طول عشرين سنه

لمحة نيوز

دراعه بعصبية.
إنت بتقول إيه؟! أبويا مات من عشرين سنة! أمي بنفسها قالتلي إنها شافته وهو بيدفنوه! إزاي الصورة دي موجودة؟ وإيه حكاية الطفل ده؟ وإنت أصلًا مين؟!
غمّض عينيه لحظة، وكأنه بيحاول يلم شجاعته.
وبعدين قال الجملة اللي خلت قلبي يقف
أنا مش ابن خالتك، ولا قريبك من بعيد. أنا آدم، ابن أبوكي من مراته الأولى... وأخوكي من أبوكي.
رجعت لورا خطوتين.
حسّيت إن حد ضربني على رأسي.
أخويا؟!
الشاب اللي قضى عشرين سنة بينام جنب الزبالة، واللي كنت بكرهه عشان أمي كانت بتديله أكلي، طلع أخويا؟!
ضحكت ضحكة قصيرة ومخنوقة، مش عارفة إذا كنت بضحك من الصدمة ولا على نفسي.
إنت مجنون! أبويا ما كانش متجوز غير أمي!
آدم هز راسه بحزن.
دي أول كذبة اتقالتلك، ولسه الحقيقة كلها ما ظهرتش.
فتح باب العربية تاني، وقال
لازم نروح مكان، وهناك هتفهمي كل حاجة. بس أوعديني إنك مهما سمعتي، هتسمعي للآخر قبل ما تحكمي على أمك.
كنت المفروض أرفض.
كنت المفروض أصرخ في وشه، وأجري على البيت، وأقفل الباب على نفسي.
لكن صورة أبويا فضلت قدام عيني.
فركبت.
الفصل الأول البيت اللي محدش يعرف عنه حاجة
العربية اتحركت من قدام بيتنا القديم، وعدّينا شوارع كنت عارفاها من وأنا طفلة، لحد ما خرجنا من المنطقة الشعبية اللي اتربيت فيها.
بعد حوالي ساعة، وقفنا قدام فيلا كبيرة في منطقة راقية بالقاهرة.
بوابة حديد ضخمة، وحديقة واسعة، ورجل أمن أول ما شاف العربية فتح البوابة فورًا.
بصّيت لآدم بذهول.
إنت ساكن هنا؟
رد وهو بيبص قدامه
كنت ساكن هنا.
نزلنا، ومشينا في ممر طويل لحد ما وصلنا لصالة واسعة، فيها صور كتير لراجل واحد.
أبويا.
كان في صورة وهو شاب، وصورة في مناسبة عائلية، وصورة قدام شركة كبيرة، وصورة أخيرة وهو واقف جنب ست جميلة شايلة طفل رضيع.
آدم وقف قدام الصورة الأخيرة.
دي أمي، سعاد. مراته الأولى.
قربت من الصورة.
يعني أبويا كان متجوز قبل أمي فعلًا؟
أيوه. واتجوز أمك بعد ما أمي ماتت... أو ده اللي اتقال لنا في الأول.
بصّيتله باستغراب.
يعني إيه اتقال لكم؟
آدم قعد على الكنبة، وحط الملف الجلدي قدامه.
أبويا كان عنده شركة مقاولات كبيرة، وفلوس وعقارات، لكنه كان عنده عيب واحد كان بيثق في الناس الغلط.
وبدأ يحكي.
أبوه، محمود الشناوي، كان رجل أعمال ناجح، اتجوز سعاد وخلف منها آدم. لكن بعد سنين، حصلت مشاكل كبيرة بينه وبين شريكه وابن عمه، فؤاد الشناوي.
فؤاد كان عايز يستولي على الشركة كلها، وكان شايف إن آدم، باعتباره الوريث الشرعي، عقبة لازم تتشال من طريقه.
وفي الوقت ده، محمود اتعرف على أمي، نجلاء، اللي كانت بتشتغل ممرضة في مستشفى خاص.
أمي كانت ست بسيطة، لكن شريفة وجدعة، ورفضت تدخل في أي علاقة مع راجل متجوز.
ومحمود، بحسب كلام آدم، وعدها إنه هينهي زواجه الأول بعد ما يحل مشاكله العائلية.
لكن قبل ما يعمل كده، حصلت حادثة عربية ماتت فيها سعاد، واختفى محمود بعدها بشهور.
استنى، يعني أبويا ما ماتش من عشرين سنة زي ما أمي قالتلي؟
آدم هز راسه ببطء.
لأ. أبويا مات فعلًا... بس مش في الوقت اللي اتقالك عليه.
حسّيت ببرودة في أطرافي.
مات إمتى؟
بعد ما اتولدت أنا بسنتين، وبعد ما كنتِ إنتِ اتولدتي بشهور.
بصّيتله وأنا مش فاهمة.
يعني إحنا الاتنين كنا عايشين في نفس الوقت؟!
أيوه. لكن أبويا كان مخبّي وجودك عن عيلته، وفؤاد كان مخبّي وجودي عن الناس اللي برّه العيلة. كل واحد فينا اتربّى وهو فاكر إنه لوحده.
