بعد سبع سنين

لمحة نيوز

بعد سبع سنين من اليوم اللي كسرت فيه قلبه، دخل أخطر زعيم مافيا في شيكاغو لمحطة البنزين اللي بشتغل فيها، ورمى خمسمية دولار على الكاونتر.
إيثان هيل، الراجل اللي قضى سنين وهو بيكرهني، ومقتنع إني بعته واخترت واحد أغنى منه، وقف قدامي بمعطف تمنه أغلى من مرتبي في شهر كامل، وطالبني أعترف إني ندمت على اليوم اللي سيبته فيه.
لكن قبل ما أقدر أرد عليه، ابني اللي عنده ست سنين، واللي فقد بصره، خرج من الأوضة اللي ورا المحطة، وناداني بصوته الصغير
مامي!
نظرة إيثان في اللحظة دي خلت الدم يتجمد في عروقي.
من سبع سنين، كان إيثان مجرد شاب فقير عنده تمنتاشر سنة، رجله مكسورة، وأحلامه أكبر بكتير من البلد الصغيرة اللي كنا عايشين فيها.
أنا كنت كلير وايتمان.
البنت اللي كانت بتعزف مقطوعات شوبان على البيانو.
واللي كانت بتطلع فوق سقف الكرفان اللي إيثان عايش فيه، ومعاها سندوتشات برجر وشمع أعياد ميلاد كنت بسرقه من غير ما حد ياخد باله.
البنت اللي وعدته إنها هتحبه طول عمرها.
وبعدين... كنت أنا نفسي السبب في تدميره.
قلت له إني عايزة فلوس.
وبيت كبير وجميل.
وحياة فخمة.
وراجل يقدر يوفّر لي كل حاجة هو عمره ما هيقدر عليها.
وبعدها ركبت عربية شاب تاني، وسيبته واقف لوحده تحت المطر، بيتفرج عليّا وأنا بمشي من غير ما أبص ورايا.
إيثان عمره ما عرف الحقيقة كاملة.
وأنا عمري ما حكيت له.
عدّت سبع سنين.
وإيثان اتحوّل لشخص عالم الجريمة كله بيحسب له ألف حساب.
بنى إمبراطورية من شركات الشحن والمخازن والنوادي الليلية، وأعمال كتير كانت مجرد واجهة لعالم تاني أظلم بكتير.
الناس بقت بتسميه زعيم المافيا.
والرجالة اللي أكبر منه بسنين، واللي كانوا زمان بيبصوا له من فوق لتحت، بقوا بيوطّوا صوتهم أول ما يدخل أي مكان.
وأي حد يفكر يتحداه، كان بيتعلم بالطريقة الصعبة إن إيثان هيل عمره ما بينسى الخيانة.
خصوصًا خيانتي أنا.
وفي نفس الوقت، كنت أنا بشتغل في محطة بنزين وبقالة صغيرة اسمها ميلر، على طريق سفر في أطراف بنسلفانيا.
شعري بقى أقصر.
هدومي رخيصة.
وإيديا اللي كانت زمان بتتمرّن بالساعات عشان تعزف على البيانو في الحفلات، بقت مشغولة بمسح الباركود على علب السجاير وترتيب علب اللبن على الرفوف.
لحد ما جه يوم من أيام الشتا، والبرد فيه كان بيقرص العضم.
وقفت عربية سودا فخمة قدام المحطة.
وبعد ثواني، الباب اتفتح، ونزل منها إيثان.
أول ما شوفته، حسيت إن قلبي وقف مكانه.
لكن غصبت نفسي أتكلم عادي.
هتحط بنزين في الطلمبة رقم ستة؟
بص لي فترة طويلة، وبعدها ضحك ضحكة كلها مرارة.
سبع سنين يا كلير.
شدّيت إيدي على جهاز الحساب اللي كنت ماسكاه.
لو جاي تشتري حاجة، اتفضل.
بص حواليه، على المحطة المتهالكة والرفوف القديمة، وبعدين رجع بص لي.
هو ده بقى شكل الحياة اللي كنتِ بتحلمي بيها؟
ما رديتش.
فقال بنبرة ساخرة
أمال فين بليك؟
صدري اتقبض.
مين؟
الواد الغني اللي سيبتيني عشانه.
لفّيت وشي الناحية التانية.
إيثان، إحنا كنا عندنا تمنتاشر سنة.
قلتي لي إن حبك ليا كان غلطة.
فاكرة.
وقلتي إنك تستاهلي حياة أحسن من الحياة اللي واحد زيي يقدر يديهالك.
غمضت عيني لحظة.
فاكرة ده كمان.
صوته بقى أبرد من الجو بره.
طيب، بصي عليّا دلوقتي.
