انا بتجسس

لمحة نيوز

اللازمة بحق محمود وحسام وليلى، واتحولت الأدلة للجهات المختصة لاستكمال التحقيق والمحاكمة.
ولأول مرة من سنين، خرجت من الشركة وأنا حاسس إن الخطر اللي كان محاوطني بدأ يتكشف فعلًا.
لكن كان لسه فيه حساب أخير لازم يتقفل.
مش مع محمود.
ولا مع حسام.
مع نفسي.
لأن أصعب حاجة في الخيانة مش إن حد يسرق منك فلوسك.
أصعب حاجة إنك تكتشف إنك كنت بتفتح له باب حياتك بإيدك، وبتدافع عنه قدام الناس، وبتعتبره سندك الوحيد.
ليلى طلبت تشوفني للمرة الأخيرة!
بعد أسابيع، وقبل استكمال الإجراءات القضائية، وصلني طلب من ليلى إنها تتكلم معايا.
رفضت في الأول.
لكن المحامي قال إن المقابلة، لو تمت في إطار رسمي وآمن، ممكن تساعد في توضيح بعض التفاصيل الناقصة.
وافقت.
قابلتها في مكان مخصص للمقابلات، وبوجود الإجراءات اللازمة.
كانت مختلفة تمامًا عن الست اللي عرفتها.
لا مكياج، ولا الابتسامة الهادية اللي كانت بتستقبلني بيها، ولا الثقة اللي كانت بتتكلم بيها عن كل حاجة.
قعدت قدامي، وفضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قالت
أنا عارفة إنك مش هتسامحني.
ما رديتش.
كملت وهي بتبص في الأرض
في البداية، الموضوع كان مجرد شغل. محمود قاللي إنك شخص صعب، وإن الوصول ليك هيكون مستحيل من غير ما حد يقرب منك. أنا وافقت أجمع معلومات، وبعدها كل حاجة كبرت.
سألتها
وإمتى قررتي إنك تكملي؟
دموعها نزلت.
لما عرفت إنك بدأت تثق فيّا بجد.
ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
يعني كل ما كنت بقرب منك أكتر، كنتِ بتعرفي عني حاجات أكتر تبيعيها؟
هزت راسها وهي بتعيط.
أنا ما كنتش متوقعة إن الأمور توصل لكده.
بصيت لها طويلًا، وبعدها قلت
دي أكتر جملة بيقولها الناس لما يتكشفوا. مش كنتِ متوقعة؟ طب لما كنتِ بتخبي الظروف ورا التواليت، كنتِ متوقعة إيه؟ لما كنتِ بتسلمي أسراري، كنتِ فاكرة إن مفيش حد هيتأذى؟
ما قدرتش ترد.
قمت من مكاني، لكن قبل ما أمشي، قالت
أدهم، إنت عمرك ما حبيتني؟
وقفت لحظة.
كان ممكن أقول لها إني كرهتها، وإن كل اللي بينا كان كذبة، لكن الحقيقة كانت أعقد.
أنا حبيتك بصدق. ودي مش حاجة أندم عليها. اللي أندم عليه إني ما كنتش شايف الحقيقة. بس حبي ليكي ما يديكيش الحق تدمري حياتي، ولا يخليني أتنازل عن حقي.
وبعدين خرجت.
ما بصيتش ورايا.
لأن فيه علاقات، مهما كان فيها من مشاعر، لما الثقة بتتكسر بالطريقة دي، الرجوع بيبقى مجرد محاولة لإحياء حاجة ماتت خلاص.
المفاجأة اللي ما كانتش على بالي!
بعد حوالي شهرين، بدأت الشركة ترجع تستقر.
الأموال اللي اتجمدت بسبب التحويلات المشبوهة بدأت تتراجع قانونيًا، والجهات المختصة قدرت تحدد جزءًا كبيرًا من الأموال المسروقة، بينما استكملت التحقيقات في باقي الوقائع.
أما محمود، فكانت صدمتي فيه أكبر من أي خسارة مادية.
