طول عشرين سنه
المحتويات
قرب من الشباك، وبصّ ناحية البوابة.
لأن فيه حد كان بيراقب بيت أمك من يوم الجنازة.
وبعدين التفت ناحيتي، وقال
لازم نتحرك دلوقتي. لأن فؤاد مش هيستنى لحد ما نروح للمحامي.
الفصل الرابع الراجل اللي ظهر في العزا
في نفس الليلة، وصلنا لمكتب محامي قديم في وسط البلد.
كان اسمه الأستاذ كمال عبدالعزيز، واشتغل مع أبويا قبل وفاته بسنين.
أول ما شاف آدم، وقف من مكانه، وبعدين بصّلي طويلًا.
أخيرًا... أخيرًا وصلتوا لبعض.
آدم سلّم عليه، وعرّفني بيه.
الأستاذ كمال فتح خزنة حديدية صغيرة، وطلع منها ملف ضخم عليه ختم المحكمة، ومعاه مفتاح نحاسي قديم.
أبوكم ساب الوصية عندي قبل وفاته بأسبوع. لكن كان فيه تهديدات، واضطريت أخبّي النسخة الأصلية في مكان محدش يعرفه غيري.
فتح الملف قدامنا.
كان فيه عقد جواز أمي من أبويا، وشهادة ميلادي، وشهادة ميلاد آدم، ونسخة من وصية موثّقة.
لكن الورقة الأخيرة كانت الأخطر.
كشف حسابات وتحويلات مالية بتثبت إن فؤاد حوّل أموال الشركة لحسابات خارجية، وزوّر مستندات عشان يستولي على أملاك أخوه.
الأستاذ كمال قال
الأدلة دي كفاية تفتح قضية كبيرة جدًا، لكن فؤاد عنده علاقات، وممكن يحاول يطعن في صحة المستندات. محتاجين دليل إضافي يربطه بالتزوير وبالتهديدات اللي حصلت لعيلة محمود.
آدم سأل
إيه الدليل اللي ناقصنا؟
المحامي اتردد، وبعدين طلع صورة لراجل كبير في السن.
المحاسب القديم للشركة. اسمه شوقي. كان آخر شخص شاف أبوكم قبل الحادثة، وبعدها اختفى تمامًا.
بصّيت للصورة.
وإحنا هنعرف نوصله إزاي؟
المحامي رد
عندي عنوان قديم ليه في المنصورة، لكن مش عارف إذا كان لسه عايش هناك ولا لأ.
آدم قرر يتحرك من غير تأخير.
لكن قبل ما نخرج، رن تليفوني برقم مجهول.
رديت، وسمعت صوت راجل خشن بيقول
مساء الخير يا بنت نجلاء. أتمنى تكوني مرتاحة في المكان اللي إنتِ فيه.
اتجمّدت.
مين معايا؟
ضحك ضحكة باردة.
أنا فؤاد الشناوي. عمك اللي عمرك ما عرفتيه.
آدم مد إيده عشان ياخد التليفون مني، لكن فؤاد كمّل
اسمعيني كويس. أنا عارف إنك بتدوري على حاجات مش من حقك. عندك فرصة واحدة ترجعي بيتك، وتنسي كل اللي سمعتيه من آدم. لو عملتي كده، هسيبك تعيشي في سلام.
قلت وأنا بحاول أثبّت صوتي
إنت عملت إيه في أبويا؟
سكت للحظة.
وبعدين قال
أبوكي كان راجل عنيد، وده اللي دمّره.
إنت قتلته؟!
ضحك تاني.
خلي بالك من كلامك. عندك دليل؟
قبل ما أرد، قال آخر جملة
اسألي آدم عن اللي حصل ليلة الحادثة... واسأليه هو كان فين لما أبوكي مات.
وقفل الخط.
بصّيت لآدم.
كان واقف مكاني، ووشه شاحب.
هو يقصد إيه؟!
آدم سكت طويلًا.
