طول عشرين سنه

لمحة نيوز

الشرطة.
الكلمة الأخيرة دي فضلت ترن في دماغي.
إيه علاقة أم آدم بكل اللي حصل؟
وليه فؤاد لسه بيحاول يفرّق بينا حتى بعد ما اتقبض عليه؟
الفصل السابع الحقيقة الأخيرة عن سعاد
بعد الاجتماع، رجعنا لمكتب الأستاذ كمال.
آدم كان ساكت طول الطريق، ولما وصلنا، قعد قدام الملف وفضل يقلب في الأوراق.
وفجأة، طلع صورة قديمة لأمه سعاد.
أنا عمري ما فهمت ليه فؤاد كان بيكره أمي بالشكل ده.
المحامي بصّ للصورة، وبعدين قال
لأن سعاد كانت أول شخص اكتشف إنه بيسرق الشركة.
آدم رفع رأسه بسرعة.
إيه؟!
الأستاذ كمال فتح ملف تاني قديم.
قبل وفاتها بشهور، سعاد اكتشفت تحويلات مالية مشبوهة. واجهت فؤاد، وهددته إنها هتبلغ محمود. بعدها حصلت حادثة عربيتها.
آدم وقف من مكانه، ووشه شحب.
يعني فؤاد هو اللي قتل أمي كمان؟!
المحامي رد بحذر
الأدلة اللي عندنا بتثبت إنه هددها قبل الحادثة، لكن لسه ما تثبتش بشكل قاطع إنه دبّر الحادثة نفسها. النيابة هتحتاج تحقق في ده.
آدم قعد تاني، وحط إيده على وشه.
لأول مرة، شفته بيعيط.
ما كانش بيعيط على الفلوس اللي اتسرقت، ولا الشركة اللي راحت منه.
كان بيعيط على أم عاش عمره فاكر إنها ماتت في حادثة عادية، واكتشف إن موتها يمكن يكون مرتبط بفساد عمه.
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه.
إحنا هنجيب حقها. بس مش هنتهم حد من غير دليل.
رفع عينيه ليا.
إنتِ مصدقاني؟
هزيت راسي.
أيوه. إنت أخويا، وده مش معناه إني هصدق أي حاجة من غير دليل، لكنه معناه إني مش هسيبك تواجه كل ده لوحدك.
في اللحظة دي، حسّيت إننا لأول مرة بقينا عيلة بجد.
وبعد أسابيع من التحقيقات، ظهرت مستندات جديدة من أرشيف الشركة، واتثبت إن فؤاد زوّر توقيعات، واستولى على أموال، وهدد شهودًا، وإن فيه صلة بينه وبين الأشخاص اللي أخفوا الأدلة المتعلقة بحادثة محمود.
أما حادثة سعاد، فالتحقيق أثبت إن فيه تلاعبًا في ملفها، لكن ما كانش فيه دليل كافي وقتها لإدانة فؤاد بقتلها بشكل مباشر.
ما استعجلناش الحكم.
سيبنا النيابة تكمل شغلها، وركزنا على القضية اللي الأدلة فيها كانت واضحة.
وبعد محاكمة طويلة، صدر الحكم بإدانة فؤاد في جرائم التزوير والاستيلاء على الأموال والتهديد، مع إلزامه برد الأموال والممتلكات المستحقة للورثة وفقًا لما أثبتته المحكمة.
وأخيرًا، بعد عشرين سنة، رجع الحق لأصحابه.
لكن بالنسبة لي، كانت فيه حاجة أهم من الشركة والفلوس كلها.
كنت عايزة أعرف إزاي أقدر أعيش مع إحساسي بالذنب تجاه أمي.
الفصل الثامن البيت اللي رجع له النور
بعد انتهاء القضية، استلمنا جزءًا كبيرًا من ممتلكات أبويا، واتعملت تسوية قانونية لباقي الحقوق.
آدم كان يقدر يعيش في أي قصر يختاره، وأنا كنت أقدر أشتري بيتًا في أرقى مكان في القاهرة.
