خليكي امي

لمحة نيوز

خليكي أمي، وخدي البيبي معاكي
همستلي طفلة غرقانة من المطر، في الوقت اللي 3 دكاترة كانوا بيضحكوا عليها وبيصوروها بموبايلاتهم. أخوها اللي عنده 5 شهور كان بالعافية بيتنفس. ما دخلتش معاهم في جدال، شيلت الطفل وبصيت للقفازات الصفرا القديمة اللي كانت البنت ماسكاها. وأول ما شفت ال غرز السودا اللي على طرفها، فهمت ليه أمها بعتتها تدور عليّا بالذات.
دخلت البنت المستشفى البحري في إسكندرية حافية، قبل نص الليل بشوية، وهي غرقانة من المطر، وعلى ضهرها طفل صغير مربوط بقطعة قماش رمادي.
كنت لسه بخلّص ورديتي لما سمعتها بتتكلم.
أبوس إيدك، خليكي أمي وخدي البيبي معاكي، متسيبيهوش!
في الأول افتكرت إني سمعت غلط.
لكن 3 دكاترة واقفين جنب الاستقبال انفجروا في الضحك. واحد منهم، دكتور لسه في بداية حياته المهنية، حتى رفع موبايله وبدأ يصورها.
هي البنت دي طلعتلنا منين؟ إيه ده، إحنا في فيلم رعب ولا إيه؟
البنت كان شكلها عندها حوالي 8 سنين. كانت لابسة بلوفر أحمر لازق في جسمها من كتر المطر، وفستان أزرق، والمية بتنزل من هدومها وتعمل بركة على أرضية المستشفى.
أما البيبي اللي على ضهرها، فكان ساكت تمامًا.
وده اللي خلاني أقلق.
طفل عنده السن ده، وفي البرد ده، المفروض يعيط ويصرخ، مش يبقى ساكت بالشكل المرعب ده.
البنت كانت ماسكة حاجة بإيديها.
قفازين مطبخ قدام، لونهم أصفر، وباين عليهم إنهم مستهلكين من كتر الاستخدام.
الدكتور حسام الشربيني، رئيس قسم الأطفال، قرب منها وهو متضايق.
إيه اللي جاب العيال دي هنا؟ اتصلوا بخط نجدة الطفل، وخليهم يبعتوا حد ياخدها.
موظفة الاستقبال بصت للبيبي وقالت بقلق
يا دكتور، ده شكله تعبان أوي!
رد عليها ببرود
لو تعبان، يبقى الجهات المختصة تبعتله إسعاف. إحنا مش هنحوّل المستشفى لدار أيتام!
ورجعت الضحكات تتعالى من جديد.
نزلت عيني على الأرض، وقبضت على كوباية القهوة اللي في إيدي.
بقالي 8 شهور بحاول أحقق هدف واحد إني أعيش من غير ما حد ياخد باله مني.
اسمي ليلى منصور.
الممرضة الهادية.
اللي بتقبل شيفتات الليل من غير اعتراض.
اللي عمرها ما بتدخل في خناقة.
واللي بتبان متوترة أول ما حد يعلي صوته عليها.
أنا تعبت عشان أبقى الست دي.
لكن في اللحظة دي، البنت رفعت القفازين قدامي.
وشفت 3 غرز صغيرة بخيط أسود على الطرف الشمال.
نفسي اتقطع.
أنا اللي عملت الغرز دي بإيدي.
من 4 سنين.
في بيت آمن تابع لبرنامج حماية الشهود، كانت فيه طفلة عندها 4 سنين، قاعدة قدامي بتتفرج عليّا وأنا بخيط القفازين بخيط صيد رفيع.
ساعتها سألتني ببراءة
إنتِ بتعملي كده ليه؟
ابتسمت لها وقلت
عشان تعرفي إن دول بتوعك إنتِ. وعشان لو جه يوم واحتجتي تلاقيني، أعرف إنك إنتِ اللي جاية تدوري عليّا.
رجعت للحاضر وأنا ببص للطفلة اللي واقفة قدامي.
عينيها الرمادي كانت مليانة رعب.
بصتلي مباشرة وقالت
ماما قالتلي أدور على ممرضة لابسة أزرق واحدة قلبها طيب ومش هتضحك عليّا.
حسيت إن المستشفى كلها اختفت من حواليا.
قربت منها ونزلت على ركبتي عشان أبقى في نفس طولها.
اسمك إيه يا حبيبتي؟
مريم.
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أثبت صوتي.
بصيلي أنا يا مريم متخافيش. أنا معاكي.
هزت راسها، لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، أبواب المستشفى الأوتوماتيكية اتفتحت.
دخل راجلين لابسين بدل سودا غالية.
كانوا لابسين نضارات سودا، مع إن الساعة قربت على نص الليل.
ما سألوش موظف الاستقبال عن أي حاجة.
ما بصوش حتى للوحات الإرشادية.
كل اللي عملوه إنهم بصوا على مريم.
الراجل الأطول لمس سماعة صغيرة في ودنه، وقال حاجة بصوت واطي.
جسمي كله اتشد.
