بعد سبع سنين
محطة البنزين.
كان شايل ظرف بني.
حطه قدامي.
إيه ده؟ سألته.
عقد ملكية المحطة.
بصيت له باستغراب.
مش فاهمة.
أنا اشتريت المحطة، لكن النهارده نقلت ملكيتها ليكي. المحطة والشقة اللي فوقها، وكل الديون اللي كانت عليها اتسددت.
زقيت الظرف ناحيته.
إيثان، أنا مش عايزة صدقة.
هز راسه.
عارف.
أمال ليه بتعمل كده؟
بص لي مباشرة.
عشان دي مش صدقة. دي كانت حياتك قبل ما أدخلها وأقلبها فوق دماغك. وأنا مش عايزك تحسي إنك محتاجة تستأذني عشان تعيشي فيها.
سكت لحظة، وبعدها كمل
لو عايزة تبيعيها، تبيعيها. لو عايزة تفضلي فيها، تفضلي. ولو عايزة تطرديني من حياتك، مش هقدر ألومك.
الكلام لمس حاجة جوايا.
لأول مرة، إيثان ما كانش بيحاول يفرض عليّا قراره.
كان بيديني الاختيار.
لكن كان فيه حاجة أهم من المحطة.
وآدم؟
آدم مش محتاج فلوسي عشان أكون أبوه.
قرب خطوة.
أنا عايز أكون موجود. في يومه الأول في المدرسة، وفي أعياد ميلاده، وفي كل مرة يخاف فيها بالليل. عايز أتعلم إزاي أساعده، وإزاي أخليه يعرف إن العمى مش معناه إن حياته ناقصة.
دموعي نزلت.
ولو في يوم قرر إنه مش عايز يشوفك؟
إيثان ابتسم بحزن.
هستناه لحد ما يغيّر رأيه، حتى لو أخد العمر كله.
بصيت له طويلًا.
وبعدين قلت
أنا مش هقدر أحبك بنفس الطريقة اللي كنت بحبك بيها زمان.
هز راسه.
مش طالب منك ترجعي للبنت اللي كنتِها. أنا عايز أعرف الست اللي بقيتيها.
لأول مرة، ابتسمت له من قلبي.
طب ابدأ بأنك تتعلم تعمل مكرونة آدم المفضلة. هو مش بيحب الأكل الغالي.
إيثان ضحك.
أقدر أشتري مطعم إيطالي كامل.
ولو عملت كده، هطردك من المطبخ.
رفع إيديه باستسلام.
حاضر يا ست الكل.
ولأول مرة من سبع سنين، ضحكنا مع بعض من غير ما يكون بيننا سر.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد لازم أجاوب عليه.
هل كنت أقدر أسامحه على السنين اللي ضاعت؟
وهل كان يقدر يسامحني على السنين اللي خليته يعيشها وهو بيكرهني؟
الإجابة ما جتش في يوم وليلة.
جت مع الوقت.
مع كل مرة كان إيثان ييجي فيها يزور آدم من غير ما يطلب مني أفتح له قلبي.
ومع كل مرة كان يختار فيها ابنه على أي صفقة أو نفوذ.
ومع كل مرة كنت أشوفه بيحاول يصلح حاجة هو ما كانش سببها لوحده، لكن كان جزءًا من ألمها.
لحد ما جه اليوم اللي غيّر كل حاجة.
الجزء العاشر المفاجأة اللي رجّعت النور لعيوننا
بعد ست شهور، كنت قاعدة في عيادة متخصصة في أمراض العيون، ماسكة إيد آدم.
كان قدامنا دكتور جاي من مركز طبي متخصص في بوسطن، وإيثان قاعد على الكرسي اللي جنبنا.
الدكتور كان بيقلب في نتائج الفحوصات، وبعدها رفع عينيه وقال
عندنا أخبار مشجعة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني إيه يا دكتور؟
حالة آدم معقدة، لكن الفحوصات الجديدة بتوضح إن فيه جزء من المسار البصري لسه بيشتغل بدرجة محدودة. مش هنقدر نوعدكم إنه هيستعيد بصره بالكامل، لكن فيه برنامج علاجي متخصص ممكن يساعده على تحسين قدرته على إدراك الضوء والأشكال، ومعاه تدريبات تأهيلية مكثفة.
حطيت إيدي على بقي.
إيثان مسك إيدي، وضغط عليها بهدوء.
