملف قديم المفروض إنه اتقفل من سنة!
في اللحظة دي، اختفت الابتسامة من وشي.
حادثة نادين كانت بالنسبة لي سر مدفون، وكنت متأكد إن كل الخيوط اللي توصل للحقيقة انتهت يوم دفنت مراتي.
فإزاي طفلة صغيرة، لا أعرف عنها أي حاجة، يكون ليها علاقة باللي حصل في الليلة اللي خسرت فيها أغلى إنسانة في حياتي؟
والأخطر من كده...
ليه ابني، اللي بقاله شهور بيرفض يتكلم مع أي حد غريب، ارتاح للبنت دي من أول دقيقة؟
بصيت ناحية الحراس وقلت بصوت هادي، لكنه كان أخطر من أي صرخة
عايز أعرف كل حاجة عنها... اسمها، أهلها، ساكنة فين، وإيه علاقتها بحادثة مراتي. ومحدش يقرب منها أو يخوفها، مفهوم؟
وبعدين رجعت بصيت لآدم، اللي كان بيضحك لأول مرة من شهور، وحسيت إن اليوم ده ممكن يكون بداية رجوع ابني للحياة...
أو بداية اكتشاف سر قادر يهدّ كل حاجة كنت فاكر إني عارفها عن مراتي، وعن الحادثة اللي غيرت مصيرنا للأبد.
البنت الفقيرة اللي دخلت حياة أخطر رجل في مصر... وكشفت السر اللي اتدفن مع مراته!
فضلت واقف مكاني، عيني متثبتة على البنت الصغيرة اللي قاعدة جنب ابني، وهي بتضحكه كأنها تعرفه من سنين.
كنت سامع ضحك آدم، لكن عقلي كان واقف عند جملة الحارس.
مرتبطة بحادثة وفاة مدام نادين.
لفيت له ببطء، وقلت من بين سناني
إنت واعي إنت بتقول إيه يا فؤاد؟
هز راسه بسرعة.
أيوه يا باشا. أنا شوفت صورة البنت دي في ملف قديم عند الراجل اللي كان ماسك التحقيقات وقت الحادثة. بس مش فاكر التفاصيل كلها.
مسكت الحارس من كتفه وقلت
الملف ده عايزه قدامي خلال ساعة. ولو فيه ورقة واحدة ناقصة، هتكون آخر مرة أطلب منك فيها حاجة.
هز راسه وانطلق ينفذ كلامي.
لكن قبل ما أتحرك، سمعت صوت آدم بينادي عليّ.
بابا!
بصيت له، ولقيته بيشاور لي بحماس.
بابا، تعالى! سارة بتعلمني لعبة حلوة أوي!
سارة.
أخيرًا عرفت اسم البنت.
قربت منهم، وأنا بحاول أخفي القلق اللي كان بياكل في قلبي.
سارة بصت لي من تحت لفوق، وبعدين قالت بمنتهى البراءة
إنت باباه؟
قلت لها أيوه.
بصت للحراس اللي ورايا، وبعدين رجعت بصت لي وقالت
طب ممكن تخليهم يبعدوا شوية؟ آدم مش بيعرف يضحك كويس وهم واقفين فوق دماغه كده.
اتجمدت مكاني.
أنا، ماكسيم الشناوي، الراجل اللي محدش بيجرؤ يعترض على كلامه، طفلة صغيرة بتقولي إن رجالي مخوفين ابني!
والأغرب إني ملقتش رد أقوله.
بصيت للحراس وقلت
ارجعوا عند العربية. محدش يقرب مننا غير لما أناديه.
اعترض فؤاد بتردد
بس يا باشا، الأوامر...
بصيت له نظرة واحدة، فسكت فورًا.
لما بعدوا، سارة رجعت تبص لآدم وقالت
شايف؟ أهو الدنيا بقت أهدى. يلا بقى، دورك تخمن أنا شايفة إيه.
وبدأت اللعبة من جديد.
أما أنا، ففضلت واقف أتفرج عليهم، ولأول مرة من سنة، حسيت إن ابني مش محتاج فلوس ولا دكاترة في اللحظة دي.
كان محتاج حد يعامله كطفل عادي.
الملف القديم اللي قلب حياتي
بعد أقل من ساعة، رجعت الفيلا.
لقيت فؤاد مستنيني في المكتب، وحاطط قدامي ملف بني قديم، أطرافه متآكلة، وعليه رقم محضر الحادثة اللي ماتت فيه نادين.
قفلت باب المكتب، وقعدت وراه.
اتكلم.
فتح الملف وقال
البنت اسمها سارة محمود، عندها تسع سنين، وعايشة مع أمها في منطقة شعبية في شبرا. أبوها متوفي من أربع سنين، وأمها بتشتغل في تنظيف البيوت.
وإيه علاقتها بحادثة مراتي؟
فؤاد قلب كام ورقة لحد ما وقف عند صورة قديمة.
كانت صورة لست في أواخر الثلاثينات، واقفة قدام مستشفى، وماسكة إيد طفلة صغيرة بشعر أحمر.
نفس سارة.
لكن اللي خلاني أقرب من الورقة، إن الست اللي معاها كانت لابسة زي ممرضات، وفي إيديها ملف طبي.
فؤاد قال
دي أمها، منى. وقت الحادثة، كانت شغالة في مستشفى خاص، وكانت ضمن فريق التمريض اللي استقبل مدام نادين وآدم بعد ما الإسعاف نقلهم.
حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع.
يعني أمها كانت موجودة ليلة الحادثة؟
أيوه يا باشا. وده مش كل حاجة.
طلع ورقة تانية.
بعد الحادثة بأسبوع، منى قدمت بلاغ داخلي بتقول فيه إن فيه حاجة مش طبيعية حصلت في ملف مدام نادين. وبعدها سحبت البلاغ فجأة، واستقالت من المستشفى، واختفت من المنطقة اللي كانت ساكنة فيها.
فضلت باصص للورقة.
مين