مد إيده في جيب معطفه، وطلع خمس ورقات من فئة المية دولار، وحطهم قدامي على الكاونتر.
وقال باستهزاء
خدي، اشتري لنفسك بالطو محترم بدل الخرق اللي إنتِ لابساه دي.
بصيت للفلوس.
وبعدين زقيتها ناحيته تاني.
مش عايزاها.
ابتسم ابتسامة مفيهاش أي دفء.
يا شيخة، بلاش تمثيل يا كلير. إنتِ طول عمرك بتحبي الفلوس.
كلامه وجعني.
لكن ما كانش من حقي ألومه.
أنا اللي قضيت سنين وأنا بزرع جواه الفكرة دي، لحد ما صدّقها.
قرب مني، وسند إيديه على الكاونتر، وبص في عيني مباشرة.
قولي إنك ندمانة إنك سيبتيني.
للحظة، نسيت أنا واقفة فين.
افتكرت الواد اللي كان بيمسك إيدي تحت مدرجات المدرسة، بعيد عن عيون الناس.
افتكرت ضحكته لما كنت بقوله إننا هنعيش في بيت صغير، بس هنكون أسعد اتنين في الدنيا.
افتكرت إزاي كان بيحاول يخبّي وجعه لما رجله كانت بتوجعه، عشان ما أقلقش عليه.
وافتكرت إني كنت بحبه أكتر من أي حاجة في الدنيا.
وبعدين بلعت غصتي وهمست
لأ... مش ندمانة إني مشيت.
وشه اتغيّر، وملامحه اتصلبت.
وقبل ما يقدر يرد، سمعنا صوت صغير جاي من الأوضة اللي ورا.
مامي؟
اتجمدت مكاني.
ابني خرج من الباب، ماسك العصاية البيضاء بتاعته، وبيخبط بيها بخفة قدامه عشان يعرف طريقه.
كان عنده ست سنين.
صغير، وهادي، وبيتحرك بحذر في كل خطوة، بعينين جميلتين ما كانوش قادرين يشوفوا العالم اللي حواليه.
قرب خطوتين، وبعدين وقف.
مامي، هو فيه رعد؟
جريت ناحيته، وركعت قدامه.
لأ يا حبيبي، دي بس عربيات نقل بره.
رفع إيده الصغيرة ناحية وشي، ولما لمس خدي، ابتسم ابتسامة خفيفة.
أنا مش بحب الصوت العالي.
بست جبينه، وضمّيته لصدري.
متخافش يا روح مامي. إنت في أمان، وأنا جنبك.
لكن لما رفعت عيني، لقيت إيثان واقف مكانه، بيبص لابني كأنه شاف شبح.
كان فيه حاجة اتغيرت في ملامحه.
الصدمة.
والشك.
وحاجة تانية أخطر من الاتنين.
بص لي، وبعدين بص للولد.
وسألني بصوت مبحوح
هو ابن بليك؟
قمت ووقفت قدام ابني، كأني بجسمي هقدر أحميه من كل اللي ممكن يحصل.
امشي يا إيثان.
كلير...
بقولك امشي، أرجوك.
لكنه ما اتحركش.
فضل باصص لابني، وبعدها رجع بص لي.
الولد ده ابن الراجل اللي سيبتيني عشانه؟
ابني مال راسه ناحية الصوت، وقال ببراءة
مامي، مين الراجل ده؟
حسيت إن قلبي بيتقطع.
مسحت على شعر ابني، وحاولت أخلّي صوتي طبيعي.
مفيش حد يا حبيبي، تعالى جنبي.
إيثان اتراجع خطوة، وكأن كلماتي ضربته في صدره.
وبعدين شدّ فكه، ورجع لبروده المعتاد.
مبروك يا كلير.
بص لابني مرة أخيرة، وقال بسخرية جارحة
واضح إنك أخدتي كل اللي كنتِ عايزاه فعلًا.
وبعدها لفّ وخرج للمطر المتجمّد.
فضلت حاضنة ابني بقوة، لحد ما سمعت صوت العربية وهي بتتحرك وتختفي بعيد.
لكن اللي ما كنتش أعرفه، إن إيثان ما كانش ناوي يسيب الموضوع ينتهي بالشكل ده.
جوه العربية السودا، كان لوكاس جرانت، دراع إيثان اليمين وأكتر واحد بيثق فيه، قاعد مستني أوامره، وماسك جهاز لوحي في إيده.
رفع عينيه أول ما إيثان ركب.
هي دي كانت كلير فعلًا يا باشا؟
إيثان ما ردش فورًا.
فضل باصص من الشباك، ناحية المحطة الصغيرة اللي نورها الأصفر كان بيترعش وسط المطر.
وبعدين قال
عندها ابن.