الدكتور كمل
العلاج مش هيكون سهل، وممكن ياخد شهور أو أكتر. لكن عندنا سبب حقيقي للتفاؤل.
آدم كان سامع الكلام، لكنه ما فهمش كل التفاصيل.
شد في إيدي وقال
مامي، يعني هقدر أشوفك؟
ركعت قدامه، وضمّيته.
هنحاول يا حبيبي. هنعمل كل اللي نقدر عليه.
آدم سكت لحظة، وبعدها سأل
طب لو ما قدرتش أشوفك، هتفضلي جنبي؟
دموعي نزلت فورًا.
يا روح مامي، أنا هفضل جنبك طول عمري، سواء شفتني أو لأ.
إيثان نزل على ركبته هو كمان، وحط إيده على كتف آدم.
وأنا كمان يا بطل.
آدم ابتسم.
طب لو شفتكوا، هعرفكم إزاي؟
إيثان ضحك، ومسح على شعره.
أنا هخلي عندي دقن كبيرة جدًا.
آدم ضحك بصوت عالي.
لأ! أنا مش عايزك تبقى شبه الدب.
ضحكنا كلنا.
وكانت دي أول مرة أحس إننا بقينا عيلة فعلًا.
مش عيلة كاملة من غير مشاكل.
لكن عيلة بتواجه مشاكلها مع بعض.
بدأ آدم البرنامج العلاجي.
كانت فيه أيام صعبة، وأيام كان بيتعب فيها، وأيام كان بيزهق من التمارين.
وفي كل مرة كان يرفض يكمل، إيثان كان يقعد جنبه ويشجعه.
ما كانش بيشتري له ألعاب غالية عشان يسكت.
كان بيلعب معاه، ويقرأ له القصص، ويتعلم منه إزاي يتحرك في البيت من غير ما يعتمد على عينيه.
وفي يوم، آدم طلب منه يعزف على البيانو.
إيثان بص لي بحيرة.
أنا ما بعرفش أعزف.
آدم قال بجدية
مامي كانت بتعزف زمان. إنت صاحبها، يعني أكيد بتعرف.
بصيت لإيثان وابتسمت.
للأسف، مش كل أصحاب الطفولة بيعرفوا يعزفوا.
آدم أصر.
فجبت البيانو القديم اللي كنت بعته زمان، بعد ما قدرت أشتري واحد مستعمل من فلوسي.
قعدت قدامه، وحطيت صوابعي على المفاتيح.
وبدأت أعزف مقطوعة شوبان اللي كنت بعزفها لإيثان زمان.
نفس المقطوعة اللي كان بيسمعها وأنا قاعدة فوق سقف الكرفان، وهو بيحكي لي عن أحلامه.
إيثان وقف ورايا، ساكت.
ولما خلصت، قال بصوت واطي
كنت فاكر إني نسيت صوت البيانو ده.
بصيت له.
بعض الحاجات بنفتكر إننا نسيناها، بس هي بتفضل جوانا.
في اللحظة دي، آدم رفع راسه ناحية البيانو.
وقال
مامي، أنا شايف حاجة.
اتجمدت.
إيه يا حبيبي؟
فيه نور... نور صغير قدامي.
جريت ناحيته.
إيثان قرب هو كمان.
آدم كان بيبص ناحية مصدر الضوء، وعينيه بتتحرك ببطء.
ما كانش شايف ملامحنا بوضوح، ولا كان قادر يميز وشوشنا.
لكن لأول مرة من سنين، كان قادر يدرك الضوء بشكل أوضح.
الدكتور كان قال لنا إن التحسن ممكن يكون تدريجيًا، وإننا لازم نكون واقعيين.
لكن بالنسبة لينا، اللحظة دي كانت أكبر من أي وعد.
آدم مد إيده ناحية النور، وابتسم.
هو ده شكل الدنيا؟
قعدت جنبه، ومسكته من إيده.
دي أول لمحة منها يا حبيبي. ولسه قدامك حاجات كتير تتعلمها وتشوفها بطريقتك.
إيثان وقف جنبنا، ودموعه نازلة.
ولما آدم مد إيده ناحيته، إيثان مسكها وباسها.
ما كانش فيه معجزة حصلت في لحظة.
وما كانش فيه شفاء كامل.
كان فيه أمل حقيقي، وخطة علاج، وعيلة مستعدة تكمل الطريق مهما طال.
وده كان كفاية.
