كنت نايمه
المحتويات
الاسم، قامت من السرير رغم تعبها.
سلوى؟! هي وصلت هنا إزاي؟!
بصيت لها باستغراب.
إنتِ تعرفيها؟
نور بدأت ټعيط.
دي أم الطفلة اللي اختفت من تلاتين سنة!
نزلت مع الضابط للاستقبال.
كانت فيه ست كبيرة قاعدة على كرسي، لابسة طرحة رمادية، وماسكة شنطة جلد قديمة على حجرها.
أول ما شافتني، قامت بصعوبة وقالت
إنتِ مريم بنت فاطمة؟
هزيت راسي.
أيوه، حضرتك سلوى؟
مسكت إيدي بإيدين بيرتعشوا.
أمك أنقذتني من ظلم كبير زمان، وأنا جاية النهارده عشان أرد لها جزء من جميلها.
فتحت شنطتها، وطلعت صورة قديمة.
كانت صورة لطفلتين صغيرتين في حضّانة المستشفى، وكل واحدة جنبها بطاقة فيها تاريخ الميلاد.
قالت سلوى
من تلاتين سنة، بنتي اختفت من المستشفى. قالوا لي إنها ماټت، لكن محدش وراني شهادة ۏفاة أصلية، ولا تقرير واضح عن اللي حصل.
سألتها
وأمي كانت تعرف إيه عن الموضوع؟
ردت
أمك كانت شغالة متدربة في المستشفى وقتها، وشافت بنفسها إن فيه خطأ في تسجيل بيانات الأطفال. لما حاولت تبلغ، اتقال لها تسكت، وإلا هتتحرم من مستقبلها.
قلبي اتقبض.
طيب، وخالي محمود؟
سلوى بصتلي طويلًا، وبعدها قالت
محمود كان موجود يوم اختفاء بنتي. لكنه وقتها كان شاب صغير، وفضل سنين يقول إنه شاف حاجة ما كانش المفروض يشوفها.
سألتها بسرعة
شاف إيه؟
قبل ما تجاوب، دخل خالي من باب المستشفى.
كان ماشي ناحيتي بابتسامته المعتادة، لكن أول ما عينه وقعت على سلوى، وقف مكانه.
الابتسامة اختفت من وشه.
والشنطة اللي كانت في إيده وقعت على الأرض.
قال بصوت مخڼوق
إنتِ؟!
سلوى بصت له، ودموعها نزلت.
أيوه يا محمود أنا.
خالي رجع خطوتين لورا.
إنتِ لسه عايشة؟
الجملة دي لوحدها كانت كفاية تخلي الضابط يتحرك ناحيته.
أما أنا، فحسيت إن كل حاجة اتجمعت قدامي فجأة.
خالي كان فاكر إن سلوى ماټت؟ ولا كان عايز الناس تصدق إنها اختفت للأبد؟
الضابط طلب منه يقعد، لكنه فضل واقف، وعينه متعلقة بالصورة اللي في إيد سلوى.
وفجأة قال
أنا ما أخدتش بنتك!
سلوى ردت بصوت مليان ۏجع
أنا ما قلتش إنك أخدتها.
سكت خالي.
وبعدين حط إيده على وشه وقال
أنا كنت بحاول أحميها.
صړخت فيه
تحمي مين يا خالي؟ بنت سلوى؟ ولا تحمي نفسك؟!
بصلي، ولأول مرة أشوف في عينيه خوف حقيقي.
قال
يا مريم، إنتِ مش فاهمة. لو عرفتي اللي حصل يومها، هتكرهي ناس عمرك ما تخيلتي إنك ممكن تكرهيهم.
رديت عليه
أنا عايزة أعرف الحقيقة، حتى لو كانت هتوجعني.
فضل ساكت لحظات طويلة.
وبعدين قال
الطفلة اللي اختفت من المستشفى ما كانتش بنت سلوى وحدها في السجلات. كان فيه تبديل في الملفات، وأنا اكتشفت الموضوع بالصدفة. لكن لما حاولت أتكلم، هددوني بأمك.
سألته
مين هددك؟
بص ناحية الضابط، وبعدها قال
مدير المستشفى وقتها.