كنت فاكر إن السنين اللي قضيناها مع بعض كفاية عشان تمنع أي خيانة.
لكن اكتشفت إن بعض الناس مش بتخونك فجأة.
هي بتفضل تختبر حدودك، وتاخد منك حاجة صغيرة كل مرة، لحد ما تلاقي نفسها مستعدة تاخد كل حاجة.
وفي وسط كل ده، فضلت أفكر في سلمى.
الطفلة اللي كانت مستخبية ورا التواليت، وبتحاول تحميني بطريقتها.
طلبت من نجلاء تيجي هي وبنتها الفيلا في يوم هادي.
أول ما سلمى دخلت، جريت ناحيتي وهي شايلة العدسة المكبرة بتاعتها.
عمو أدهم! أنا رجعت أشتغل محققة!
ضحكت وقلت
يا بنتي، إنتِ مش هتبطلي؟
قالت بفخر
لأ! بس المرة دي ماما عارفة.
نجلاء ضحكت، لكن عينيها كانت مليانة دموع.
بصيت لها وقلت
أنا عارف إن اللي حصل كان صعب عليكم. ومهما عملت، مش هقدر أنسى إن بنتك كانت سبب في كشف اللي بيحصل.
طلعت ظرف من درج المكتب، وحطيته قدام نجلاء.
اتوترت وقالت
إيه ده يا فندم؟
ده مبلغ يكفي إنك تشتري شقة صغيرة باسمك، وتبدأي حياة مستقرة إنتِ وسلمى. مش صدقة، ومش تمن لأي حاجة. ده حقكم في حياة آمنة بعد كل اللي اتعرضتوا له.
نجلاء رفضت في الأول، لكنني أصريت إن المساعدة تتم بطريقة قانونية وواضحة، وإنها تختار بنفسها المكان اللي يناسبها.
وبعد فترة، قدرت تشتري شقة صغيرة قريبة من مدرسة سلمى، وبدأت تشتغل في إدارة منزلية بإحدى الشركات بدل الشغل المقيم في البيوت.
أما سلمى، فدخلت مدرسة جديدة، وبقت كل ما تشوفني تسألني إذا كنت محتاج مساعدة في حل لغز جديد.
وفي يوم، وهي قاعدة معايا في الجنينة، سألتني
يا عمو أدهم، هو إنت زعلان عشان صاحبك طلع وحش؟
بصيت لها وقلت
أيوه يا سلمى، زعلان. بس اتعلمت حاجة مهمة.
إيه هي؟
ابتسمت.
إن مش كل واحد بيضحك في وشك يبقى بيحبك، ومش كل واحد صغير يبقى كلامه مش مهم. بس كمان لازم نتأكد من الحقيقة قبل ما نحكم على أي حد.
فكرت شوية، وبعدين قالت
يعني أنا كنت صح؟
ضحكت.
إنتِ كنتِ شاطرة إنك لاحظتي حاجة غلط، والأشطر إنك قلتي لماما وخليتيني أعرف. لكن المرة الجاية، أول ما تشوفي حاجة تخوفك، تجري على حد كبير تثقي فيه، مش تستخبي لوحدك.
هزت راسها بجدية شديدة، كأنها بتسجل الكلام في دفتر التحقيقات بتاعها.
وبعدين جريت تلعب.
فضلت باصص لها وهي بتجري في الجنينة، وفكرت إن أغرب حاجة في اللي حصل إن كل الناس اللي كانوا حواليا، بكل خبرتهم وذكائهم، ما شافوش الخطر.
لكن طفلة صغيرة، ما تعرفش حاجة عن الشركات ولا الفلوس ولا الصراعات، شافت تفصيلة واحدة، ورفضت تتجاهلها.
بعد سنة النهاية اللي ما كنتش أتخيلها!
عدت سنة كاملة.
الشركة استقرت، وبدأت أرجع أركز في شغلي من غير ما أعيش كل يوم متوقع خيانة جديدة.
