خليكي امي
الجملة، افتكرت آخر مرة شفت فيها زوج داليا.
كان راجل هادي، بيتكلم قليل، لكن عينيه دايمًا بتراقب كل تفصيلة حواليه.
قبل نقل أسرته لمكان الحماية الجديد، قاللي
لو حصل أي شيء، أوعي تفتكري إن حماية الناس معناها إنك تسكتي عن الغلط. ساعات أهم حاجة تعمليها إنك تفضلي واقفة لحد ما حد تاني يقدر يقف جنبك.
وقتها ما فهمتش قصده بالكامل.
دلوقتي فهمت.
الملفات كشفت شبكة من الأشخاص اللي استغلوا صلاحياتهم للوصول إلى بيانات سرية، وسرّبوا معلومات عن عائلات تحت الحماية. وبعض التحويلات كانت مرتبطة بشركات وهمية، اتستخدمت لتغطية المدفوعات.
والأخطر إن التحقيقات أظهرت إن تسريب البيانات استمر حتى بعد تغيير أسماء العائلات ونقلها.
كان الدكتور حسام حلقة في جزء من الشبكة داخل المستشفى، لكنه ما كانش صاحبها ولا العقل المدبر ليها.
بعد فحص الأجهزة والسجلات، ظهر اسم الشخص اللي كان بيصدر التعليمات للوسطاء، وظهر ارتباطه بعدد من البلاغات القديمة اللي اتقفلت باعتبارها حوادث عادية.
الشرطة أعادت فتح الملفات المرتبطة بالقضية، وبدأت في تتبع باقي المتورطين.
أما الراجل صاحب الخاتم، فبعد مواجهته بالمستندات وسجلات الاتصالات، انهارت روايته عن المهمة الرسمية، وبدأ التحقيق يكشف دوره في ملاحقة العائلة ومحاولة الاستيلاء على الأدلة.
ولأول مرة من أربع سنين، بقى عندنا دليل حقيقي بدل الشكوك.
دليل ممكن يرجّع أسماء ناس اختفوا من السجلات، ويكشف مين كان بيبيع أسرارهم.
بعد أسبوعين، وقفت قدام باب المستشفى وأنا مستنية داليا.
كانت لسه بتتعافى من إصاباتها، لكن الأطباء سمحوا لها تزور مالك تحت إشراف الفريق المعالج.
أول ما دخلت، مريم جريت ناحيتها.
ماما!
وفضلت تبوس راسها ووشها، كأنها بتحاول تتأكد إنها حقيقية.
وبعدين شافت مالك في سريره الصغير.
كان بيتحرك أكتر، وبقى تنفسه أفضل، لكن لسه محتاج متابعة طبية.
داليا قربت منه، ودموعها نزلت.
يا حبيبي يا نور عيني.
وقفت بعيد شوية، أديها مساحة تجمع ولادها في حضنها.
لكنها رفعت عينيها ليا، وقالت
إنتِ أنقذتيهم يا ليلى.
هزيت راسي.
مريم هي اللي جابت مالك للمستشفى. لو ما كانتش شجاعة بالشكل ده، ما كناش وصلنا للحظة دي.
داليا بصت لبنتها بفخر وحزن في نفس الوقت.
هي شجاعة، بس أنا ما كنتش عايزاها تضطر تبقى شجاعة وهي عندها تمان سنين.
الجملة فضلت ترن في ودني.
لأنها كانت الحقيقة اللي محدش فينا قدر يهرب منها.
الأطفال مش المفروض يضطروا يشيلوا مسؤولية أكبر من سنهم عشان الكبار فشلوا في حمايتهم.
بعدها داليا طلبت مني أقعد معاها في الكافيتيريا الصغيرة اللي جنب القسم.
قعدنا قدام بعض، وسألتني
ليه اختفيتي من حياتنا بعد ما البرنامج نقلنا؟
بصيت لإيدي.
لأن المسؤولين قالوا إن أي تواصل ممكن يكشف مكانكم. كنت عارفة إن القرار صعب، لكن كنت فاكرة إن ده الطريق الوحيد لحمايتكم.
ابتسمت بحزن.
وأنا كنت فاكرة إنك نسيتي مريم.
رفعت عيني بسرعة.
مستحيل.
داليا طلعت من شنطتها صورة قديمة.