سلوى قربت منه وقالت
طيب، بنتي راحت فين؟
خالي بدأ يبكي.
أنا ما أعرفش مكانها الحالي. كل اللي أعرفه إن حد خرج بيها من المستشفى، وبعدها اتغيّر اسمها في الأوراق.
سألته بحدة
والطفل اللي اتحط في حضڼي؟
رد بسرعة
أنا ما كنتش أعرف إنهم هيوصلوه لأوضتك! أنا وافقت أساعد في استرجاع ملف قديم، لكن لما عرفت إنهم هيستخدموا الطفل لتوريطك، حاولت أوقفهم.
الضابط سأله
مين اللي أصدر الأمر؟
خالي سكت.
وبعدها بصلي وقال
الشخص اللي كان بيبعتلك الرسائل مش هو اللي دبّر كل حاجة. الرسائل كانت بتوصلك عشان توصلي للصندوق قبل ما حد يسرقه.
طلعت المفتاحين من جيبي وحطيتهم قدامي.
أنهي صندوق؟ وفين؟
خالي أشار للمفتاح القديم اللي نور ادتهولي.
الصندوق ده مش موجود في بيت أمك.
استغربت.
أمال موجود فين؟
رد بصوت واطي
في غرفة الأرشيف القديمة تحت مبنى الجامعة. وأمك خبت جواه المستند الأصلي اللي يثبت مين البنت اللي اتغيّر اسمها.
سلوى حطت إيدها على صدرها، وبدأت تبكي.
لكن خالي كمل كلامه، والجملة اللي قالها بعد كده قلبت كل حاجة
بس فيه مشكلة الصندوق اتفتح امبارح بالليل، والمستند الأصلي اختفى.
في اللحظة دي، موبايل خالي اهتز.
بص للشاشة، ووشه اصفر.
الضابط مد إيده وقال
هات الموبايل.
لكن خالي رجع خطوة وقال
استنى يا فندم لازم تشوف الرسالة دي الأول.
عرض الشاشة علينا.
كانت رسالة من رقم مجهول، مكتوب فيها
محمود، لو قلت لمريم مين هي البنت اللي في الصورة، مش هتشوف أختك تاني.
شهقت.
أمي! هما أخدوا أمي؟!
خالي ما ردش، لكن دموعه كانت كفاية.
الضابط طلب تحديد مكان المرسل واتصل بالقوة المكلفة بتأمين بيت أمي، بينما أنا كنت باصة للصورة القديمة في إيد سلوى.
صورتين لطفلتين.
طفلة اختفت.
وطفلة اتغير اسمها.
وفجأة لاحظت تفصيلة ما كنتش واخدة بالي منها قبل كده.
في الصورة، واحدة من الطفلتين كان في إيدها سوار صغير عليه حرف م.
أما الطفلة التانية، فكان على سوارها حرف ف.
قلبت الصورة، ولقيت على ظهرها كتابة باهتة جدًا
الأسماء الحقيقية محفوظة في السجل رقم ٢٧.
رفعت عيني لخالي وقلت
إيه السجل رقم ٢٧؟
خالي بصلي پصدمة، وبعدها قال
ده سجل اتقفل بأمر قضائي من سنين، ومحدش يقدر يفتحه من غير إذن رسمي.
سألته
وليه أمي كانت محتفظة بالصورة؟
رد
لأنها كانت عارفة إن اليوم اللي الصورة دي هتظهر فيه، هيكون اليوم اللي الحقيقة كلها هتتكشف فيه.
وفجأة، رن موبايل الضابط.
رد، وفضل ساكت وهو بيسمع.
وبعدين بصلي وقال
مريم، عندنا خبر عن والدتك.
قلبي وقف تقريبًا.
لقيناها؟
هز راسه ببطء.
لقينا عربيتها، وفيها ورقة مكتوب عليها عنوان.
ناولني الورقة.
كان مكتوب عليها عنوان مبنى قديم خارج الحرم الجامعي، وتحته جملة قصيرة
تعالي لوحدك يا مريم، لو عايزة تعرفي مين بنت فاطمة الحقيقية.
رفعت عيني ناحية الضابط.
بنت فاطمة الحقيقية؟ يعني إيه؟
لكن قبل ما يرد، سلوى مسكت إيدي وقالت بصوت مرتعش
يا بنتي إنتِ لازم تعرفي حاجة عن الصورة دي.