وبعدين قال
فيه جزء من الحكاية أنا نفسي ما عرفتهوش غير من شهور.
حسّيت إن سر جديد هيطلع، سر ممكن يغيّر كل حاجة.
إيه هو؟
آدم أخد نفس عميق.
قبل حادثة أبويا، كان فيه خلاف بينه وبين فؤاد. أبويا كان ناوي يفضحه قدام مجلس إدارة الشركة، وكان معاه تسجيل صوتي يثبت كل حاجة. في الليلة دي، أنا كنت عند أبويا.
إنت كنت موجود وقت الحادثة؟!
هز راسه.
كنت عنده قبلها بساعات. وهو طلب مني أرجع البيت، وقاللي إنه هيلحقني بعد الاجتماع. لكن ما رجعش.
وليه ما قلتليش من الأول؟
آدم بصّلي بوجع.
عشان كنت خايف أكون أنا السبب. لو كنت فضلت معاه، يمكن كان زمانه لسه عايش.
ما قدرتش أقول أي حاجة.
لأول مرة، فهمت إن آدم مش بس كان ضحية فؤاد، لكنه كان شايل ذنب سنين طويلة، حتى لو ما كانش ذنبه أصلًا.
لكن فؤاد كان عارف حاجة إحنا لسه ما عرفناهاش.
والحقيقة دي كانت مستخبية عند راجل واحد في المنصورة.
الفصل الخامس الشاهد اللي اختفى عشرين سنة
تاني يوم الصبح، سافرنا المنصورة، ومعانا محامي الأستاذ كمال.
وصلنا لعنوان قديم في شارع جانبي، وكان عبارة عن بيت صغير بباب خشب متآكل.
خبطنا أكتر من مرة، لحد ما فتح لنا راجل كبير في السن، شعره أبيض، وملامحه مرهقة.
أول ما شاف آدم، وشه اتغير.
إنت ابن محمود؟!
آدم هز راسه.
الراجل رجع لورا، وكأنه شاف شبح.
أنا كنت متأكد إنك مت.
آدم رد بهدوء
أنا عشت... بس أبويا ما عاشش. وإنت الوحيد اللي يقدر يقولنا الحقيقة.
الراجل اسمه شوقي، وكان المحاسب المسؤول عن حسابات الشركة وقت وفاة أبويا.
في الأول، رفض يتكلم، وقال إنه كفاية اللي حصله من عشرين سنة، وإنه مش عايز يرجع للمشاكل دي.
لكن لما وريته صورة أمي، وقلتله إنها ماتت وهي بتطلب مني أحمي آدم، عينيه اتمَلَت بالدموع.
قعدنا في صالة بيته، وبدأ يحكي.
ليلة الحادثة، محمود كان معاه مستندات تثبت إن فؤاد سرق أموال الشركة، وكان ناوي يسلّمها للنيابة. أنا كنت المفروض أقابله في المكتب، لكن فؤاد سبقنا.
يعني فؤاد كان موجود وقت الحادثة؟ سأله آدم.
شوقي هز راسه.
أنا ما شفتش الحادثة بعيني، لكن سمعت فؤاد بيتكلم في التليفون بعدها بساعات، وبيقول إن الموضوع انتهى وإن محمود مش هيظهر تاني.
حسّيت ببرودة في جسمي.
طب ليه ما بلغتوش عنه؟
شوقي بصّلي بمرارة.
بلغت. لكن ما كانش معايا دليل. وبعدها اتعرضت لتهديدات، وابني اتفصل من شغله، ومراتي تعبت. خفت على أسرتي، فهربت من القاهرة.
آدم سأله
والتسجيل اللي أبويا كان محتفظ بيه؟
شوقي رفع عينيه فجأة.
إنت عرفت منين؟
فؤاد قال كلام خلاني أشك إن التسجيل لسه موجود.
شوقي قام ببطء، ودخل أوضته، وبعد دقائق رجع ومعاه جهاز تسجيل قديم، وعلبة صغيرة فيها شريط كاسيت.
