خليكي امي

لمحة نيوز

خيط يوصل للحقيقة.
وفجأة، خرج الدكتور المناوب من غرفة الإنعاش.
جريت ناحيته.
مالك عامل إيه؟
قال بجدية
حالته كانت حرجة، لكن استجاب للتدخلات الأولية، ولسه محتاج مراقبة دقيقة. إحنا مش هنقدر نطمن عليه بشكل نهائي دلوقتي.
غمضت عيني للحظة، وحمدت ربنا إنه لسه بيقاوم.
مريم سمعت الكلام، وجريت ناحية الباب الزجاجي اللي شايفة منه أخوها.
هو هيفضل عايش، صح؟
الدكتور انحنى لمستواها.
إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه عشان نساعده يا مريم.
وبعدها رجع لقسمه.
في اللحظة دي، الراجل صاحب الخاتم أخرج ورقة من الملف.
عندنا تقرير رسمي بوفاة الأم، وإجراء نقل الطفل لازم يتم فورًا. لو اعترضتوا، هنعتبركم بتعرقلوا مهمة رسمية.
رفعت الورقة قدام مسؤول الأمن.
يبقى اتصلوا بالجهة اللي أصدرت التقرير، وتأكدوا منه. وكمان عايزة نسخة من تسجيلات كاميرات المدخل، لأن الراجلين دول وصلوا قبل ما يتسجل أي بلاغ عن الحادث.
الراجل بصلي بحدة.
إنتِ بتلعبي بالنار.
قلتله
لأ. أنا بحاول أعرف مين اللي ولّعها.
في اللحظة دي، مسؤول الأمن رجع بعد مكالمة قصيرة، وملامحه اتغيرت.
قال بحزم
محدش هياخد الطفل من هنا لحد ما التحقق يخلص.
الدكتور حسام اندفع ناحيته.
إنت مش فاهم خطورة الموضوع!
مسؤول الأمن بصله.
اللي فاهمه إنك بتحاول تخرج رضيع من قسم الطوارئ من غير ما تستنى نتيجة التحقق من هويات الأشخاص اللي طالبينه.
حسام سكت.
ولأول مرة من بداية الليلة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
لكن المفاجأة الأكبر لسه ما حصلتش.
الساعة كانت قربت على اتنين الفجر، لما تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت بحذر.
سمعت صوت ست ضعيف، متقطع، لكنه مألوف لدرجة خلتني أتمسك بالموبايل بإيدي الاتنين.
ليلى؟
قلبي وقف.
داليا؟!
سمعت شهقة صغيرة من الناحية التانية.
أنا لسه عايشة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
إنتِ فين؟ مريم قالت إن عربيتكم اتخبطت، وإنك كنتِ مش قادرة تتحركي!
أنا في وحدة إسعاف، نقلوني من الطريق بعد ما حد لقى العربية. كنت فاقدة الوعي، ولما فوقت، عرفت إن فيه حد أخد مني تليفوني. استخدمت تليفون ممرضة عشان أكلمك.
صوتها كان ضعيفًا، لكن كل كلمة كانت واضحة.
ليلى، اسمعيني كويس. هما عايزين مالك عشان نتيجة تحليل اتعملت له من كام أسبوع. التحليل كشف حاجة ما كانوش متوقعينها.
بصيت لمريم، اللي كانت واقفة جنبي وبتراقب وشي.
إيه الحاجة دي؟
داليا سكتت لحظة، وبعدين قالت
جوزي ما ماتش بسبب حادث عادي. قبل وفاته، اكتشف إن مجموعة من الموظفين كانت بتسرّب بيانات شهود محميين مقابل فلوس. بعض الناس اللي اتسربت بياناتهم اختفوا، وبعضهم ماتوا في ظروف اتقال إنها حوادث.
حسيت ببرودة في أطرافي.
وإيه علاقة مالك بالموضوع؟
جوزي كان مخبّي نسخة من الأدلة في مكان آمن. قبل ما يموت، سجّل رسالة مشفّرة وربط الوصول ليها بسؤال أمان مرتبط بعينة قديمة محفوظة في ملفه الطبي. التحليل الجديد أكد إن مالك عنده علامة وراثية نادرة كانت موجودة في عينة جوزي، وده خلّى حد من الشبكة يعتقد إن الطفل ممكن يكون مفتاح للوصول للدليل.
اتسعت عيني.
يعني هما فاكرين إن مالك نفسه يقدر يوصلهم للحاجة اللي أبوهم خبّاها؟
أيوه. بس الحقيقة إن مالك مش مفتاح لأي جهاز، ولا عنده أي سر. هما بيطاردوه بسبب معلومة غلط، وعايزين يضغطوا عليّا عشان أسلّمهم نسخة الأدلة.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت مكسور
أنا آسفة يا ليلى. كنت فاكرة إن تغيير هويتنا هيحمينا. ما كنتش أعرف إن الخطر هيلاحق ولادي لحد هنا.
بصيت لمريم.
الطفلة اللي دخلت المستشفى وهي بتترعش من البرد، وبتطلب من غريبة إنها تبقى أمها، كانت بتحاول تنقذ أخوها وأمها وهي لسه طفلة.
قلت لداليا
إنتِ مش مطالبة تعتذري. المهم إنكم تفضلوا عايشين.
