ابني المقعد
المحتويات
دي، فهمت إن شريف عارف سارة، أو على الأقل عارف إنها قريبة من الحقيقة.
وبعد ما مشي، كلمت المحامي عادل.
عايزك تبلغ الجهات المختصة بكل اللي لقيناه، وتبدأ إجراءات رسمية لحماية منى وبنتها. ومحدش يتحرك ناحية شريف من غير ما يكون كل شيء قانوني.
عادل سألني
وإنت هتعمل إيه؟
بصيت ناحية الصالة، حيث كان آدم وسارة بيضحكوا.
هعمل اللي كان لازم أعمله من سنة. هخلي الحقيقة تظهر، حتى لو هتوجعني.
اختفاء سارة
في صباح يوم الخميس، صحيت على صوت فؤاد وهو بيخبط على باب أوضتي بعنف.
يا باشا! لازم تنزل حالًا!
نزلت وأنا متوقع مصيبة.
لقيت آدم قاعد على الكنبة، بيعيط، وفي إيده رسمة كان عاملها مع سارة.
بابا، سارة مش بترد عليا!
كلمت منى فورًا.
مفيش رد.
بعت حد من رجالي يتأكد من بيتها، وبعد أقل من نص ساعة، رجع فؤاد ووشه متغير.
الشقة فاضية يا باشا. الجيران بيقولوا إن منى خرجت مع بنتها بالليل، وبعدها محدش شافهم.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
أول فكرة جت في دماغي كانت شريف.
لكن عادل اتصل بيا في نفس اللحظة وقال
ماكسيم، منى كانت اتواصلت معانا امبارح. قالت إنها اكتشفت إن حد بيدور على الفلاشة، وطلبت إننا نساعدها تنتقل لمكان آمن. بس قبل ما نرتب كل حاجة، تليفونها اتقفل.
يعني إيه؟ هما فين؟
مش عارفين لسه، لكن إحنا بلغنا الشرطة، وبنراجع كاميرات الشارع.
كنت على وشك أفقد أعصابي.
لكن آدم مسك إيدي وقال بصوت متقطع
بابا، إنت هترجع سارة، صح؟
بصيت له.
كان خايف، مش بس على صاحبته، لكن كأنه رجع يحس بنفس الوحدة اللي كان عايش فيها قبل ما تظهر في حياته.
نزلت على ركبتي قدامه.
هعمل كل اللي أقدر عليه عشان نطمن عليها. أوعدك إني مش هسيب الموضوع.
لكن قبل ما أقوم، آدم مد لي الرسمة اللي كانت في إيده.
سارة قالت لي لو في يوم اختفت، أبص على الحاجة اللي رسمناها مع بعض.
أخدت الورقة.
كانت رسمة الشجرة والبيت، لكن تحت الشجرة كان فيه شكل صغير لساعة، وجنبها أرقام مكتوبة بخط سارة.
٦٣٠ المحطة القديمة.
افتكرت كلامها من يومين، لما كانت بتحكي لآدم عن أبوها، وقالت إن أبوها كان بياخدها أحيانًا لمحطة قطار قديمة قريبة من بيت جدتها.
وريت الورقة لعادل، اللي وصلها فورًا للشرطة.
وبالفعل، بعد مراجعة المعلومات، اتضح إن فيه محطة مهجورة في منطقة قريبة من المكان اللي كانت منى عايشة فيه زمان.
لكن قبل ما حد يوصل، ظهر تطور أخطر.
منى بعتت رسالة قصيرة لمحاميّ من رقم مجهول
معايا الدليل الأصلي. شريف عرف مكاني. لو حصل لي حاجة، لازم توصلوا لآدم.
الرسالة كانت آخر حاجة وصلت منها.
المواجهة في المحطة المهجورة
الشرطة وصلت للمحطة قبلنا، وطلبت مني أفضل بعيد عن المكان لحد ما يتأكدوا إن مفيش خطر.
