ابني المقعد

لمحة نيوز

اللي استلم البلاغ؟
فؤاد نزل عينه.
مدير المستشفى وقتها كان الدكتور شريف المنشاوي.
الاسم نزل عليّ زي الصاعقة.
شريف المنشاوي كان أقرب شخص ليا في الشغل.
راجل كنت بثق فيه لدرجة إني كنت بسيبه يتابع علاجي وعلاج ابني، وكان أول واحد وقف جنبي بعد موت نادين.
هو اللي رشح لي الدكاترة، وهو اللي أقنعني إن الحادثة كانت مجرد قضاء وقدر.
هو اللي قالي إن مفيش أي فرصة إن حد يكون تعمد يأذي مراتي.
قومت من مكاني بعنف، والكرسي وقع ورايا.
إنت متأكد من الكلام ده؟
فؤاد رد
دي المعلومات اللي في الملف يا باشا. لكن فيه صفحات ناقصة، وفيه تسجيلات كاميرات اختفت من المستشفى بعد الحادثة.
حسيت إن المكتب ضاق عليّ.
طول سنة، كنت بدور على أي حد ممكن يكون تسبب في الحادثة، ودفعت فلوس لناس كتير عشان أعرف الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت قاعدة جنبي على مكتب مكتوب عليه اسم شخص كنت بعتبره أخويا.
أخدت نفس طويل، وبعدين قلت
هاتلي عنوان أم البنت.
سارة طلبت مني طلب محدش اتجرأ يطلبه
في اليوم التاني، رجعت الجنينة في نفس المعاد.
كنت عايز أشوف سارة تاني، لكن المرة دي كان عندي أسئلة كتير.
لقيتها قاعدة جنب آدم، وبتحاول تعلمه إزاي يرمي كورة صغيرة بإيده ويصيب هدف معمول من علب بلاستيك.
آدم كان بيضحك كل ما الكورة تقع بعيد، وسارة كانت بتضحك معاه.
أول ما شافتني، رفعت إيدها وقالت
عمو ماكسيم! تعالى شوف آدم عمل إيه!
استغربت إنها نادتني باسمي، لكني قربت منهم.
آدم بص لي بفخر وقال
بابا، جبت الكورة في الهدف مرتين!
ابتسمت له وربت على كتفه.
برافو يا بطل.
وبعدين بصيت لسارة.
إنتِ بتحبي تيجي هنا كل يوم؟
هزت راسها.
لما بقدر. بس ساعات لازم أروح بدري عشان ماما بتتعب.
طب إيه رأيك تيجي كل يوم وتلعبي مع آدم؟ وأنا هخلي حد يوصلك ويرجعك.
ابتسامتها اختفت فجأة.
بفلوس؟
استغربت السؤال.
أيوه، يعني هنعوضك عن وقتك.
رجعت خطوة لورا، وبصت لي بجدية أكبر من سنها.
أنا مش ببيع صحبتي يا عمو. أنا بلعب مع آدم عشان هو صاحبي، مش عشان تديني فلوس.
الكلام دخل قلبي بطريقة غريبة.
كنت طول عمري فاكر إن كل حاجة ليها تمن، وإن كل مشكلة ممكن تتحل بالفلوس أو بالقوة.
لكن طفلة فقيرة كانت بتعلمني درس أنا معرفتش أتعلمه في خمسين سنة.
قلت لها
عندك حق يا سارة. أنا آسف.
ابتسمت من جديد، ورجعت تلعب مع آدم.
لكن وأنا ببص لهم، لاحظت حاجة غريبة.
سارة كانت بتتكلم عن حادثة العربية بحذر، وكأنها خايفة تقول حاجة معينة.
استنيت لحد ما آدم انشغل بالكورة، وبعدين قعدت جنبها على مسافة مناسبة.
يا سارة، إنتِ تعرفي حاجة عن الحادثة اللي ماتت فيها ماما آدم؟
اتغير وشها.
