طول عشرين سنه
طول عشرين سنة، أمي كانت بتأكّل شاب مشرّد ومالوش مأوى، مع إننا إحنا نفسنا كنا بنعاني عشان نلاقي لقمة ناكلها ونقدر نكمّل حياتنا. وفضلت طول عمري مقتنعة إنها اختارت واحد غريب عليّا وفضّلته على بنتها الوحيدة.
لكن بعد جنازتها، الشاب اللي قضى سنين بينام في الشارع، نزل من عربية فارهة، وقرب مني ومسك إيديا اللي كانت بتترعش من الصدمة، وهمسلي بصوت مليان وجع
أمك ترجّتني إني أخبي عنك سر طول السنين دي... بس خلاص، جه الوقت إنك تعرفي الحقيقة!
أبويا مات وأنا عندي تمن سنين، وسابني أنا وأمي من غير أي مصدر دخل تقريبًا، لدرجة إننا كنا بالعافية بنقدر ندفع الفواتير ونوفّر أكل يكفّينا.
وفي نفس السنة دي، ظهر شاب اسمه آدم، كان عنده حوالي تمنتاشر سنة، وابتدى ينام جنب مقلب الزبالة اللي ورا بيتنا.
كان شاب غلبان، مالوش أهل ولا شغل ولا حتى مكان يحط راسه فيه بالليل.
أمي قلبها رقّ ليه، وابتدت كل يوم تطلع له أكلة سخنة، حتى في الأيام اللي كانت التلاجة عندنا بتبقى فاضية تقريبًا.
كنت ساعات أقف أراقبها وهي بتقسّم آخر أكل عندنا بيني وبينها وبينه، وتديله هو النصيب الأكبر!
مكنتش قادرة أفهم إزاي واحد غريب عنها يستاهل ياخد أكل أكتر من بنتها اللي المفروض تكون أولى الناس بيها.
وفي يوم من الأيام، ريحة فطيرة التفاح اللي أمي كانت بتخبزها ملأت المطبخ الصغير بتاعنا.
كانت دي أكتر حاجة بحبها في الدنيا، وبقالنا أسابيع ما أكلناش حاجة حلوة، ففرحت من قلبي وافتكرت إنها أخيرًا عملتلي حاجة مخصوص عشاني.
دخلت عليها المطبخ وأنا ببتسم وسألتها بحماس
ماما، هو إحنا هنتعشّى بالفطيرة دي النهارده؟
لكنها بدل ما تحطها على السفرة، جابت فوطة نضيفة ولفّت الفطيرة فيها بعناية.
وبكل بساطة، قالتلي
لأ يا حبيبتي، دي لآدم.
ابتسامتي اختفت في لحظة، وبصّتلها وأنا مش مصدّقة اللي سمعته.
لآدم تاني يا ماما؟! طب وإحنا؟! إحنا أصلًا مش لاقيين ناكل! هو ليه كل حاجة حلوة لازم تروح له هو؟!
أمي رفعت عينيها وبصّتلي بنظرة عمري ما شفتها في عينيها قبل كده.
وفجأة، صوتها علي بطريقة خوّفتني.
إوعي أسمعك تتكلمي عن آدم بالطريقة دي تاني! فاهمة؟!
اتصدمت.
دي كانت أول مرة أمي تزعقلي بالشكل ده، وكأنّي ارتكبت جريمة كبيرة لمجرد إني طلبت حقي في الأكل اللي بحبه.
جريت على أوضتي وأنا بعيّط، وقلبي مليان غيرة ووجع.
ومن يومها، اتكوّن جوايا إحساس قاسي إن أمي بتحب الشاب الغريب ده أكتر مني، وإنه بقى أهم عندها من بنتها الوحيدة.
ومع مرور السنين، الإحساس ده اتحوّل لكراهية حقيقية.