سكت لحظة، وبعدين كمّل
ليلة موت أبويا، عربيته وقعت في ترعة على طريق زراعي. اتقال إن الجثة اتحرقت وإن التعرف عليها كان صعب. أمي كانت ماتت قبلها، وأبويا كان سايب وصية بتقول إن ثروته تتقسم بين ولاده الاتنين، بشرط إنهم يفضلوا بعيد عن سيطرة فؤاد.
طب إيه اللي حصل؟
آدم بصّلي مباشرة.
فؤاد زوّر أوراق، واستولى على الشركة والعقارات، وخلّى كل واحد فينا يختفي من الصورة.
وإنت؟ إنت كنت فين كل السنين دي؟!
ابتسم ابتسامة مرة.
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
الفصل الثاني ليه أمي كانت بتطعمني من أكلنا؟
آدم فتح الملف، وطلع منه ورقة قديمة عليها ختم مستشفى.
بعد وفاة أبويا، فؤاد حاول ياخدني منه بالقوة. كان عنده ناس في كل مكان، وكان عايز يتخلص مني عشان ما يبقاش فيه وريث يقدر يطالبه بحقوقه.
وإزاي وصلت للشارع؟
كنت عندي حوالي تمنتاشر سنة لما اكتشفت إن الشخص اللي كان مسؤول عن رعايتي بيشتغل لحساب فؤاد. هربت من البيت، وخدت معايا مبلغ صغير وأوراق تثبت إن أبويا كان ليه أملاك كتير.
طب ليه ما رحتش للشرطة؟
ضحك بمرارة.
رحت. لكن فؤاد كان معروف وعنده علاقات، والأوراق اللي معايا اختفت، واتحولت من وريث لشاب بيقول كلام محدش مصدقه. وبعد محاولة اعتداء عليّا، اختفيت تمامًا.
بس إنت كنت تقدر تشتغل!
حاولت. اشتغلت في مخازن وورش، لكن كل مرة حد يعرف اسمي الحقيقي، كانت بتحصل مشكلة. وفي الآخر، بقيت أنام في أي مكان أقدر أحتمي فيه من البرد.
سكت شوية، وبعدين رفع عينيه ليا.
وفي يوم شتا، كنت واقع من التعب جنب مقلب الزبالة اللي ورا بيتكم. أمك شافتني، وجابتلي بطانية وأكل.
افتكرت المشهد كأنه حصل امبارح.
أمي وهي خارجة بطبق رز وفراخ، وأنا واقفة وراها متضايقة.
آدم كمّل
أول مرة شافت الورقة اللي معايا، عرفت اسم أبويا. ولما سألتني عن أمي، حكيتلها كل حاجة. وقتها هي انهارت من العياط.
ليه؟
عشان عرفت إني ابن الراجل اللي حبّته واتجوزته في السر بعد وفاة مراته الأولى... والراجل اللي سابها تواجه الدنيا لوحدها.
حسّيت إن في حاجة بتتكسر جوايا.
أمي كانت متجوزة أبويا فعلًا؟
آدم طلع من الملف صورة تانية.
الصورة كانت لأمي وأبويا قدام مأذون، وأبويا ماسك إيدها، وهي بتبصله بحب واضح.
على ضهر الصورة كان فيه تاريخ، قبل ولادتي بسنة.
أمي ما كانتش عشيقة أبويا، ولا ست دخلت حياته بالصدفة. كانت مراته فعلًا.
طب ليه ما قالتليش؟!
آدم رد بصوت هادي
عشان فؤاد كان بيهددها. قال لها لو حاولت تثبت جوازها أو تطالب بحقوقك، هيخليكي تختفي زي ما خلّى أبويا يختفي. وكانت فاكرة إن أفضل طريقة تحميكي بيها إنها تعيش بعيد عن العيلة كلها.
وأنا كنت فاكرة إن أبويا مات وإحنا فقراء!
هو مات فعلًا، بس أمك ما كانتش عارفة كل تفاصيل موته. كل اللي كانت تعرفه إنه اختفى، وإن فيه ناس بتدور عليها وعلى أي حد ممكن يكون معاه دليل.
حطيت إيدي على بقي.
كل مرة أمي كانت بتديني آخر لقمة، وكل مرة كانت بتمنعني أتكلم عن آدم، وكل مرة كانت بتبصله بنظرة مليانة حزن... كل ده ابتدى ياخد معنى مختلف.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه بيحرق قلبي.
طب ليه كانت بتديله أكلي أنا؟ ليه ما كانتش تقولي الحقيقة؟
آدم نزل عينيه للأرض.
لأنها كانت عايزة تتأكد إني عايش. وكانت عارفة إن أي حد من رجال فؤاد ممكن يراقبها، فكانت بتتعامل معايا كأني شاب غريب بتساعده. لكن الحقيقة إنها كانت بتعتبرني ابنها.