بصت ناحية الحراس البعيدين، وبعدين همست
ماما قالت لي لو شفتك، مفضلش أتكلم عن اللي حصل.
قلبي اتقبض.
ليه؟
سارة حركت صوابعها بتوتر، وبعدين قالت
عشان الراجل اللي كان بيزورنا زمان قال إن لو ماما اتكلمت، هيخلينا نختفي زي بابا.
حسيت إن الدم نشف في عروقي.
مين الراجل ده؟
هزت راسها.
معرفش اسمه. بس ماما كانت بتخاف منه أوي.
سكتت شوية، وبعدين أضافت
وفيه حاجة تانية يا عمو... ماما مخبية حاجة تخص مدام نادين. قالت لي محدش يشوفها غير لو إنت جيت بنفسك.
في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد ملف ناقص.
أم سارة كانت عارفة الحقيقة
في نفس اليوم، رحت عنوان سارة في شبرا من غير موكب كبير.
كنت عايز أقابل أمها بعيد عن الخوف والتهديد، لكني كنت عارف إن مجرد ظهور عربيتي قدام بيتها ممكن يخليها تقفل الباب في وشي.
البيت كان في شارع ضيق، والعمارات متقاربة، والأطفال بيلعبوا قدام المحلات.
طلعت للدور التالت، وخبطت على باب شقة صغيرة.
فتحت لي ست وشها شاحب، وعينيها فيها إرهاق سنين.
أول ما شافتني، إيديها اترعشت.
إنت... إنت ماكسيم الشناوي؟
قلت بهدوء
أيوه. أنا جاي أتكلم معاكي عن نادين.
وشها اتغير، وفتحت الباب أكتر.
دخلت، وقعدت على كرسي خشب قديم، وهي فضلت واقفة قدامي.
أنا عارفة إنك هتيجي في يوم من الأيام.
يبقى احكيلي كل حاجة.
منى بصت ناحية أوضة بنتها، وبعدها قعدت وهي بتفرك إيديها.
ليلة الحادثة، أنا كنت في النبطشية في المستشفى. عربية مدام نادين وصلت، وكانت حالتها حرجة. ابنك كان مصاب، لكنه كان لسه بيتنفس.
حسيت بألم قديم رجع يفتح جوايا.
كملت منى
بعد شوية، الدكتور شريف جه بنفسه. كان متوتر جدًا، وطلب مني أجهز أوراق معينة قبل ما أي حد من أهل المريضة يوصل.
أوراق إيه؟
تقرير الحادثة، وورقة موافقة على نقل مدام نادين لقسم تاني. لكن أنا لاحظت إن توقيت وصولها المكتوب في التقرير مختلف عن التوقيت الحقيقي، وإن فيه أدوية اتسجلت باسمها قبل ما تدخل المستشفى أصلًا.
قربت منها.
يعني إيه؟
يعني حد كان بيجهز ملفها قبل وصولها، يا أستاذ ماكسيم. ولما سألت، الدكتور شريف قال لي إني غلطانة، وإن مفيش داعي أراجع شغله.
حسيت إن الغضب بدأ يعميني.
لكن منى رفعت إيدها بسرعة وقالت
استنى، أنا لسه مخلصتش. تاني يوم، دخلت أوضة الملفات، ولقيت نسخة من تقرير طبي مكتوب فيه إن مدام نادين كانت واعية لفترة قصيرة بعد وصولها، وإنها حاولت تقول حاجة قبل ما حالتها تسوء.
وقفت من مكاني.
قالت إيه؟
دموع منى نزلت.
معرفش. الدكتور شريف شال الصفحة دي من الملف، وبعدها أمرني أمضي على تقرير تاني بيقول إنها وصلت من غير أي استجابة.
وإنتِ مضيتي؟
هزت راسها وهي بتعيط.
لأ. رفضت. بس هو هددني ببنتي. قال لي إن لو فتحت بقي، مش هتشوف سارة تاني.