محمود سلّمهولي قبل الحادثة بساعات، وقاللي لو حصله حاجة، ما أفتحش الشريط إلا قدام المحامي.
الأستاذ كمال، اللي كان بيتابع معانا عن طريق مكالمة فيديو، طلب منه ما يشغّلوش قبل ما يتأكد من سلامة الشريط.
لكن شوقي أصرّ إننا نسمعه الأول.
ركّب الشريط في جهاز قديم، وبعد شوية تشويش، سمعنا صوت أبويا.
فؤاد، أنا عرفت كل حاجة. التحويلات، والتوقيعات المزورة، والفلوس اللي اتنقلت لحساباتك. بكرة الصبح هسلّم كل المستندات للنيابة.
وبعدين جه صوت فؤاد، واضح وغاضب
لو عملت كده، هتخسر كل حاجة.
صوت أبويا رد
أنا مش هخسر أكتر من اللي خسرته بسببك.
ساد صمت لثواني.
وبعدين فؤاد قال
إنت فاكر إن موت سعاد كان كفاية؟ لو فضلت واقف في طريقي، مش هتكون آخر واحد يختفي.
الشريط وقف.
ما قدرتش أتنفس.
فؤاد كان بيهدد أبويا قبل الحادثة، وكان عارف إن مراته الأولى ماتت في ظروف غامضة.
آدم قبض إيده بعنف.
كده عندنا دليل.
لكن شوقي رفع إيده بسرعة.
لأ، لسه فيه حاجة أخطر.
مد إيده لعلبة الشريط، وطلع ورقة صغيرة مكتوب عليها رقم حساب وتاريخ.
دي آخر ورقة محمود كتبها قبل ما يموت. قاللي إن لو حصل له أي حاجة، لازم أدور على صاحبة الحساب ده.
المحامي طلب منه يبعتله صورة الورقة فورًا.
وبعد ما فحصها، اتصل بينا من جديد، وصوته كان متوتر.
الحساب ده باسم شركة اتقفلت من سنين، لكن فيه تحويل كبير اتعمل بعد وفاة محمود بيوم واحد.
آدم سأله
الفلوس راحت لمين؟
المحامي سكت لحظة، وبعدين قال
لشخص كان مسؤول عن تسجيل حادثة وفاة محمود، ووقّع بنفسه على محضر التعرف على الجثمان.
بصّيت لآدم.
آدم بصّلي.
وفي نفس اللحظة، فهمنا إن حادثة أبويا ما كانتش مجرد حادثة عادية.
لكن قبل ما نقدر نعرف اسم الشخص، سمعنا صوت خبط عنيف على باب البيت.
شوقي قام مفزوع.
دول وصلوا لنا!
آدم وقف قدامي فورًا، وطلب من شوقي يخرج من الباب الخلفي.
لكن الباب الأمامي اتفتح بعنف، ودخل راجلين، واحد منهم ماسك ورقة.
آدم الشناوي؟ معانا أمر ضبط وإحضار.
آدم رفع إيده بهدوء.
لكن الراجل بصّلي، وقال
وإنتِ كمان. فيه بلاغ ضدكم بتزوير مستندات ومحاولة الاستيلاء على أموال شركة.
في اللحظة دي، فهمت إن فؤاد سبقنا بخطوة.
وكان عايز يخلّص مننا قبل ما نوصل للحقيقة كاملة.
الفصل السادس الفخ اللي قلبناه على صاحبه
اتاخدنا للقسم، لكن المحامي الأستاذ كمال وصل بسرعة، وقدم المستندات اللي تثبت إننا كنا بنحاول نتحقق من وصية موثّقة، وإن البلاغ المقدم ضدنا مش مدعوم بأدلة كافية.
بعد ساعات طويلة من التحقيق، خرجنا.
لكن آدم كان متأكد إن فؤاد مش هيقف عند كده.
هو عايزنا نبان قدام الناس إننا طماعين، وإن كل اللي بنعمله محاولة للاستيلاء على الشركة.