لكن بعد دقائق، جالي اتصال من رقم مجهول.
رديت، وسمعت صوت شريف.
مساء الخير يا ماكسيم.
قبضت على الموبايل بقوة.
إنت فين يا شريف؟
ضحك بهدوء.
المهم مش أنا فين. المهم إنك تفهم إن اللي بتدور عليه مش هيغير اللي حصل. نادين ماتت، وابنك مش هيمشي لمجرد إنك عرفت مين غلط.
الكلام وجعني، لكنه أكد لي إن شريف كان بيحاول يخليني أفقد أعصابي.
قلت له
إنت عملت إيه بمنى وبنتها؟
صوته بقى بارد.
أنا معملتش حاجة. لكن لو فضلت تفتح ملفات قديمة، ناس كتير هتتأذي.
لو قربت منهم، مش هتقدر تهرب من القانون.
ضحك مرة تانية.
القانون؟ إنت بتكلمني عن القانون دلوقتي؟
وبعدين قفل.
بعد ثواني، وصلت رسالة من عادل
الشرطة لقت منى وسارة جوه مبنى جانبي بالمحطة. هما بخير، لكن منى مصابة بإرهاق شديد. وشريف مش موجود.
حسيت براحة مؤقتة، لكن الموضوع مخلصش.
منى كانت مخبية الدليل الأصلي في مكان بعيد عن البيت، وخافت إن شريف يوصل له قبل ما تسلمه للجهات المختصة.
بعد ما اتنقلت لمكان آمن واتطمنت على سارة، قابلتها بحضور محاميّ.
كانت مرهقة، لكن مصممة تتكلم.
قالت
أنا كنت فاكرة إن شريف عايز الفلاشة القديمة وبس. لكن لما رجعت أراجع حاجات جوزي، لقيت إنه كان محتفظ بنسخة من مكالمة بينه وبين شخص اسمه سامح فوزي، المهندس اللي وقّع على تقرير العربية.
طلعت ظرف صغير وسلمته لعادل.
جواه كان فيه نسخة من تقرير فني أصلي، وإيصالات تحويل، ورسالة مكتوبة بخط سامح.
الرسالة كانت بتقول إنه اكتشف إن تقرير فحص العربية اتعدل بعد الحادثة، وإنه رفض في البداية يمضي على النسخة الجديدة، لكن شريف هدده بفضيحة مالية تخص شركته.
وبعدها بأيام، سامح اختفى.
الشرطة قدرت توصل له من خلال بيانات سفره القديمة، واتضح إنه رجع مصر من فترة قصيرة، وكان عايش باسم شركته بعيد عن القاهرة.
وبعد استدعائه رسميًا، وافق يدلي بأقواله.
لكن شهادته كانت مختلفة عن كل توقعاتي.
الحقيقة اللي محدش كان مستعد يسمعها
في غرفة التحقيق، قال سامح إن العربية فعلًا كان فيها خلل في نظام الفرامل قبل الحادثة، وإن شريف كان عارف بالمشكلة لأنه كان مسؤول عن متابعة صيانتها من خلال شركة متعاقدة مع المستشفى.
لكن هل شريف هو اللي تسبب في الحادثة عمدًا؟
سامح قال إنه مفيش عنده دليل يثبت ده.
اللي كان يقدر يثبته، إن شريف عرف بوجود الخلل، وإنه بعد الحادثة ضغط عليه عشان يغير التقرير، ويخلي المسؤولية تقع على السائق وحده.
أما التسجيل الطبي، فكان بيكشف إن نادين كانت واعية للحظات قصيرة بعد وصولها المستشفى، وإنها طلبت تشوف آدم.
لكنها كانت في حالة حرجة جدًا، وماكانش فيه دليل قاطع إنها كانت قادرة على الإدلاء بأقوال كاملة.