سكتت شوية، وبعدين كملت
بعدها بأيام، جوزي مات في حادثة على الطريق. الشرطة قالت إنها حادثة عادية، لكن أنا كنت عارفة إن فيه حاجة غلط. بعدها لقيت الدكتور شريف باعت لي رسالة بيقول لي فيها إن الأفضل ليا وللبنت إني أنسى كل حاجة.
البيت كله بقى ساكت.
أنا كنت عارف إن عالمي مليان أسرار وناس ممكن تعمل أي حاجة عشان تحافظ على مصالحها.
لكن إن حد يستغل موت مراتي ويخوف أم فقيرة ببنتها، ده كان شيء تاني تمامًا.
سألتها
فين الدليل؟
منى قامت، ودخلت أوضتها، ورجعت بصندوق معدني صغير.
فتحته قدامي.
كان جواه فلاشة قديمة، وصورة لورقة طبية، وشريط تسجيل صغير.
دي نسخة من تسجيل صوتي سجلته يوم ما واجهت الدكتور شريف. كنت خايفة أموت من غير ما حد يعرف الحقيقة.
أخدت الفلاشة، لكن منى مسكت إيدي.
فيه حاجة لازم تعرفها. أنا مش متأكدة إن مدام نادين ماتت بسبب الدكتور شريف. أنا بس متأكدة إنه أخفى حاجة حصلت في المستشفى.
هزيت راسي.
لأول مرة من سنة، كان فيه فرق واضح بين اللي أنا متأكد منه واللي أنا مجرد شاكك فيه.
وكنت لازم أعرف الحقيقة من غير ما أظلم حد تاني.
التسجيل اللي خلاني أشك في أقرب الناس ليا
رجعت الفيلا، وطلبت من خبير إلكترونيات مستقل يفحص الفلاشة، بحضور محاميّ الخاص.
التسجيل كان مشوش، لكن بعد ما اتنقى الصوت، سمعنا صوت منى وهي بتسأل
يا دكتور، ليه التقرير مختلف عن اللي شوفته بعيني؟
وبعدين جه صوت الدكتور شريف
إنتِ مش فاهمة حجم الموضوع. فيه ناس كتير هتخسر لو الحقيقة ظهرت.
منى ردت
بس المريضة ماتت!
صوته بقى حاد
إنتِ عايزة تخسري بنتك كمان؟
وبعدها صوت خبطة، وانتهى التسجيل.
سكتنا كلنا.
محاميّ، الأستاذ عادل، قال
ده دليل مهم على التهديد وإخفاء معلومات، لكنه لوحده مش كفاية لإثبات إنه تسبب في الحادثة أو موت مدام نادين.
كنت عايز أروح لشريف فورًا وأحطه قدامي لحد ما يعترف.
لكن عادل وقفني.
يا ماكسيم، لو واجهته دلوقتي، هيقدر يمسح باقي الأدلة أو يهرب. إحنا محتاجين نعرف إيه اللي كان بيخفيه بالضبط.
لأول مرة في حياتي، قررت أسمع كلام حد بدل ما أتصرف بغضبي.
بدأنا نراجع سجلات المستشفى، وتقارير العربية، وحسابات الشركات اللي كانت بتتعامل مع شريف.
وبعد يومين، ظهر أول خيط حقيقي.
قبل الحادثة بشهر، شريف كان بيحوّل مبالغ كبيرة لشركة أدوية وهمية، مسجلة باسم شخص متوفي.
والشركة دي كانت بتورد أدوية لمستشفى نادين وآدم.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في ملف العربية.
خبير فني راجع صور الحادثة الأصلية، ولاحظ إن تقرير الفحص الأول اتعدل بعد الحادثة بيومين.
النسخة الأولى كانت بتشير إلى احتمال وجود عطل في نظام الفرامل.
أما النسخة النهائية، فكانت بتقول إن الحادثة نتجت عن فقدان السائق السيطرة على العربية.
والتوقيع الموجود على التقرير المعدل كان لمهندس اسمه سامح فوزي.