لكن أول قرار خدناه سوا كان إننا نرجع للبيت القديم.
البيت اللي أمي عاشت فيه سنين طويلة، وكانت بتقسم فيه آخر رغيف عيش بينا وبين شاب ما كانش عنده حد في الدنيا.
لما دخلت المطبخ، وقفت قدام الفرن القديم.
افتكرت فطيرة التفاح.
افتكرت زعيقي.
وافتكرت نظرة أمي لما قالتلي إوعي تتكلمي عن آدم بالطريقة دي تاني.
وقعت على الكرسي وعيطت.
آدم دخل ولقاني كده.
ما سألنيش مالك.
قعد جنبي، وفضل ساكت لحد ما هديت.
وبعدين قلتله
أنا ظلمتها، صح؟
رد بهدوء
إنتِ كنتِ طفلة، وكنتِ شايفة أمك بتدي حد غريب عنك حاجات إنتِ محتاجاها. ما كانش عندك المعلومات اللي عندنا دلوقتي.
بس لما كبرت، فضلت أبعد عنها. ما كنتش بكلمها، وكل مرة كانت بتحاول تقرّب مني، كنت بقفل معاها.
آدم نزل عينيه.
وهي كانت بتستنى مكالمتك كل يوم. كانت بتقوللي إنك مشغولة، وإنك هتكلميها لما تفضي.
دموعي نزلت من جديد.
ليه ما قالتليش إنها تعبانة؟ ليه ما طلبتش مني أرجع؟
آدم رد بصوت مبحوح
عشان كانت خايفة تحمّلك همومها. وعشان كانت عارفة إنك لو عرفتي إنها مريضة، هترجعي، وهي كانت عايزاكي ترجعي بمزاجك، مش بدافع الشفقة.
غطيت وشي بإيديا.
فضلت أعيط لحد ما ما بقاش عندي دموع.
وفي اليوم اللي بعده، أخدت قرار.
حوّلت جزءًا من الفلوس اللي ورثتها لمؤسسة صغيرة باسم أمي، تساعد الأطفال اللي فقدوا أهلهم، وتوفّر لهم الأكل والتعليم والرعاية.
أما آدم، فقرر يموّل برنامج لتأهيل الشباب اللي بلا مأوى، ويساعدهم يتعلموا حِرف ويلاقوا شغل حقيقي، بدل ما يفضلوا محبوسين في نفس الدائرة اللي كان عايش فيها.
ما عملناش ده عشان الناس تشكرنا، ولا عشان نكفّر عن ذنوبنا.
عملناه لأننا عرفنا إن فيه ناس كتير ممكن حياتها تتغير بسبب وجبة سخنة، أو فرصة شغل، أو حد يمد إيده ليها وقت ما الدنيا كلها تقفل أبوابها.
وفي يوم افتتاح المؤسسة، وقف آدم قدام لوحة صغيرة عليها اسم أمي.
نجلاء... الست اللي آمنت إن محدش يستحق يبات جعان أو لوحده.
بصّلي وقال
هي كانت عارفة إننا هنرجع لبعض.
ابتسمت وسط دموعي.
أيوه. بس ما كانتش تعرف إننا هنختلف على مين فينا هيعمل أحسن فطيرة تفاح!
ضحكنا.
ولأول مرة من سنين، ضحكنا من قلبنا.
الفصل التاسع آخر مفاجأة من أمي
كنت فاكرة إن الحكاية انتهت.
فؤاد اتحاكم، وحقوقنا رجعت، وآدم بقى أخويا وصاحبي، والبيت القديم رجع مليان حياة.
لكن بعد حوالي ست شهور، وصلني ظرف من مكتب الأستاذ كمال.
كان مكتوب عليه بخط أمي
افتحيه لما تكوني مستعدة تسامحيني.
قعدت على السرير، وفتحته بإيدين مرتعشتين.
جواه رسالة قصيرة، ومفتاح صغير، وصورة ليا وأنا طفلة، نايمة في حضن أمي.