بصيت لها.
فقالت
الطفلتين اللي في الصورة مش بنتي وبنت أمك واحدة بس فيهم بنتي، والتانية بنت الست اللي كانت واقفة معاهم يوم الولادة. والست دي اختفت هي كمان في نفس الليلة!
اتجمدت مكاني.
ثلاث ستات.
طفلتان.
ملفات متبدلة.
وأمي اختفت دلوقتي.
لكن مين الست التالتة؟ وإيه علاقتها بالطفل الرضيع اللي اتساب في حضڼي؟
والأخطر من كل ده ليه الشخص اللي خطڤ أمي عايزني أروح للمبنى لوحدي؟
يتبع
خرجت من المستشفى وأنا حاسة إن حياتي كلها بتتفك قدامي حتة حتة.
كل اللي كنت أعرفه عن عيلتي بقى محل شك، وكل إجابة كنت بوصل لها كانت بتفتح وراها عشر أسئلة جديدة.
الضابط وقف قدامي وقال بحزم
مريم، إنتِ مش هتروحي العنوان ده لوحدك مهما حصل. اللي باعت الرسالة عايزك تروحي، وده معناه إنه ممكن يكون مجهز حاجة هناك.
قلتله وأنا بحاول أتماسك
أنا مش هروح عشان أواجه حد. أنا هروح عشان أرجع أمي.
رد بهدوء
وده بالضبط اللي ممكن يستغله ضدك. هنرتب التحرك، وإنتِ هتفضلي تحت حمايتنا.
وافقت، لكن قبل ما نتحرك، طلبت منه يسمحلي أكلم أمي مرة أخيرة.
اتصلت برقمها.
مغلق.
اتصلت بخالي محمود.
رد من أول رنة، وصوته كان مكسورًا
مريم، أنا لازم أقولك حاجة قبل ما تروحي أي مكان.
قلت بعصبية
مش وقته يا خالي! أمي فين؟
قال
أنا معرفش مكانها بالضبط، لكن عارف مين ممكن يعرف.
مين؟
سكت ثواني، وبعدها قال
الدكتور سامح. هو آخر واحد شاف أختي قبل ما تختفي.
رجعنا لقسم الشرطة، والضابط بدأ يراجع كل المعلومات اللي جمعناها.
بعد شوية، وصل بلاغ إن الدكتور سامح ظهر عند بوابة المستشفى، وطلب مقابلة مسؤول التحقيق.
لما دخل، كان مرهق جدًا، وعينيه حمرا من السهر.
قعد قدام الضابط وقال
أنا مستعد أقول كل حاجة، بس لازم تأمنوا الطفل الأول.
الضابط سأله
إنت تعرف الطفل ده إيه؟
سامح اتنهد وقال
أعرف إن فيه ناس بتحاول تستخدمه عشان توصل لملف قديم. لكن الطفل نفسه ملوش ذنب في أي حاجة.
قلتله بسرعة
طب ليه اتحط في حضڼي؟!
بصلي، وبعدها قال
لأنهم كانوا عايزين يخلوا الناس تصدق
إنك أخفيتي ولادة، وبكده يقدروا يضغطوا عليكي وعلى والدتك. كانوا متوقعين إنك هتنهاري قدام الاټهامات، ومش هتقدري تدافعي عن نفسك.
سألته
ومين اللي خطط لكل ده؟
اتردد، وبعدها طلع من جيبه صورة قديمة وحطها على الترابيزة.
كانت صورة لثلاث ستات واقفين قدام مبنى المستشفى، وفي النص واحدة منهم شايلة طفلة.
عرفت أمي فورًا.
لكن الست اللي واقفة جنبها كانت مجهولة بالنسبة لي.
أما الست التالتة
فكانت سلوى.
سامح أشار للست المجهولة وقال
دي اسمها نادية. كانت ممرضة في المستشفى وقتها، وهي آخر شخص سجّل بيانات الطفلتين في الدفتر الأصلي.
سألته
وهي فين دلوقتي؟
رد
محدش يعرف. اختفت بعد اللي حصل بأيام، وكل اللي اتقال وقتها إنها سافرت بره البلد.