قبل ما عقلي يستوعب الخطر، إحساسي كان بيقولي إن الراجلين دول مش جايين يساعدوا حد.
قربت من مريم وهمست لها
مامتك فين يا حبيبتي؟
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها
عربيتنا وقعت جنب الكوبري ماما خبطت راسها، وكانت مش قادرة تقوم. ادتني مالك وقالتلي أجري بيه وأدور عليكي.
بصيت ناحية الراجلين من غير ما ألف وشي بالكامل.
وإنتِ تعرفيهم؟
مريم هزت راسها بسرعة.
لأ بس هما اللي كانوا ماشيين ورانا طول اليوم. نفس الرجالة، ونفس العربية الرمادي. كل ما ماما تغيّر الطريق، ألاقيهم ورانا تاني.
قلبي بدأ يدق بعنف.
فكيت القماشة الرمادي اللي كان الطفل مربوط بيها، وشيلته بين دراعاتي.
مالك عنده 5 شهور بس.
أول ما لمست جسمه، حسيت ببرودة خوفتني.
شفايفه كانت مزرقة، ونَفَسه ضعيف بشكل يخوّف.
رفعت صوتي فورًا
يا دكتور حسام! الطفل حرارته منخفضة جدًا، ولازم يدخل الطوارئ حالًا!
الدكتور بصلي بضيق، وكأنه أنا اللي عاملة مشكلة.
سلّمي الطفل للأمن يا أستاذة ليلى.
بصيتله بعدم تصديق.
حضرتك مش شايف حالته؟ ده محتاج تدخل طبي فوري!
أنا قلت سلّميه للأمن.
الطفل بيموت قدامنا يا دكتور!
رد ببرود مستفز
مفيش ملف طبي، ولا تحويل، ولا أي أوراق تثبت هو مين. إحنا مش مسؤولين عن أي حد يدخل من الشارع.
بصيتله وأنا مش مصدقة إن دي الكلمات اللي ممكن تطلع من دكتور، واقف قدام رضيع بالكاد بيتنفس.
ده طفل عنده 5 شهور!
وده مش مريض مسجل عندنا.
في اللحظة دي، الدكتور الشاب اللي كان بيصورنا رجع يضحك.
يا جماعة، شوفوا الممرضة ليلى قررت تتبنى عيلة كاملة في نص الشيفت!
ما رديتش عليه.
كل اللي كنت شايفاه هو صدر مالك الصغير.
طلع نفس.
وبعدين وقف.
ثواني عدّت تقيلة أوي.
وبعدها صدره اتحرك تاني.
حسيت إن قلبي هيقف معاه.
بصيت لمريم وسألتها بسرعة
يا مريم، هو بقاله قد إيه كده؟ بقاله قد إيه مش بيعيط؟
ردت بصوت مكسور
من زمان أنا بهزه وبنادي عليه، بس مش بيرد عليّا زي الأول.
ضمّيته لصدري بحذر، وحاولت أدفّيه وأنا بنادي على فريق الطوارئ.
لكن جوايا، كان فيه سؤال أكبر من كل اللي بيحصل.
أنا كنت أعرف العيلة دي.
من 4 سنين، أبو مريم ومالك مات وهو بيشتغل مترجم ضمن عملية حكومية سرية. وبعد موته، أمهم، داليا السيوفي، دخلت هي وبنتها برنامج خاص لحماية الشهود، لأن المعلومات اللي كانت عند جوزها خلّت حياتهم في خطر.
وقتها، أنا كنت الممرضة المسؤولة عن متابعة حالتهم، والتأكد إن محدش يقدر يوصل لهم.
كنت بشوف مريم كل يوم، وهي عندها 4 سنين، وكنت بساعد أمها تحافظ على هدوئها وسط كل الرعب اللي كانوا عايشينه.
ولما البرنامج نقلهم لمكان جديد بهويات مختلفة، جالي أمر واضح إني أختفي من حياتهم تمامًا.
مفيش زيارات.
مفيش مكالمات.
ومفيش أي محاولة للتواصل معاهم.
بعدها بأسبوعين، قدمت استقالتي.
ومن يومها، ما عرفتش عنهم أي حاجة.
لحد الليلة دي.
ليلة ما رجعتلي مريم وهي شايلة أخوها، لابسة هدوم مبلولة، وحافية، وبتطلب مني أكون أمها.
الدكتور حسام قرب مني بخطوات سريعة.
أستاذة ليلى، أنا مش هكرر كلامي تاني. سلّمي الطفل فورًا!
وقفت وأنا حاضنة مالك، ومريم متعلقة في طرف الزي الأزرق بتاعي.
طول 8 شهور، كنت بوطي راسي وأسكت.
كنت بسمع الإهانة وأعدّيها.
كنت بتجنب المشاكل مهما كان الثمن.
لكن الليلة دي، رفعت راسي وبصيتله في عينه.
لأ.
المكان كله سكت.
حتى صوت المطر اللي كان بيخبط في الشبابيك، حسيت إنه بقى أوضح.
الدكتور فتح عينيه باستغراب.
إنتِ قلتي إيه؟
قلت لأ. الطفل ده محتاج علاج، ومش هسيبه يموت عشان حضرتك مش عايز تفتحله ملف.
بصيت لموظفة الاستقبال وقلت بحزم
هاتي بطانية تدفئة حالًا، واتصلي بطوارئ الأطفال. وقولي لهم عندنا رضيع حالته حرجة.
الموظفة قامت من مكانها

تم نسخ الرابط