الرسالة كانت بتقول
بنتي حبيبتي،
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى آدم وفّى بوعده، وإنتِ عرفتي الحقيقة.
فيه حاجة واحدة فضلت مخبياها عنك، مش عشان كنت خايفة من فؤاد، لكن عشان كنت خايفة من نفسي.
يوم ما أبوكي اختفى، كنت أقدر أسيب كل حاجة وأدور عليه لحد آخر الدنيا. لكن إنتِ كنتِ صغيرة، وآدم كان مهدد، وأنا ما كنتش عارفة أحميكم إزاي.
اخترت الأمان بدل الحقيقة، وفضلت سنين أقنع نفسي إن ده القرار الصح.
يمكن كنت صح، ويمكن كنت غلط. لكني عارفة إن سكوتي وجعك، وده شيء عمري ما هقدر أصلحه.
المفتاح اللي مع الرسالة دي لخزنة صغيرة في البنك. فيها حاجة كنت عايزة أسيبهالك من يوم ما اتولدتي.
مش فلوس، ولا دهب.
فيها جواب من أبوكي ليكي، كتبه قبل ما تختفي الحقيقة كلها.
كنت مستنية اليوم اللي تبقي فيه كبيرة كفاية وتفهمي إن الحب ساعات بيخلّي الناس تاخد قرارات غلط، حتى لو نيتهم تكون الحماية.
سامحيني يا بنتي، مش عشان أنا أمك، لكن عشان أنا إنسانة خافت، وغلطت، وحاولت تصلح غلطها على قد ما قدرت.
بحبك.
أمك.
قعدت فترة طويلة ماسكة الرسالة.
وبعدين أخدت المفتاح، وروحت البنك مع آدم.
فتحنا الخزنة، ولقينا جواها جواب قديم، متني بعناية، ومكتوب عليه اسمي.
فتحته.
إلى ابنتي التي لم أعرف كيف أحميها،
لو وصل لكِ الجواب ده، يبقى أنا ما قدرتش أكون الأب اللي كنت أتمنى أكونه.
أنا بحبك، وبحب أخوكي، ومهما حصل، محدش فيكم أقل من التاني.
لو عشتوا يومًا بعيد عن بعض، أتمنى تلاقوا طريق ترجعوا بيه لبعض.
الفلوس ممكن تضيع، والشركات ممكن تتسرق، والبيوت ممكن تتباع، لكن العيلة لو حافظت على محبتها، تقدر تبدأ من جديد.
ما تخليش اللي حصل بيني وبين أخويا يسرق منكم حقكم في إنكم تكونوا سند لبعض.
أبوكي.
خلصت الجواب، ورفعت عيني لآدم.
كان بيبصلي ودموعه بتنزل.
أنا مش هسيبك تاني.
ولا أنا.
وفي اللحظة دي، حسّيت إن فيه حاجة رجعت لمكانها الطبيعي جوايا.
مش الماضي.
الماضي عمره ما بيرجع.
لكن الإحساس إن لسه عندي عيلة، وإن أمي رغم كل أخطائها ما كانتش بتكرهني ولا بتفضّل حد عليّا.
كانت بتحاول تحمي طفلين، وكل اللي معاها قلبها، وشوية أكل، وخوف أكبر منها.
الفصل العاشر بعد مرور خمس سنين
عدّت خمس سنين.
المؤسسة اللي أسسناها كبرت، وبقت بتساعد مئات الأطفال والشباب في محافظات مختلفة.
آدم اتجوز بنت طيبة اسمها مريم، كانت بتشتغل طبيبة في إحدى المؤسسات الخيرية، وخلفوا بنت صغيرة سموها نجلاء، على اسم أمي.
أما أنا، ففتحت مشروعًا خاصًا بيا، واشتغلت على بناء حياة كنت دايمًا فاكرة إنها مستحيلة.
ما بقيتش البنت اللي بتقيس حب أمها بعدد قطع الفطير اللي بتاكلها.
اتعلمت إن الإنسان ساعات بيشوف جزءًا صغيرًا من الحكاية، ويبني عليه حكمًا يفضل شايله سنين، من غير ما يعرف إن الحقيقة أكبر بكتير من اللي شافه.