سلوى، اللي كانت قاعدة جنبنا، هزت راسها پعنف.
ده مش صحيح! نادية ما سافرتش. أنا دورت عليها سنين، وفيه حد كان بيبعتلي خطابات من غير اسم، وكل خطاب كان فيه معلومة جديدة عن بنتي.
الضابط سألها
وإنتِ احتفظتي بالخطابات دي؟
سلوى فتحت شنطتها، وطلعت ظرف قديم متآكل الأطراف.
أيوه. وده آخر خطاب وصلني من حوالي عشر سنين.
الضابط فتح الظرف بحرص، وقرأ الرسالة.
كانت قصيرة جدًا
يا سلوى، لو عايزة تعرفي بنتك راحت فين، دوري على سجل الولادة رقم ٢٧. لكن خلي بالك، الاسم اللي هتلاقيه مش الاسم اللي اتقالك يومها.
قشعريرة سرت في جسمي.
نفس رقم السجل اللي ظهر على ظهر الصورة!
بصيت للدكتور سامح وقلت
إنت قلت إنك هتقول كل حاجة. إيه اللي تعرفه عن السجل ده؟
رد
السجل الأصلي موجود في أرشيف تابع للمستشفى، لكن نسخة منه كانت في الجامعة. والدتك حاولت توصل للنسخة دي من سنين، لأنها كانت متأكدة إن فيه بيانات اتغيّرت عمدًا.
سألته
طب ليه ما قالتليش؟
خفض عينيه.
لأنها كانت خاېفة إنك تتورطي في نفس المشكلة.
بعد ساعات من الإجراءات والتحريات، حصلنا على إذن للوصول إلى الأرشيف القديم.
تحركنا في مجموعة، وكان الضابط مصرّ إن محدش ينفصل عن الباقيين.
المبنى كان قديمًا، والطرقات فيه ضيقة، والهدوء مسيطر على المكان بشكل يخلّي أي صوت بسيط مسموع.
وصلنا لغرفة الأرشيف.
المسؤول فتح الباب، ودخلنا.
كانت فيه رفوف طويلة مليانة ملفات قديمة، وريحة الورق المعتق مالية المكان.
الضابط طلب البحث عن السجل رقم ٢٧.
فضلنا ندور لحد ما موظف الأرشيف سحب صندوقًا معدنيًا من آخر رف.
كان عليه رقم باهت.
٢٧.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
فتح الضابط الصندوق، وبدأ يقلب المستندات بحرص.
وفجأة وقف عند صفحة معينة.
مريم، تعالي شوفي ده.
قربت منه.
كان فيه جدول بأسماء المواليد، وتواريخ الولادة، وأرقام الملفات.
في السطر الأول اسم طفلة اتولدت الساعة ٢١٠ صباحًا.
وفي السطر التاني اسم طفلة اتولدت الساعة ٢٢٥ صباحًا.
لكن الغريب إن الاسم الموجود في السطر الأول كان مكتوب فوق اسم تاني، وكأن حد حاول يغيره.
الضابط طلب من خبير الأدلة يفحص الصفحة، وبعد دقائق قال
فيه آثار كشط وتعديل قديم. لازم نفحص الورقة بشكل متخصص عشان نعرف الكتابة الأصلية.
كنت بقرأ الأسماء الظاهرة، وفجأة لمحت اسم أمي كاملًا في خانة الشهود.
فاطمة عبد الرحيم.
وتحته توقيعها.
لكن في آخر الصفحة كان فيه سطر مكتوب بخط مختلف
يُمنع تسليم نسخة من هذا السجل إلا بموافقة مدير المستشفى.
وبجانب السطر ختم رسمي.
الدكتور سامح قرب من الورقة، ووشه اتغير.
قال بصوت خاڤت
الختم ده ما كانش موجود في النسخة اللي شوفتها زمان.
الضابط سأله
يعني إيه؟
رد
يعني إن حد رجع للملف بعد سنوات، وأضاف تعليمات جديدة عشان يمنع أي حد من الوصول للحقيقة.
في اللحظة دي، سمعنا صوت باب بيتقفل بقوة من آخر الممر.
العسكري اللي كان واقف عند المدخل جري يشوف إيه اللي حصل.