سألته
وهنعمل إيه؟
رد
هنخليه يتكلم بنفسه.
الأستاذ كمال اقترح إننا نطلب اجتماع رسمي مع مجلس إدارة الشركة، بحجة مناقشة الوصية وحقوق الورثة.
فؤاد وافق بسرعة، لأنه كان متخيل إننا مش هنقدر نثبت حاجة.
لكننا كنا مجهزين مفاجأة.
المحامي قدر يتواصل مع النيابة، وقدّم الشريط والمستندات وشهادة شوقي، وطلب فحص الحسابات القديمة.
وفي نفس الوقت، اكتشفنا إن الشخص اللي وقّع على محضر التعرف على جثمان أبويا كان موظفًا سابقًا في المشرحة، اسمه حمدي فوزي.
بعد البحث، لقيناه عايش في مدينة صغيرة، ووافق يشهد بعد ما عرف إن فؤاد ما زال بيهدد الناس.
قال إنه في ليلة الحادثة، وصل جثمان مجهول، وإنه اتطلب منه يوقّع على محضر التعرف باعتباره جثمان محمود، رغم إنه ما شافش أي دليل قاطع على الهوية.
ولما اعترض، اتعرض للتهديد، وبعدها اتنقل من شغله.
لكن شهادته ما كانتش كفاية لوحدها تثبت إن فؤاد دبّر الحادثة، فالمحامي قرر يطلب تحقيق رسمي في كل الأدلة.
وبعد أيام، جه موعد الاجتماع.
دخلنا مقر الشركة، وأنا حاسة إن كل خطوة بخطوها بتقربني من الحقيقة اللي أمي خافت تحكيها.
فؤاد كان قاعد على رأس الطاولة، لابس بدلة غالية، وبيبتسم بثقة.
أول ما شافنا، قال بسخرية
أهلًا بالورثة اللي افتكروا نفسهم أصحاب الشركة بعد عشرين سنة!
آدم قعد بهدوء، وحط الملف قدامه.
إحنا مش جايين نطلب منك حاجة. إحنا جايين نثبت حقنا.
فؤاد ضحك.
حقكم؟! وإنتوا معاكم إيه؟ شوية صور قديمة وحكايات من الشارع؟
آدم فتح الملف، وبدأ يعرض المستندات.
عقد جواز أمي من أبويا.
شهادات الميلاد.
الوصية.
كشف الحسابات.
تسجيل التهديدات.
وشهادة المحاسب القديم.
ابتسامة فؤاد بدأت تختفي تدريجيًا.
لكنه فجأة قام من مكانه، وقال بصوت عالي
كل ده مزور! أنا هرفع عليكم قضية!
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل ضابط ومعاه أفراد من الشرطة.
فؤاد بصّ لهم بصدمة.
الضابط قال
فؤاد الشناوي، مطلوب حضورك للتحقيق في بلاغات تزوير واستيلاء على أموال، وفي وقائع مرتبطة بوفاة محمود الشناوي.
فؤاد حاول يتمالك نفسه.
إنتوا مش فاهمين! أنا صاحب الشركة دي!
لكن الضابط رد
ده اللي التحقيق هيحدده.
وقبل ما يتحركوا بيه، فؤاد لفّ ناحيتي، وبصلي بنظرة مليانة كراهية.
إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟! أبوكي نفسه كان السبب في كل اللي حصل!
لأول مرة، ما خفتش منه.
بصّيتله وقلت
حتى لو أبويا غلط، ده ما يديكش الحق تسرق عمرنا، وتخلّي أمي تعيش وتموت وهي خايفة على ولادها.
وشه اتغير.
ولثانية واحدة، حسّيت إنه فهم إن سلطته اللي عاش متّكي عليها عشرين سنة بدأت تنهار.
لكن قبل ما يخرج، ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
اسألوا آدم عن أمه. يمكن تكتشفوا إن مش كل اللي في الملف ده حقيقي.
وبعدين خرج مع
متابعة القراءة