آدم كان أوقات يحاول يكلّمني، يسألني عن المدرسة، أو يعرض عليّا يساعدني في أي حاجة محتاجاها في البيت.
لكن أنا كنت بتجاهله تمامًا، ولو شوفته جاي ناحيتي، أدخل جوه أو أغيّر طريقي عشان ما اضطرش أتعامل معاه.
بالنسبالي، كان هو السبب في كل حاجة اتحرمت منها، حتى لو هو عمره ما طلب من أمي تديله أي حاجة.
ولما خلصت الثانوية العامة، ما استنيتش كتير.
أول ما جتلي فرصة أروح مدينة تانية وأبدأ حياتي بعيد عن البيت، سافرت.
كنت عايزة أبعد عن كل حاجة بتفكّرني بالسنين اللي قضيتها وأنا حاسة إني مش كفاية في نظر أمي.
حتى أمي نفسها، علاقتي بيها بقت ضعيفة.
كنت بكلمها على فترات متباعدة، وكل ما تجيب سيرة آدم، أتحجّج بأي حاجة وأقفل معاها بسرعة.
ومع الوقت، السنين جريت، وكل واحدة فينا بقت عايشة في عالم مختلف.
لحد ما في يوم، جالي تليفون قلَب حياتي كلها.
أمي جالها جلطة شديدة في المخ.
أول ما سمعت الخبر، حسّيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
سافرت على المستشفى بأسرع ما قدرت، وأنا طول الطريق بدعي ربنا إنها تكون لسه بخير، وإنّي ألحق أشوفها قبل فوات الأوان.
لكن أول ما دخلت أوضتها، قلبي اتعصر من الوجع.
كانت نايمة على السرير، جسمها الصغير مستخبي تحت الملاية البيضا، وأجهزة المستشفى حواليها، ونَفَسها ضعيف بالكاد مسموع.
قربت منها ومسكِت إيدها.
كانت ساقعة بشكل خوّفني.
فضلت أبص في الأوضة وأدور بعيني على آدم، متوقعة ألاقيه واقف جنبها، زي ما كان دايمًا موجود في حياتها.
لكن ما كانش موجود.
ولا حتى ظهر.
في اللحظة دي، الغضب رجع يشتعل جوايا.
بعد كل السنين اللي أمي ضحّت فيها عشانه، وبعد كل الأكل والفلوس والاهتمام اللي ادتهوله، ما قدرش حتى ييجي يقف جنبها وهي بين الحياة والموت؟!
حاولت أطرد الأفكار دي من دماغي، وقربت من أمي تاني.
وفجأة، فتحت عينيها بصعوبة.
بصّتلي، وحاولت تتكلم، لكن صوتها كان ضعيف ومتقطّع.
حبيبتي...
انحنيت عليها بسرعة.
أنا هنا يا ماما، أنا جنبك. متقلقيش، هتبقي كويسة إن شاء الله.
لكنها هزّت راسها ببطء، وكأنها عارفة إن الوقت مش في صالحها.
وبصوت مبحوح، قالتلي
أوعديني... أوعديني إنك ما تسيبيش آدم لوحده.
اتجمّدت مكاني.
حتى في اللحظة اللي كانت فيها بتموت، ولسه بنتها واقفة قدامها وقلبها بيتقطّع عليها، كانت بتفكر في آدم!
حسّيت بغصّة في حلقي، وبغضب امتزج بالحزن لدرجة إني ما بقيتش عارفة أفرّق بينهم.
كنت عايزة أصرخ وأسألها ليه يا ماما؟ ليه هو بالذات؟ إيه اللي عمله عشان يستاهل منك كل ده؟ وأنا بنتك، ليه عمرك ما حسيّتيني إني أهم واحدة في حياتك؟
لكن لما بصّيت في عينيها، شفت حاجة غريبة.
ما كانش مجرد خوف على شاب غلبان كانت بتساعده.
كان فيه وجع أعمق، وخوف من حاجة أنا ما كنتش فاهمها.