وبعد ثواني رجع وهو بيقول
يا فندم، فيه عربية خرجت من البوابة الخلفية بسرعة، وكان فيها شخص لابس بالطو أبيض.
الدكتور سامح اتوتر.
ده مش ممكن
الضابط بص له.
إنت تعرف الشخص ده؟
سامح بلع ريقه وقال
أيوه. ده مدير المستشفى الحالي.
اټصدمت.
مدير المستشفى؟ هو له علاقة بكل ده؟
سامح رد
أنا مش بقول إنه مسؤول عن اللي حصل من تلاتين سنة، لكن هو الشخص اللي كان عنده صلاحية الوصول للملفات القديمة، وهو اللي طلب مني من يومين أراجع بيانات الطفل.
الضابط سأله
وليه؟
سامح رد
قال إن فيه خطأ في تسجيل بيانات الطفل ولازم يتصلح بسرعة. لكن لما راجعت الملف، اكتشفت إن المستندات متعارضة، وإن فيه حد بيحاول يخليني أوقّع على بيانات مش متأكد منها.
الضابط طلب منه يوضح كل ده رسميًا، وبعدها رجع يبص للسجل.
وفجأة لاحظنا وجود ورقة صغيرة متدخلة بين صفحتين.
سحبها بحرص.
كانت مكتوبة بخط أمي.
قرأت أول سطر بصوت مرتعش
لو مريم وصلت للسجل ده، يبقى أنا فشلت في حمايتها من الماضي.
حسيت بدموعي بتنزل.
كملت القراءة
يا بنتي، لو بتقري الكلام ده، اعرفي إن الحقيقة مش في الاسم اللي اتكتب على الورق، الحقيقة في الشخص اللي احتفظ بالنسخة الأصلية لما الكل حاول يتخلص منها.
وفي آخر الرسالة، كان فيه اسم واحد.
نادية عبد السلام.
سلوى شهقت أول ما سمعت الاسم.
نادية لسه عايشة!
الضابط لف ناحيتها.
إنتِ تعرفي مكانها؟
سلوى هزت راسها وهي بټعيط.
من حوالي شهر، وصلني جواب من غير اسم، وكان فيه عنوان في مدينة قريبة. أنا ما رحتش، لأني خفت يكون فخ.
الضابط أخد العنوان منها، وبدأ يرتب التحرك.
لكن قبل ما نخرج من الأرشيف، لاحظت إن فيه صفحة ناقصة من السجل.
الصفحة اللي المفروض يكون فيها التوقيع النهائي لتسليم الطفلتين.
سألت موظف الأرشيف
مين اللي شال الصفحة دي؟
رد
أنا ما لمستش السجل قبل النهارده.
الضابط بص للدكتور سامح.
سامح هز راسه.
أنا أول مرة أشوفه بالشكل ده.
يعني حد وصل للسجل قبلنا، وشال أهم صفحة فيه.
لكن ليه؟
وإيه اللي كانت هتكشفه؟
في الطريق، موبايل الضابط رن.
رد، وبعد ثواني وشه اتغير.
قال
تمام. إحنا جايين حالًا.
قفل وبصلي.
لقينا والدتك.
صړخت بلهفة
فين؟! هي كويسة؟!
قال
موجودة في بيت قديم على العنوان اللي اتبعتلك، وطلبت إنها تقابلنا.
حسيت إن روحي رجعتلي.
لكن الضابط كمل
فيه حاجة واحدة لازم تعرفيها. والدتك مش لوحدها هناك.
سألته
مين معاها؟
رد
ست كبيرة، مطابقة للأوصاف اللي عندنا لنادية عبد السلام.
وصلنا البيت، ولقينا الباب مفتوحًا.
دخل الضابط الأول، وبعده دخلت أنا.
أمي كانت قاعدة على كنبة قديمة، وشكلها مرهق، لكن أول ما شافتني قامت وحضنتني بقوة.
فضلت أعيط في حضنها، وهي بتربت على ضهري وتقول
حقك عليا يا بنتي حقك عليا إني خبيت عنك.
بعد ما هديت، بصيت للست اللي قاعدة جنبها.
كانت كبيرة في السن، وشعرها أبيض، وإيديها بتترعش.