الجزء الحادي عشر هل الحب ممكن يرجع بعد سبع سنين؟
عدّت سنة كاملة.
آدم استمر في علاجه، وقدر يميّز الضوء وبعض الأشكال القريبة، لكنه فضل محتاج للعصاية والتدريب والمساعدة في حياته اليومية.
أما إيثان، فكان بيتغير يوم بعد يوم.
ابتدى يبعد عن أي نشاط إجرامي، وسلّم إدارة شركاته القانونية لفريق مستقل، وكرّس جزءًا كبيرًا من ثروته لمؤسسة بتساعد الأطفال اللي عندهم إعاقات بصرية، من غير ما يطلب إن اسم عيلته يتحط على المبنى.
ولما سألته عن السبب، قال
عشان لو فيه طفل واحد بس قدر ياخد العلاج اللي محتاجه بسبب المؤسسة دي، يبقى كل حاجة ضاعت مننا ما راحتش على الفاضي.
أما أنا، ففضلت أدير المحطة.
ما كنتش عايزة أبقى ست غنية قاعدة في فيلا كبيرة، مستنية الناس تخدمها.
كنت عايزة أفضل الست اللي قدرت تبني حياة لابنها بإيديها.
إيثان احترم ده.
وبدأنا نخرج مع بعض، الأول عشان آدم، وبعدها لأننا بقينا نستمتع بوجودنا مع بعض.
كنا بنروح الحدائق، وناكل في مطاعم بسيطة، ونقعد ساعات نتكلم عن الماضي من غير ما نحاول نغيّره.
وفي ليلة، بعد ما آدم نام، إيثان جه وقعد قدامي على الكنبة.
كان ماسك علبة صغيرة.
قلبي دق بسرعة.
إيه ده؟
فتح العلبة.
كان جواها خاتم فضة بسيط، من غير ألماس ولا أحجار غالية.
بص لي وقال
أنا مش جاي أطلب منك تنسي اللي حصل.
سكت لحظة.
ولا هقول لك إننا نقدر نرجع زي زمان، لأننا مش نفس الناس اللي كناها.
رفع عينيه ليا.
بس أنا بحبك يا كلير. ولسه بحبك. المرة دي، مش عشان إنتِ البنت اللي وعدتني إنها هتفضل معايا طول العمر. عشان إنتِ الست اللي عرفت تحارب الدنيا كلها لوحدها، وفضلت محتفظة بقلبها رغم كل اللي شافته.
دموعي لمعت.
أنا خايف أطلب منك فرصة تانية، لأني عارف إني ما استاهلهاش.
هز راسه.
لكن لو وافقتي، أوعدك إني مش هخليكي تندمي على إنك اخترتي نفسك وكرامتك.
بصيت للخاتم، وبعدها له.
عارف إيه أكتر حاجة وجعتني في السنين اللي فاتت؟
إيه؟
إني كنت كل يوم بتمنى لو أقدر أقول لك الحقيقة. مش عشان ترجع لي، لكن عشان تبطل تكره نفسك وتكرهني.
إيثان مسك إيدي.
أنا مش بكرهك يا كلير.
وأنا مش بكرهك.
سكتنا شوية.
وبعدين قلت
أنا لسه بحبك. بس مش هقدر أعيش تاني في الخوف اللي عشته زمان.
إيثان رد فورًا
مش هطلب منك ده أبدًا.
ابتسمت، ومديت إيدي.
طب خلينا نبدأ من الأول. من غير وعود كبيرة، ومن غير أسرار.
لبسني الخاتم.
وما حاولش يبوس إيدي أو يحتفل كأن كل مشاكلنا انتهت.
بس قرب مني، وحضني بهدوء.
ولأول مرة من سبع سنين، حسيت إن الحضن ده مش وداع.
كان بداية.
النهاية الراجل اللي اشترى محطة البنزين عشان يسترد حبيبته
بعد سنتين، في صباح شتوي هادي، كنت واقفة جوه المحطة، براجع الحسابات، لما سمعت صوت باب العربية بيتفتح بره.
بصيت من الشباك.
إيثان نزل من عربيته، لابس جاكيت بسيط، وماسك كيس ورق بني.
دخل المحطة، وحط الكيس على الكاونتر.
بصيت له باستغراب.
إيه ده؟
ابتسم.
فطار.
فتحت الكيس.
لقيت سندوتشات برجر، وعلبة صغيرة فيها شمع أعياد ميلاد.
فضلت باصة للحاجات دي ثواني.