أمي ضغطت على إيدي بكل القوة اللي فاضلة عندها، وهمست
أوعديني... أرجوكي.
ما قدرتش أرفض لها آخر طلب في حياتها.
مسكت إيدها بإيدي الاتنين، وقلت وأنا بحاول أمنع دموعي من النزول
حاضر يا ماما. أوعدك إني مش هسيبه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها أخيرًا ارتاحت.
وبعدها بساعات، أمي فارقت الحياة.
وماتت وهي سايبة وراها سؤال واحد فضل يطاردني إيه اللي كان رابطها بآدم للدرجة دي؟
بعد الجنازة والعزا، رجعت بيت طفولتي.
كنت عارفة إن آدم غالبًا لسه موجود في المنطقة اللي ورا البيت، في نفس المكان اللي أمي كانت بتروح له كل يوم وهي شايلة الأكل.
قررت أعمل له عشا سخن وأروح له بنفسي.
مش عشان كنت بحبه أو حتى متقبّلاه، لكن عشان وعدت أمي، ومكنتش عايزة أخلف بوعدي ليها بعد موتها.
دخلت المطبخ، ووقفت أبص على الحلة اللي فوق البوتاجاز، وأنا بحاول أتخيّل أمي وهي واقفة مكاني، بتحضّر الأكل كل يوم، مهما كانت ظروفنا صعبة.
ولأول مرة، سألت نفسي إزاي كانت بتقدر تعمل كل ده من غير ما تشتكي؟
لكنّي طردت السؤال من دماغي، حطيت الأكل في علبة، وخرجت.
لما وصلت للمكان اللي كان آدم بينام فيه، اتفاجئت إن مفيش أي أثر ليه.
المكان كان فاضي تمامًا.
لا بطانية قديمة، ولا هدوم مرمية، ولا حتى الكرتونة اللي كنت بشوفه قاعد عليها زمان.
افتكرت إنه يمكن نقل لمكان تاني، فلفّيت أبص حواليّا.
وساعتها، عيني وقعت على حاجة ما كنتش متوقعة أشوفها أبدًا.
عربية سودا فخمة جدًا كانت راكنة على الرصيف، قدام المكان اللي آدم قضى فيه عشرين سنة من عمره!
العربية كانت من النوع اللي عمري ما شفت حد من أهل منطقتنا يركبه.
ولمّاعة لدرجة إنها كانت عاكسة نور الشارع على جسمها.
وبجانبها، كان واقف راجل لابس بالطو صوف غالي، وساعة باينة من تحت كمّه، وشعره متسرّح بعناية، ودقنه محلوقة، وشكله كله بيقول إنه شخص ناجح وميسور الحال.
أول ما شافني، اعتدل في وقفته.
وبعدين، عينيه اتمَلَت بالدموع!
فضل باصصلي ثواني، قبل ما يقول بصوت مخنوق
كنت بدأت أخاف إنك مش هتيجي.
حسّيت بقشعريرة سرت في جسمي.
الصوت ده...
أنا أعرفه.
حتى لو السنين غيّرت شكله، وحتى لو الهدوم الغالية خلت ملامحه مختلفة، الصوت كان هو هو.
اتنفّست بصعوبة، وسألته
آدم؟!
هزّ راسه، وابتسم ابتسامة صغيرة مليانة حزن.
وقفت أبصله من فوق لتحت، وبعدين بصّيت للعربية اللي وراه.
ما قدرتش أستوعب اللي شايفاه.
إنت... إنت بتعمل إيه هنا؟! وإيه العربية دي؟! إيه اللي حصل لك؟!
بصّ آدم لعلبة الأكل اللي في إيدي.
وبعدين رفع عينيه لوشّي، وكأن منظر العلبة دي وجعه أكتر من أي سؤال سألته.