المهندس ده كان اختفى من شغله بعد الحادثة بشهر، وسافر خارج القاهرة.
بدأت أشك إن شريف كان بيخفي جريمة أكبر من مجرد تزوير تقرير طبي.
لكن لسه مكنش عندي دليل يربطه بشكل مباشر بحادثة العربية.
وفي الوقت ده، حصلت حاجة مكنتش متوقعها.
آدم بدأ يرفض يخرج من البيت من غير سارة.
كان كل يوم يسألني
بابا، هي سارة هتيجي إمتى؟
وأنا، اللي كنت فاكر إني لازم أحمي ابني من العالم كله، اكتشفت إني محتاج أسمح للعالم يدخل حياته من جديد.
كلمت منى، وعرضت عليها إن سارة تيجي تزور آدم كل يوم لو هي موافقة.
رفضت الفلوس في البداية، لكن بعد ما اتفقنا إن المواصلات وأي احتياجات تخص البنت هتكون من غير شروط أو مقابل لصداقة آدم، وافقت.
وبدأت سارة تيجي الفيلا.
في البداية، كانت بتبص لكل حاجة باستغراب، لكن عمرها ما اتعاملت مع آدم على إنه طفل مريض.
كانت بتخليه يختار الألعاب، وتطلب منه يساعدها في رسم الصور، وتحكي له عن المدرسة وعن أصحابها.
وفي يوم، لقيتهم قاعدين على الأرض، قدامهم ورق وألوان.
آدم كان بيرسم شجرة كبيرة، وسارة بترسم بيت صغير جنبها.
سألتهم
بترسموا إيه؟
آدم رد بفخر
دي شجرتنا يا بابا. أنا وسارة هنقعد تحتها لما أقدر أخرج لوحدي.
الجملة دي خلتني أبص بعيد عشان محدش يشوف دموعي.
لأن ابني، بعد شهور من اليأس، بدأ يتخيل مستقبلًا لنفسه من جديد.
لكن وسط كل الأمل ده، كان فيه شخص واحد بيحاول يدفن الحقيقة للأبد.
الدكتور شريف.
الزيارة اللي كشفت وش شريف الحقيقي
بعد أسبوع، شريف جه الفيلا من غير موعد.
دخل مكتبي وهو مبتسم كعادته، وحط إيده على كتفي.
إيه يا صاحبي؟ مختفي ليه؟ بقالنا كتير متكلمناش.
بصيت له بهدوء.
كنت مشغول في شوية ملفات قديمة.
ابتسامته اتجمدت لثانية.
ملفات إيه؟
ملفات المستشفى اللي كانت فيها نادين ليلة الحادثة.
شريف شال إيده من على كتفي، وقعد ببطء.
لسه بتدور في الموضوع ده؟ يا ماكسيم، إنت عذبت نفسك سنة كاملة. الحادثة كانت قضاء وقدر، ولازم تتقبل ده.
قلت له
طب لو اكتشفت إن فيه تقارير اتغيرت؟
فضل ساكت لحظة، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة.
تقارير طبية بتتعدل طول الوقت. ده مش معناه إن فيه جريمة.
ولو فيه تسجيلات بتثبت إن حد هدد ممرضة عشان تسكت؟
المرة دي، وشه اتغير بوضوح.
رجع بظهره لورا وقال
إنت بتتهمني بحاجة خطيرة يا ماكسيم.
أنا لسه ما اتهمتش حد.
بص لي بنظرة طويلة، وبعدها قام.
خلي بالك من نفسك يا صاحبي. ساعات الواحد وهو بيدور على الحقيقة، بيكتشف حاجات كان الأفضل إنها تفضل مدفونة.
خرج من المكتب، لكن قبل ما يقفل الباب، بص لي وقال
وعلى فكرة، البنت الصغيرة اللي بتدخل بيتك دي... وجودها مش في مصلحتك ولا مصلحة ابنك.
في اللحظة
تم نسخ الرابط