كانت صورة ليا وأنا قاعدة على الأرض في بيت الحماية، ومريم الصغيرة نايمة على رجلي، والقفازين الصفرا جنبنا.
على ظهر الصورة كانت كاتبة
للشخص اللي علّم بنتي إن الأمان ممكن يكون إنسان، مش مجرد مكان.
ما قدرتش أتكلم.
بعد أربع سنين من محاولة إقناع نفسي إن أفضل طريقة أحميهم بيها هي إني أنساهم، اكتشفت إن الذكرى فضلت عايشة عندهم زي ما فضلت عايشة عندي.
لكن داليا قالتلي حاجة ما كنتش متوقعاها.
أنا مش عايزاكي ترجعي تبقي مسؤولة عن حياتنا كلها. إنتِ مش مطالبة تصلحي كل حاجة حصلت لنا. أنا بس عايزاكي تعرفي إن مريم بتثق فيكي، وإن وجودك في حياتها مش لازم يكون سر أو هروب.
بصيتلها وابتسمت.
وأنا عايزة أكون موجودة، بس المرة دي من غير ما نعيش في خوف دائم.
اتفقنا إن أي تواصل بيننا يتم من خلال الجهات المسؤولة عن حمايتهم، وإن سلامة الأطفال تفضل الأولوية.
ولأول مرة من أربع سنين، حسيت إن الحكاية ممكن يكون ليها مستقبل مختلف.
مش مستقبل من غير ألم.
لكن مستقبل فيه فرصة للحياة.
بعد ثلاثة شهور، وصلتني رسالة من داليا.
كانت القضية اتوسعت، واتقبض على عدد من المتورطين بعد استكمال الأدلة والتحقيقات، واتفتحت ملفات قديمة كانت عائلات كتير مستنية إجابات عنها.
أما الدكتور حسام، فكان بيواجه تحقيقًا تأديبيًا وجنائيًا بشأن الوقائع المنسوبة إليه، من بينها تعطيل الرعاية الطبية والتورط في إجراءات مبنية على مستندات مزورة.
المستشفى راجعت إجراءات التعامل مع الأطفال مجهولي الهوية، وأكدت إن العلاج الطارئ ما ينفعش يتعطل بسبب غياب الأوراق، وإن أي طلب لنقل طفل لازم يخضع للتحقق القانوني والطبي.
لكن أهم خبر في الرسالة كان عن مالك.
مالك رجع البيت.
كان لسه بيتابع مع الأطباء، لكنه اتجاوز الأزمة الحادة، وبدأ يستعيد نشاطه الطبيعي تدريجيًا.
وفي آخر الرسالة، كتبت داليا
مريم بتسأل كل يوم إمتى هتشوفك. وعايزة أقولك إننا المرة دي مش هنختفي من غير ما نعرفك إننا بخير.
بعد شهر، قابلتهم في مكان آمن، بعد التنسيق مع المسؤولين عن حمايتهم.
مريم كانت لابسة فستانًا أصفر، وشعرها مربوط بشريطة زرقاء.
أول ما شافتني، جريت ناحيتي.
لكن المرة دي ما كانتش غرقانة من المطر.
ما كانتش حافية.
ما كانتش شايلة أخوها لوحدها.
كانت ماسكة إيد أمها، ومالك نايم في عربية الأطفال جنبهم.
وقفت قدامي، وابتسمت.
طنط ليلى، أنا عايزة أسألك سؤال.
نزلت لمستواها.
اسألي يا حبيبتي.
إنتِ ممكن تفضلي في حياتنا؟ مش لازم تبقي أمي بدل ماما بس ممكن تبقي ليا زي ما كنتِ زمان؟
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
بصيت لداليا، فلقيتها بتبتسم وبتشجعني أرد.
مسكت إيد مريم.
أقدر أكون ليكي شخص بتحبيه وتثقي فيه، وأفضل جنبك لما تحتاجيني، طول ما ده آمن ومناسب ليكي ولأخوك ومامتك.
مريم بعدين رفعت راسها وقالت
يبقى أنا هسميكي ماما ليلى!
ضحكت وسط دموعي.
اتفقنا يا ستي، بس بشرط.
إيه هو؟
إنك تفضلي طفلة. تلعبي وتضحكي وتزعلي على حاجات صغيرة، وتسيبي للكبار مسؤولية حماية البيت.
ضحكت مريم، وقالت
حتى لو المطر نزل؟
بصيت للسما اللي كانت صافية لأول مرة من شهور.