لسه زي ما إنتِ يا بنت أمك... لسه بتفكّري في الأكل قبل أي حاجة تانية.
اتضايقت من كلامه، وردّيت بسرعة
أنا جايبالك الأكل عشان وعدت أمي إني ما أسيبكش. مش أكتر.
الابتسامة اختفت من على وشّه.
وساد بينا صمت تقيل، قبل ما يقرب مني خطوة.
عارف. وعشان كده بالذات، لازم أقولك الحقيقة.
قلبي ابتدى يدق بسرعة.
حقيقة إيه؟
آدم بصّ حوالينا، وكأنه بيتأكد إن مفيش حد قريب يقدر يسمعنا.
وبعدين قال بصوت واطي
أمك ما كانتش الست اللي إنتِ فاكرة إنك تعرفيها... وأنا كمان مش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك عارفاه.
حسّيت إن رجلي مش شايلاني.
إنت بتقول إيه؟!
مدّ إيده ناحية جيب البالطو، وطلع منه ظرف بني قديم، أطرافه كانت متآكلة من كتر ما اتفتح واتقفل.
لكن بدل ما يديهولي، فضّل ماسكه بين صوابعه، وعينيه مليانة دموع.
قبل ما أمك تموت، ترجّتني إني أفضل مخبّي عنك سرّها. كانت خايفة لو عرفتي الحقيقة، حياتك كلها تتغيّر.
بلعت ريقي بصعوبة.
سر إيه يا آدم؟! اتكلم!
بصّلي نظرة عمري ما هنساها، وقال
فيه حاجة لازم تشوفيها بنفسك. حاجة لو كنتِ عرفتيها من عشرين سنة، كان زمان كل حاجة بينك وبين أمك اتغيّرت.
وبعدين فتح باب العربية، وأشارلي إني أركب.
لكن قبل ما أتحرك خطوة واحدة، وقفني بكلمة واحدة.
استني... قبل ما تعرفي أنا مين، لازم تعرفي الأول مين اللي كان بيصرف على بيتكم طول العشرين سنة اللي فاتوا!
حسّيت إن الدم انسحب من وشي.
بصّيتله وأنا مش قادرة أتكلم.
وبصوت مبحوح، سألته
إنت تقصد إيه؟!
آدم فتح الظرف، وطلع منه صورة قديمة لأمي، كانت واقفة فيها قدام مستشفى، وشايلة طفل صغير بين إيديها.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الصورة.
كانت في الراجل الواقف جنبها.
لأن الراجل ده كان أبويا... اللي أمي قالتلي إنه مات من عشرين سنة!
السر اللي أمي دفنته معاها... والحقيقة اللي قلبت حياتي في ليلة واحدة!
فضلت واقفة مكاني، باصة للصورة اللي آدم مدهالي، وإيدي بتترعش لدرجة إني كنت هوقعها على الأرض.
أبويا!
الراجل اللي أمي فضلت عشرين سنة تقنعني إنه مات، وإننا بقينا لوحدنا في الدنيا، كان واقف في الصورة جنبها، وملامحه واضحة، وابتسامته مرسومة على وشه، وإيده محاوط كتفها بحنان.
لكن اللي خلاني أحس إن روحي بتنسحب من جسمي، ما كانش وجود أبويا في الصورة.
اللي خلاني أنهار فعلًا، إن أمي كانت شايلة طفل صغير ، وعلى ضهر الصورة مكتوب بخط إيدها ابني اللي محدش يعرف عنه حاجة... أمانة في رقبتك يا رب.
رفعت عيني لآدم، وحسّيت إن الدنيا كلها بتلف بيا.
إنت جبت الصورة دي منين؟!
آدم ما ردش على طول. فتح باب العربية، وطلع منه ملف جلدي قديم، وبعدين قال بهدوء
اركبي يا بنت خالتك... لأ، استني، أنا حتى مش عارف إزاي أبدأ الكلام ده معاكي.
مسكت