وبعدين رفعت عيني له.
إنت فاكر؟
ضحك.
فاكر كل حاجة.
كانت دي نفس الحاجات اللي كنت بجيبها له زمان، وأنا بطلع فوق سقف الكرفان، قبل ما الدنيا تفرّقنا.
لكن المرة دي، ما كنتش رايحة له مستخبية من الناس.
وهو ما كانش شاب فقير بيحاول يثبت إنه يقدر يبني حياة.
كنا اتنين بالغين، شافوا أسوأ ما في الدنيا، وقرروا إنهم مش هيسمحوا للماضي إنه يسرق منهم المستقبل كمان.
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل آدم، ماسك عصايته البيضاء بإيده، وبيبتسم.
كان بقى عنده تمان سنين، واتعلم يتحرك بثقة أكبر، ويستخدم التقنيات المساعدة اللي
خلت حياته أسهل.
وبفضل العلاج والتأهيل، قدر يستعيد إدراكًا محدودًا للضوء وبعض الأشكال، لكنه لسه ما كانش قادر يشوف العالم بالطريقة اللي بيشوفها بيها معظم الناس.
ومع ذلك، ما كانش شايف نفسه أقل من أي حد.
قال بصوت عالي
بابا! إنت جبت البرجر؟
إيثان ركع قدامه.
أيوه يا بطل.
آدم ابتسم، وبعدين مد إيده ناحية وش أبوه.
إنت حالق دقنك؟
إيثان ضحك.
أيوه.
آدم عمل وش متضايق.
قلت لك ما تحلقهاش! أنا بحب أعرفك من دقنك.
ضحكت من قلبي.
إيثان بص لي، وبعدها بص لابنه.
وقال
خلاص، هرجع أربيها تاني.
آدم قرب منه وحضنه.
وبعدها قال
مامي، هو بابا هيعيش معانا على طول؟
بصيت لإيثان.
كان السؤال بسيط، لكن إجابته كانت أهم من أي وعد قطعناه لبعض.
قرب مني، ومسك إيدي.
لو مامي موافقة، أيوه.
بصيت لابني، وبعدها للرجل اللي كنت فاكرة إني خسرتُه للأبد.
أيوه يا حبيبي. بابا هيعيش معانا.
آدم صفق بإيديه من الفرحة.
وإيثان ضمّنا إحنا الاتنين.
وفي اللحظة دي، افتكرت الراجل اللي دخل المحطة من سنين، ورمى خمسمية دولار على الكاونتر، وطالبني أعترف إني ندمت على تركه.
وقتها كنت فاكرة إن رجوعه لحياتي هيكون أكبر كابوس ممكن أعيشه.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
إيثان ما رجعش عشان يشتري حبيبة قديمة.
رجع وهو فاكر إنه عايز ينتقم من بنت خانته، لكنه اكتشف إن البنت دي ضحّت بكل حاجة عشان تنقذ حياته، وإنه كان أبًا لطفل ما يعرفش حتى صوته.
أما أنا، فما كنتش محتاجة راجل غني ينقذني من الفقر.
كنت محتاجة أستعيد حقي في إني أختار حياتي من غير تهديد أو خوف.
وإيثان كان محتاج يتعلم إن القوة مش إن الناس كلها تخاف منك.
القوة الحقيقية إنك تقدر تحمي اللي بتحبهم، من غير ما تحوّل حبك لسجن.
وبعد سبع سنين من الكراهية، اكتشفنا إن الحقيقة كانت أقوى من كل الأكاذيب، وإن العيلة اللي اتبنت على تضحية وخوف، ممكن تبدأ من جديد على أساس من الصراحة والاختيار.
أما الخمسمية دولار اللي رماهم إيثان على الكاونتر يوم رجع، فاحتفظت بيهم في درج صغير ورا الحسابات.
مش عشان الفلوس كانت مهمة.
لكن عشان كل ما أشوفهم، أفتكر اليوم اللي دخل فيه أخطر راجل في شيكاغو المحطة وهو فاكر إنه جاي يثبت إنه انتصر عليّا...
وخرج منها بعد شهور وهو بيتعلم إزاي يكون أبًا، وشريكًا، وإنسانًا من جديد.
ودي كانت نهايتنا الحقيقية مش نهاية راجل انتقم من حبيبته، لكن نهاية كذبة استمرت سبع سنين، وبداية عيلة اختارت أخيرًا إنها تعيش من غير خوف.