وفي ذكرى وفاة أمي، رجعنا أنا وآدم للبيت القديم.
كنا مجهزين فطيرة تفاح، بنفس الطريقة اللي أمي كانت بتعملها.
حطيناها على السفرة، وقعدنا جنب بعض.
آدم بصّلي وقال
فاكرة أول مرة أكلت عندكم؟
ضحكت.
أيوه. كنت فاكرة إنك بتسرق أكلي!
ابتسم وقال
وأنا كنت فاكر إنك بتكرهيني.
سكتنا لحظة.
وبعدين قلتله
يمكن كنا الاتنين محتاجين حد يشرح لنا الحقيقة.
آدم رفع عينيه ناحية صورة أمي المعلقة على الحيطة.
هي كانت عارفة إننا هنفهم في يوم.
مد إيده وقطع أول قطعة من الفطيرة، وحطها في طبقي.
وبعدين قال
دي ليكي. المرة دي مش هتاخديها مني بالعافية.
ضحكت، ودموعي لمعت في عيني.
لكن قبل ما نبدأ ناكل، خبط على الباب.
قمت وفتحته.
كان واقف شاب صغير، هدومه متربة، ووشه مرهق، وعينيه مليانة خوف.
قال بصوت واطي
لو سمحتِ... أنا ما أكلتش من امبارح. ممكن أي حاجة آكلها؟
بصّيتله.
وفي لحظة، افتكرت آدم وهو شاب عنده تمنتاشر سنة، واقف جنب مقلب الزبالة، مستني حد يمد له إيده.
ابتسمت وقلت
تعالى يا حبيبي. إحنا لسه ما اتعشّيناش.
دخل الشاب، وقعد على السفرة.
جبتله طبق كبير، وحطيت قدامه أكل سخن وقطعة من فطيرة التفاح.
آدم وقف بعيد، وبصّ للمشهد وهو بيبتسم.
ولما الشاب بدأ ياكل، رفع عينيه ليا وقال
ربنا يكرمك. أنا كنت فاكر إن الدنيا كلها نسيتني.
حسّيت بغصّة في قلبي، لكن المرة دي ما كانتش غصّة وجع.
كانت غصّة امتنان.
قربت منه، وقلت
طول ما فيه ناس لسه بتسأل على بعض، محدش في الدنيا بيتنسي.
وفي الليلة دي، فهمت أخيرًا آخر سر من أسرار أمي.
هي ما كانتش بتطعّم آدم عشان هو أغلى مني... كانت بتطعّمه لأنها كانت شايفة فيه ابنها اللي ضاع منها، وكانت بتحاول تنقذه من نفس العالم اللي حرمني من أبويا.
أما أنا، فكنت طول عمري فاكرة إن أمي اختارت الغريب على بنتها.
لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول تحافظ على الاتنين، حتى لو اضطرت تدفع تمن سكوتها من عمرها وراحتها.
سامحتها.
مش لأن اللي عملته كان صح في كل حاجة، لكن لأنّي أخيرًا فهمت خوفها، وحبها، وضعفها، والقرارات اللي أخدتها وهي بتحاول تنقذنا.
وفهمت كمان إن الحقيقة، مهما اتأخرت، ممكن تغيّر حياة الإنسان... لكن الحب اللي بييجي بعد فهم الحقيقة هو اللي بيساعده يكمل.
ومن يومها، كل ما كنت أعمل فطيرة تفاح، كنت بفتكر أمي.
وكنت دايمًا أسيب قطعة زيادة على السفرة.
مش لحد بعينه.
لكن لأي إنسان محتاج يحس إن لسه فيه مكان ليه في الدنيا.
لأن أمي ماتت، لكن الحاجة الوحيدة اللي ورثتهالي فعلًا ما كانتش الفلوس ولا الأملاك ولا اسم العيلة... كانت قلبها اللي عمره ما عرف يقفل بابه
في وش حد جعان.
تمت النهاية.

تم نسخ الرابط