السؤال اللي فضل معلق في دماغي كان
ليه شريف عمل كل ده؟
الإجابة ظهرت لما المحققين راجعوا الحسابات المالية.
شركة الصيانة اللي كانت مسؤولة عن العربية كانت مرتبطة بشكل غير مباشر بشركة أدوية وهمية، والشركتين كان بينهم معاملات مالية غير قانونية.
لو ظهر إن العربية كانت فيها مشكلة معروفة، كانت هتتكشف شبكة التلاعب كلها، وهي شبكة كان شريف بيكسب منها ملايين.
بدل ما يعترف بالإهمال ويواجه المسؤولية، حاول يدفن الحقيقة.
وفي محاولته دي، هدد منى، وغيّر التقارير، وضغط على سامح، وخلّى عيلة كاملة تعيش في خوف.
لكن لسه فيه سؤال واحد
هل كان شريف مسؤولًا عن موت نادين نفسه؟
بعد فحص كل الأدلة، التحقيق أثبت التلاعب وإخفاء المستندات والتهديد، لكنه ماقدرش يثبت إن شريف دبّر الحادثة أو تعمد قتلها.
وده كان أصعب جزء في الحقيقة.
كنت عايز شخص واحد أكرهه وأحمله كل الوجع اللي عشته، لكن الأدلة قالت إن الواقع أعقد من كده.
نادين ماتت في حادثة مأساوية، وكان فيه إهمال وتستر وفساد، لكن مفيش دليل قاطع يثبت إن موتها كان جريمة مدبرة.
ولأول مرة، كان لازم أقبل إن مش كل سؤال مؤلم له إجابة كاملة.
لكن ده ماكانش معناه إن شريف هيفلت.
شريف حاول يهرب... لكن المرة دي مكنش لوحده في المواجهة
بعد أيام من التحقيق، اتحدد موعد لمواجهة شريف بالأدلة.
لكنه اختفى قبل ما يتم استدعاؤه رسميًا.
الشرطة أصدرت أمرًا بضبطه وإحضاره، وبدأت تتبع حساباته واتصالاته.
وفي نفس الوقت، وصلني منه إيميل طويل.
كان بيقول فيه إنه مستعد يقابلني لوحدنا، وإنه عنده معلومات أخيرة عن اللي حصل لنادين.
كان واضح إنه بيحاول يخليني أروح له من غير الشرطة.
زمان، كنت هروح له فورًا، وأسيب الغضب يقرر عني.
لكن المرة دي، بعت الإيميل للمحامي والشرطة.
حددوا مكان المقابلة في مخزن قديم تابع لشركة الصيانة، بعد ما حصلوا على الإجراءات القانونية اللازمة.
رحت هناك، لكن مش لوحدي.
كان فيه ضباط في أماكن قريبة، وفريق مستعد يتدخل.
شريف كان واقف وسط المخزن، لابس بدلة غالية، لكن وشه كان شاحب.
أول ما شافني، قال
كنت عارف إنك هتيجي.
قلت له
أنا جيت أسمع اللي عندك. مش عشان أساعدك تهرب.
ضحك بمرارة.
لسه فاكر إنك مختلف عني يا ماكسيم؟ إنت بنيت إمبراطورية كاملة على الخوف، ودلوقتي جاي تحاسبني عشان استخدمت الخوف عشان أحمي نفسي؟
بصيت له بثبات.
أنا مش جاي أحاكمك. القانون هو اللي هيحاكمك. أنا جاي أفهم ليه.
وشه اتغير.
لأنك لو كنت مكاني، كنت هتعمل نفس الحاجة.
قلت له
لأ. أنا كنت ممكن أعمل حاجات كتير غلط، لكن مش هسيب أم تخاف على بنتها عشان تسكت عن حق.
للحظة، سكت.
وبعدين قال
أنا مكنتش عايز نادين تموت.
الجملة خلتني أحس إن صدري اتقفل.
يعني إنت كنت عارف إن العربية فيها مشكلة؟
نزل عينه.