حتى لو المطر نزل.
بعد سنة كاملة، رجعت المستشفى البحري في إسكندرية، لكن المرة دي ما كنتش داخلة عشان أبدأ وردية ليل.
كنت رايحة أستلم شهادة تقدير من إدارة جديدة بعد مراجعة واقعة إنقاذ مالك، وتكريم فريق الطوارئ اللي تدخل لعلاجه رغم الضغوط اللي حصلت.
ما كنتش بطلة خارقة.
أنا مجرد ممرضة قررت تعمل شغلها في لحظة كان الأسهل فيها إنها تسكت.
وفي آخر الحفل، وقفت قدام الموظفين وقلت
اللي حصل في الليلة دي ما كانش اختبار لشجاعتي بس. كان اختبار لضمير كل واحد فينا. الطفل اللي مالوش أوراق مش طفل أقل قيمة، والطفل اللي محدش يعرف اسمه مش طفل من حقنا نتجاهله. ومهما كان الشخص اللي قدامنا ضعيف أو خايف، واجبنا إننا نسمعه ونساعده، مش نسخر منه.
بعد الحفل، خرجت لقيت مريم وداليا مستنييني.
مريم كانت ماسكة القفازين الصفرا، بعد ما احتفظت بيهم في علبة صغيرة.
ناولتهم لي وقالت
خديهم يا ماما ليلى. أنا مش محتاجاهم عشان ألاقيكي تاني.
بصيت للغرز السودا التلاتة، وافتكرت الطفلة اللي كانت واقفة قدامي وسط المطر، وبتترعش وهي بتقول خليكي أمي، وخدي البيبي معاكي.
وقلت
لأ يا مريم، خليهم معاكي. مش عشان تلاقيني، لكن عشان تفتكري إنك كنتِ شجاعة، وإنك طلبتي المساعدة لما احتجتيها، وإنك مش مضطر
تواجهي الخوف لوحدك تاني.
حطت القفازين في شنطتها، وراحت تمسك إيد أمها.
أما مالك، فكان نايم بهدوء في عربية الأطفال، وشكله مطمئن لأول مرة من يوم ما شوفته.
وقفت لحظة أتأملهم.
من سنة، دخلت مريم المستشفى حافية، غرقانة من المطر، بتدور على شخص واحد تثق فيه.
والنهارده، كانت ماشية جنب أمها، وأخوها بخير، والحقيقة اللي حاولوا يدفنوها بقت جزءًا من قضية مفتوحة أمام القانون.
أما أنا، فتعلمت إن الشجاعة مش إنك ما تخافيش؛ الشجاعة إنك ما تسمحيش لخوفك يخليكِ تتفرجي على حد محتاجك.
وكل ما أفتكر الليلة دي، أفتكر إن تلات غرز بخيط أسود كانت كفاية عشان ترجعلي عيلة افتكرت إني نسيتها، وتكشف سر شبكة كاملة كانت فاكرة إن محدش هيقدر يوصل للحقيقة.
لكن أهم حاجة ما كانتش القبض على المجرمين، ولا الملفات اللي اتكشفت.
أهم حاجة كانت طفلة رجعت تنام وهي مطمنة إن أخوها جنبها، وإن أمها لسه عايشة، وإنها مش مضطرة تبقى أم لطفل وهي لسه محتاجة حد يحميها.
وفي آخر زيارة ليا ليهم، مريم وقالت
فاكرة يا ماما ليلى لما قلتلك خليكي أمي؟
ابتسمت وأنا بمسح على شعرها.
فاكرة يا قلب ماما.
قالت وهي بتضحك
أنا كنت فاكرة إنك لازم تختاري بيني وبين ماما. بس دلوقتي عرفت إن القلب ممكن يبقى فيه مكان لأكتر من حد.
بصيت لداليا، اللي كانت واقفة جنبنا ودموعها في عينيها.
وفي اللحظة دي فهمت إن مريم ما كانتش بتدور على أم بديلة.
كانت بتدور على شخص ينقذها من ليلة ما كانش المفروض تعيشها أصلًا.
ولما لقيتني، ما رجعتش طفلة من غير خوف.
رجعت طفلة عندها فرصة تكبر، وتتعلم، وتضحك، وتعيش حياة عادية.
وده كان الانتصار الحقيقي.
انتهت الحكاية.