لوكاس عقد حواجبه.
من الراجل الغني؟
إيثان لف له ببطء.
أنا مش مهتم.
لوكاس سكت.
كان عارف إيثان كويس، وعارف إن لما يقول إنه مش مهتم، فده غالبًا معناه إن الموضوع بقى أهم من أي حاجة تانية.
بعد لحظات، إيثان قال بصوت هادي، لكن فيه خطورة خلت لوكاس يرفع راسه فورًا
اعرف لي مين صاحب محطة البنزين دي.
لوكاس استغرب.
ليه يا باشا؟
إيثان رجع بص للمحطة، وعينيه ثبتت على الباب اللي خرج منه الولد الصغير.
وبعدين قال
عايز أشتريها.
لوكاس فضل ساكت ثانيتين.
وبعد ما تشتريها؟
إيثان ما ردش على طول.
كان لسه شايف صورة كلير وهي حاضنة ابنها، وبتحاول تحميه منه، كأنه عدو جاي ياخد منها آخر حاجة فاضلالها في الدنيا.
وأخيرًا قال
بعدها عايز أعرف إيه اللي حصل للبنت اللي دمّرت حياتي.
لكنه ما كانش يعرف إن الإجابة على سؤاله كانت موجودة من سبع سنين في درج مقفول، ورا الكاونتر اللي كلير واقفة عليه كل يوم.
إيصال قديم من مستشفى.
ورقة صغيرة كانت كلير محتفظة بيها، ومخبياها عن الدنيا كلها.
ورقة عمرها ما كانت تتمنى إن إيثان يشوفها.
لأن لو عرف الاسم المكتوب عليها...
هيفهم أخيرًا ليه البنت اللي كان بيحبها فضّلت إنها تخليه يكرهها العمر كله، على إنها تقوله الحقيقة.
والحقيقة دي ما كانتش مجرد سر عن ماضيهم.
دي كانت الحقيقة اللي ممكن تقلب حياة إيثان هيل كلها رأسًا على عقب.
وتخلّيه يكتشف إن أكبر خيانة اتعرض لها في حياته... ما كانتش الخيانة اللي صدّقها سبع سنين.
الحقيقة اللي خلت أخطر زعيم مافيا ينهار قدام البنت اللي كرهها سبع سنين
الجزء التاني الورقة اللي كان ممكن تغيّر كل حاجة
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط عنيف على باب الشقة الصغيرة اللي فوق محطة البنزين.
كنت لسه مغمضة عيني نص غمضة، وابني آدم نايم جنبي، حاضن لعبته القماش اللي عمره ما كان بيفارقها.
بصيت في الساعة. ستة الصبح.
مين اللي ممكن يخبط بالشكل ده في الوقت ده؟
قمت بهدوء عشان ما أصحيش آدم، وفتحت الباب فتحة صغيرة.
لقيت راجلين لابسين بدل سودا، ووراهم لوكاس جرانت، الراجل اللي كان واقف جنب إيثان امبارح.
قال لوكاس بأدب غريب ما يناسبش شكل رجالة زيهم
صباح الخير يا مدام كلير. الباشا عايز يقابلك.
قلبي وقع في رجلي.
قول له إني مش عايزة أشوفه.
هو مش طالب إنك تشوفيه. هو طالب يعرف الحقيقة.
ضحكت بمرارة.
الحقيقة؟ بعد سبع سنين؟ دلوقتي افتكر إنه عايز الحقيقة؟
لوكاس بص لي شوية، وبعدها قال جملة خلتني أحس إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
هو اشترى المحطة.
فتحت عيني بصدمة.
إيه؟!
الشركة المالكة للمكان وافقت تبيع له من الفجر. ومن النهارده، المحطة والشقة اللي فوقها بقوا ملكه.
حسيت بالغضب بيغلي جوايا.
هو فاكر إنه يقدر يشتري أي حاجة بفلوسه؟ أنا مش هسيب المكان!
لوكاس هز راسه.
الباشا قال لي أبلغك إنك مش مطلوبة تمشي، ولا هتخسري شغلك. بالعكس، هو ضاعف مرتبك.
بصيت له باحتقار.
مش عايزة فلوسه.
رد بهدوء
هو كان متوقع إنك تقولي كده.
وبعدين مد لي ظرف أبيض.
دي دعوة لاجتماع في مكتبه. الساعة اتناشر. وقال لي أقول لك إن الموضوع المرة دي مش عن الفلوس.
قفلت الباب في وشه.
لكن إيدي كانت بتترعش.
لأني كنت عارفة إن إيثان لما يحط حاجة في دماغه، مش بيهدى غير لما يوصل لها.
والأسوأ من كده، إني كنت عارفة

تم نسخ الرابط