القضية وصلت لمرحلة صدرت فيها أحكام بحق المتهمين بعد استكمال الإجراءات والمحاكمة، وثبتت مسؤولية محمود وحسام عن وقائع التلاعب والاحتيال المرتبطة بالقضية، بينما أُدينت ليلى في الجرائم اللي ثبت اشتراكها فيها.
ما كانش فيه انتقام سري، ولا تصفية حسابات في الظلام.
كان فيه أدلة، وتحقيقات، ومحاكمة، وكل واحد واجه نتيجة اختياراته.
أما أنا، فغيرت نظام الأمن في الشركة والفيلا بالكامل، وقررت إن أي شخص، مهما كانت مكانته عندي، ما يبقاش فوق المراجعة والمحاسبة.
مش لأنني بقيت بشك في كل الناس، لكن لأن الثقة الحقيقية مش معناها إنك تقفل عينيك.
الثقة معناها إنك تدي الناس فرصة، من غير ما تتنازل عن عقلك أو كرامتك.
وفي يوم عيد ميلاد سلمى السادس، عملت لها حفلة صغيرة في جنينة الفيلا، بناءً على رغبتها، وجبت لها هدية كانت بتحلم بيها.
صندوق صغير جواه طقم محقق كامل، ومعاه دفتر مكتوب على غلافه
مذكرات سلمى أشطر محققة صغيرة.
فتحت الصندوق، وصرخت من الفرحة.
ياااه! ده أحلى يوم في حياتي!
نجلاء كانت واقفة جنبها، ودموعها بتنزل من الفرحة.
بعد ما الحفلة خلصت، سلمى جت قعدت جنبي، وفتحت الدفتر على أول صفحة.
كانت راسمة رسمة جديدة.
أنا واقف جنبها، وهي ماسكة العدسة المكبرة، ووراينا الفيلا.
بس المرة دي، مفيش حد مستخبي.
ولا فيه أبواب مقفولة.
ولا فيه ظروف سرية.
ولا فيه حد خايف.
سألتها وأنا ببتسم
إيه رأيك نكتب عنوان للقصة دي؟
فكرت شوية، وبعدين كتبت بخطها الصغير
البنت اللي شافت الحقيقة لما الكبار كلهم كانوا مغمضين عينيهم.
قريت العنوان، وفضلت ساكت.
لأنها، من غير ما تعرف، كانت لخصت كل اللي حصل في جملة واحدة.
أنا خسرت صاحبي اللي عشت معاه 23 سنة، وخسرت ست كنت
فاكر إني هكمل معاها عمري، لكنني كسبت حاجة أهم من كل ده.
كسبت الحقيقة قبل ما يكون الوقت فات.
واتعلمت إن أقرب الناس ليك ممكن يكونوا أكتر ناس قادرين يوجعوك، لكن ده مش معناه إنك تعيش عمرك خايف من كل شخص جديد.
معناه بس إنك تحب، وتثق، وتساعد، لكن من غير ما تسلّم حياتك بالكامل لحد تاني.
أما سلمى، ففضلت محتفظة بالعدسة المكبرة بتاعتها، وكل ما تزورني كانت تسألني إذا كان فيه لغز جديد.
وكنت أضحك وأقول لها
لأ يا ستي، المرة دي مفيش ألغاز.
فترد عليّا بثقة
خلاص، يبقى أنا هراقبك إنت!
وفي كل مرة كانت تقولها، كنت أضحك من قلبي.
لأن البنت اللي بدأت الحكاية مستخبية ورا التواليت، مرعوبة من راجل شرير، بقت بالنسبة لي رمزًا لحقيقة عمري ما هنساها
أحيانًا، الشخص اللي ينقذك مش بيكون أقوى واحد في المكان، ولا أغناهم، ولا أذكاهم ممكن يكون أصغر شخص فيهم، لكنه الوحيد اللي امتلك الشجاعة إنه يقول أنا شفت حاجة غلط.
تمت النهاية.

تم نسخ الرابط