عرفت قبل الحادثة بأيام. كنت بقول لنفسي إن العطل بسيط، وإننا هنصلحه في الصيانة الجاية. ولما الحادثة حصلت، خفت إن كل حاجة تتكشف.
وخفت على فلوسك وسمعتك أكتر من إنك تقول الحقيقة؟
مردش.
كملت وأنا بحس بغضب وحزن في نفس الوقت
كنت صاحبي. كنت بتدخل بيتي، وبتشوف ابني وهو بيتعلم يعيش من غير أمه، وكنت كل مرة تقول لي إن مفيش حاجة نقدر نعملها غير إننا نتقبل القدر.
رفع راسه، وعينيه مليانة دموع، لكني مكنتش عارف إذا كانت دموع ندم ولا خوف.
أنا غلطت يا ماكسيم.
قبل ما أقدر أرد، ظهر الضباط من الممر الجانبي.
شريف حاول يتحرك ناحية باب خلفي، لكنهم حاصروه وألقوا القبض عليه.
وأنا فضلت واقف مكاني.
كنت متخيل إن لحظة القبض عليه هتخليني أحس بانتصار كبير.
لكن اللي حسيت بيه كان مختلف.
كان فيه راحة لأن الحقيقة ظهرت، وحزن على نادين، وغضب على كل الأيام اللي ضاعت، ومرارة لأن الشخص اللي كنت بثق فيه كان مستعد يضحي بسلامة ناس عشان يحافظ على مصالحه.
وقبل ما يخرجوه، شريف بص لي وقال
هتسامحني يومًا ما؟
بصيت له وقلت
المسامحة مش قرار باخده عشان أريحك. إنت هتتحمل مسؤولية اللي عملته، وأنا هحاول أعيش من غير ما أفضل أسير للي حصل.
وخرج من حياتي، المرة دي مش كصديق، لكن كرجل لازم يواجه عواقب أفعاله.
آدم طلب مني حاجة مستحيل أرفضها
بعد القبض على شريف، رجعت البيت متأخر.
لقيت آدم مستنيني في الصالة، وسارة قاعدة جنبه بتقرأ له قصة مصورة.
أول ما شافني، سألني
بابا، سارة هتفضل تيجي عندنا، صح؟
قعدت قدامه وقلت
طبعًا، لو هي ومامتها حابين.
سارة بصت لي وقالت
أنا بحب أجي هنا، بس مش عايزة آدم يفضل محبوس في الفيلا طول الوقت.
استغربت.
تقصدِي إيه؟
يعني ليه آدم مبيخرجش يلعب مع عيال تانية؟ ليه لازم كل الناس اللي حواليه تبقى خايفة منه أو عليه؟
الكلام كان بسيط، لكنه خلاني أفكر في حاجة عمري ما فكرت فيها.
أنا كنت بحمي آدم لدرجة إني كنت بعزله عن الحياة.
كنت بخاف عليه من أي خطر، فبنيت حواليه سورًا من الحراس والعربيات المصفحة والأبواب المقفولة.
لكن السور ده كان بيمنع الناس من الوصول له، زي ما كان بيمنع الخطر.
تاني يوم، اتصلت بالدكتور المسؤول عن تأهيل آدم، وطلبت منه يحط لنا خطة تدريجية عشان ابني يشارك في أنشطة مناسبة لسنه، ويقابل أطفال تانيين، ويتعلم يعتمد على نفسه على قد ما يقدر.
الدكتور وضح لي إن إصابة آدم مش هتختفي بمجرد إنه يكون سعيد، وإن أي تحسن بدني محتاج وقت ومتابعة طبية، وإننا لازم نحترم قدراته وحدوده.
وافقت.
وبدأنا خطوة خطوة.
آدم بقى يروح مركز تأهيل متخصص، وبعد الجلسات كان بيشارك في أنشطة فنية وألعاب
متابعة القراءة