وبعدين سكت لحظة، قبل ما يقول
وفي حاجة تانية لازم تعرفيها. أمك ما كانتش بتديني كل حاجة وإنتِ محرومة. هي كانت بتخبّي جزء من فلوسها عنك، مش عشان تفضّلني عليكي، لكن عشان كانت بتجمع فلوس تساعدني أرجع أوقف على رجلي.
بصّيتله بغضب ممزوج بالحزن.
يعني كانت بتدفعلي تمن جهلي بالحقيقة؟
لأ. هي كانت بتحاول تحميكي من حقيقة ما كانتش تعرف هتدمرك ولا هتنقذك.
ما قدرتش أرد.
لأول مرة من عشرين سنة، حسّيت إني يمكن ظلمت أمي.
لكن قبل ما أقدر أستوعب أي حاجة، آدم فتح درج صغير في المكتب، وطلع ظرف أبيض عليه اسمي بخط إيد أمي.
إلى بنتي حبيبتي، لو آدم قدر يوصّلك للرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش موجودة.
إيديا اترعشت.
فتحت الظرف.
الفصل الثالث رسالة من أم ماتت وهي خايفة
بنتي حبيبتي،
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
عارفة إنك زعلانة مني، وعارفة إنك قضّيتي سنين كتير فاكرة إني فضّلت آدم عليكي.
يمكن أنا غلطت لما سكتّ، ويمكن كان المفروض أحكيلك كل حاجة من زمان، لكني كنت خايفة.
أبوكي ما كانش راجل كامل، لكنه حبّني واتجوزني، وكان نفسه يعيّشكم إنتِ وآدم حياة كويسة. قبل ما يموت، اكتشفت إنه سايب وصية وحقوق لأولاده، لكن فؤاد أخفى كل حاجة.
لما آدم ظهر قدامي، عرفت إنه آخر أمانة سابهالي أبوكي.
كنت نفسي أساعده من غير ما أعرّضك للخطر، ففضلت أطعمه وأحافظ عليه، لحد ما يقدر يقف على رجليه.
بس فيه حاجة ما كنتش أعرفها وقتها.
قبل ما أبوكي يموت، كان سايب عند محاميه الأصلي صندوق أمانات فيه مستندات مهمة، وكان فيه شرط غريب في الوصية ما ينفعش أي حد من الورثة يستلم حقه لوحده، لازم الورثة الاتنين يحضروا مع بعض، ويكون معاهم شهادة تثبت إنهم عرفوا بعض واعترفوا بحقوق بعض.
كنت فاكرة إن ده مستحيل يحصل، لحد ما آدم قدر يوصل للمحامي من جديد.
يا بنتي، أنا ما طلبتش منك تسامحيني عشان أنا أمك. أنا بطلب منك بس ما تضيعيش عمرك في الكراهية.
آدم أخوكي، وهو آخر شخص باقي من عيلة أبوكي غيرك.
ولو حصل أي حاجة، افتكري إن الفقر عمره ما كان عيب، وإن الإنسان مش بيتقاس بالهدوم اللي لابسها ولا بالعربية اللي بيركبها.
بحبك أكتر من نفسي.
أمك.
خلصت الرسالة، ودموعي كانت بتنزل على الورق.
كنت عايزة أرجع بالزمن، وأدخل المطبخ وأنا عندي عشر سنين، أمي بدل ما أزعقلها عشان فطيرة التفاح.
كنت عايزة أقولها إني آسفة.
لكن الأموات ما بيرجعوش، والاعتذار اللي بيتقال بعد فوات الأوان بيفضل وجع في القلب.
آدم سابني أعيط من غير ما يقاطعني.
وبعد فترة، مسح دموعي بمنديل، وقال
أمك كانت بتحبك بطريقة أكبر من قدرتها على الشرح.
بصّيتله.
طب وإنت؟ إزاي قدرت تعيش كل السنين دي بالشكل ده؟ وإزاي بقيت غني فجأة؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ما بقيتش غني فجأة. أنا قضيت آخر خمس سنين بدوّر على الحقيقة، واشتغلت في شركة صغيرة، وبعدها أسست شركتي بمساعدة مستثمر كان مصدقني. لما قدرت أأمّن نفسي، بدأت أدور على المحامي اللي أبويا ساب عنده الأوراق.
ولقيته؟
آدم هز راسه.
أيوه. لكن قبل ما نوصل للوصية، اكتشفت إن فؤاد لسه عايش، ولسه ماسك الشركة اللي سرقها من أبويا.
ساعتها، حسّيت بالخطر يرجع يحيط بينا.
وإنت عايز تعمل إيه؟
آدم قفل الملف.
عايز آخد حقنا بالقانون. بس فؤاد مش هيسيبنا بسهولة.
وقبل ما أكمل كلامي، موبايله رن.
بصّ على الشاشة، ووشه اتغير تمامًا.
رد، وفضل ساكت وهو بيسمع.
وبعد ثواني، قال
متخليهوش يتحرك. أنا جاي حالًا.
قفل التليفون، وبصّلي.
فؤاد عرف إنك وصلتي عندي.
حسّيت بقلبي بيهبط.
عرف إزاي؟!
آدم
تم نسخ الرابط