وبعدين سألتها عن المكان اللي خبّت فيه الدليل.
قالتلي اسم مخزن قديم قريب من الميناء، المكان اللي كنا متفقين عليه من أربع سنين لو اضطرينا نسيب أي رسالة لبعض.
لكنها حذرتني
ما تروحيش هناك بنفسك. المفتاح اللي مع مريم هيفتح صندوق صغير، لكن ما تفتحيهوش إلا مع الشرطة. فيه مستندات وأسماء، ولو وصلت للناس الغلط، عائلات تانية هتكون في خطر.
قفلت معاها بعد ما اتفقنا إن فريق الإسعاف يبلغ الشرطة بمكانها، وإنها ما تتحركش لوحدها.
وبصيت للمفتاح في إيدي.
الحقيقة بقت قريبة.
لكن لسه كان لازم نعرف مين جوه المستشفى بيساعدهم.
بعد نص ساعة، ظهر أول خيط حقيقي.
مسؤول الأمن رجع ومعاه موظف من الإدارة، وقال إن التحقق الأولي كشف إن أرقام البطاقات اللي أبرزها الراجلان لا تتطابق مع المهمة اللي زعموا إنهم جايين ينفذوها.
أما تقرير وفاة داليا، فكان صادرًا من جهة طبية لا علاقة لها بالمستشفى اللي اتقال إنها نُقلت إليه.
التقرير كان مزوّرًا.
الراجل صاحب الخاتم حاول يخرج بهدوء، لكن الأمن طلب منه ينتظر لحين وصول الشرطة.
وقتها الدكتور حسام فقد أعصابه.
صرخ في الراجل
إنت قلتلي إن كل حاجة متأمّنة! قلتلي إن الملف هيتقفل قبل ما حد يكتشف!
ساد الصمت.
كل اللي في الممر سمعوا اعترافه.
الراجل بصله بغضب.
اخرس!
لكن حسام كان خلاص انهار.
قعد على الكرسي، وحط إيده على راسه.
أنا ما كنتش عايز أموت حد. هما قالولي إن الطفل لازم يتنقل، وإن أمه ماتت، وإن فيه أمر رسمي. أنا بس وافقت أساعدهم في الإجراءات.
قربت منه وقلت
ووافقت تمنع طفل بيموت من العلاج؟
رفع عينيه ليا، وما عرفش يرد.
بعد دقائق، وصلت الشرطة، ومعاها ضباط مختصون بالتحقيق في جرائم تزوير المستندات وتسريب بيانات الحماية.
تم التحفظ على الراجلين، وبدأت مراجعة تسجيلات الكاميرات وسجلات الدخول.
أما الدكتور حسام، فتم استجوابه بشأن الملف المزور ومحاولته تعطيل علاج الطفل، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة للتحقيق في دوره.
الدكتور الشاب اللي كان بيصور مريم، حاول يمسح الفيديو من موبايله، لكن أحد أفراد الأمن طلب منه الاحتفاظ بالجهاز لحين فحصه وفق الإجراءات القانونية.
ولما بصيت لمريم، لقيتها قاعدة على كرسي صغير، بتضم القفازين لصدرها.
قعدت جنبها.
خلاص يا حبيبتي، محدش هياخدك من هنا دلوقتي.
رفعت عينيها ليا.
يعني مش هسيب مالك؟
مش هتسيبيه لوحده. وإحنا هنفضل نطمن عليه لحد ما يبقى أحسن.
سكتت شوية، وبعدين سألتني السؤال اللي كنت خايفة أسمعه.
طيب إنتِ هتمشي وتسيبيني زي المرة اللي فاتت؟
ما عرفتش أرد بسرعة.
لأنها كانت فاكرة إني اختفيت بإرادتي، وإن كل اللي عاشته من أربع سنين كان مجرد ذكرى.
مسكت إيديها وقلت
أنا ما مشيتش عشان ما كنتش عايزاكي. كان فيه ناس مسؤولة عن حمايتكم، وكان لازم ألتزم بتعليمات صارمة عشان ما أوصلش أي حد ليكم. بس أنا عمري ما نسيتك يا مريم.
بصتلي طويلًا، وكأنها بتحاول تتأكد إن كلامي حقيقي.
وبعدين قربت مني، وحطت راسها على كتفي.
لأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى، بطلت ترتعش.
لكن القضية ما انتهتش عند القبض على الراجلين.
تاني يوم، وبعد ما استقرت حالة مالك نسبيًا، بدأت الشرطة تراجع الأدلة اللي كانت داليا محتفظة بيها.
المفتاح فتح صندوقًا معدنيًا في المخزن القديم، بعد الحصول على التصاريح اللازمة وتأمين المكان.
جواه كانت فيه ذاكرة إلكترونية، ودفتر صغير، ومجموعة مستندات عليها تواريخ وأسماء وأرقام تحويلات مالية.
الدفتر كان بخط زوج داليا.
وفي آخر صفحة، كانت فيه جملة مكتوبة بالقلم الأحمر
لو وصلت الورق ده لليلى، يبقى مريم قدرت تلاقيها. ما تخليش حد يقنعك إن الحقيقة انتهت بموتي.
لما قريت
تم نسخ الرابط