أمي مسكت إيدي وقالت
مريم، دي نادية. الست الوحيدة اللي تقدر تشرحلك إيه اللي حصل فعلًا.
نادية رفعت عينيها ناحيتي.
وبعد لحظات صمت، قالت
قبل ما أتكلم، لازم تعرفي إن فيه شخص بريء اتظلم طول عمره بسبب التبديل اللي حصل في الملفات.
سألتها
مين؟
نادية دمعت عينيها وقالت
البنت اللي اتقال إنها ماټت عاشت، وكبرت، وبنت لنفسها حياة كاملة، وهي لحد النهارده مش عارفة إن اسمها الحقيقي مختلف.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني إنتِ عارفة مكانها؟
هزت راسها.
أيوه.
سكتت لحظات، وبعدها قالت
وأنا مش بس أعرف مكانها أنا أعرف كمان مين اللي كان بيحاول يوصل للطفل اللي اتحط في حضنك، وليه اختارك إنتِ بالذات.
أمي شدت على إيدي، ووشها اتغير.
نادية، استني مش قبل ما نتأكد إن مريم جاهزة تسمع الحقيقة.
لكن نادية هزت راسها وقالت
مفيش وقت. لأن الشخص اللي بيدور على الطفل عرف إننا وصلنا لبعض، وهو دلوقتي في طريقه لهنا.
وفجأة
سمعنا خبطًا عنيفًا على الباب.
وصوت راجل من بره قال
افتحوا الباب! أنا جاي آخد بنتي!
بصيت لأمي.
أمي بصت لنادية.
ونادية همست بكلمة واحدة خلتني أحس إن الأرض پتنهار تحت رجلي
ده أبو الطفلة والراجل ده كان فاكر إن بنته ماټت من تلاتين سنة!
يتبع
صوت الخبط على الباب كان بيزيد، والراجل اللي بره فضل ېصرخ
افتحوا الباب! أنا عارف إنكم جوه! ومش همشي من هنا غير لما أشوف بنتي!
أمي مسكت إيدي، وكانت بتترعش.
أما نادية، فقامت من مكانها بالعافية، وبصت ناحية الباب وقالت بصوت مخڼوق
بعد كل السنين دي رجعت أخيرًا.
بصيت لها وأنا مش فاهمة.
مين الراجل ده؟ وإزاي بنته عايشة من تلاتين سنة وهو فاكر إنها ماټت؟
نادية أخدت نفس طويل، لكن قبل ما تجاوب، الضابط أشار لنا نبعد عن الباب، وطلب من القوة الموجودة بره تتأكد من هوية الشخص.
بعد لحظات، دخل الراجل.
كان في أواخر الخمسينات، شعره أبيض عند الجانبين، وملامحه مرهقة كأنه شايل حزن سنين طويلة.
أول ما شاف نادية، وقف مكانه.
وقال بصوت مبحوح
إنتِ لسه عايشة يا نادية؟
نادية ردت والدموع في عينيها
أيوه يا فؤاد. لسه عايشة ولسه فاكرة كل حاجة.
فؤاد بص لأمي، وبعدها بصلي.
إنتِ مريم؟ بنت فاطمة؟
هزيت راسي.
قال
أنا آسف إنك اتورطتي في كل ده. والله ما كنت أعرف إنهم هيحطوا الطفل في حضنك ويعملوا فيكي كده.
قربت منه وقلت
كل الناس بتقول إنها ما كانتش تعرف! أنا عايزة أعرف مين المسؤول، وليه كل ده حصل من الأساس!
فؤاد قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
وبعد صمت طويل، بدأ يحكي.
من تلاتين سنة، أنا ومراتي كنا مستنيين بنتنا الأولى. يوم الولادة، الدكاترة قالوا لنا إن فيه مضاعفات، وإن الطفلة ماټت بعد الولادة بوقت قصير.
سلوى، اللي كانت وصلت البيت مع الشرطة، اڼفجرت في العياط.
نفس الكلام اللي قالوهولي!
فؤاد كمل
دفنّا طفلتنا بناءً على الأوراق اللي المستشفى سلمتهالنا. لكن بعد شهور، بدأت توصلني خطابات مجهولة بتقول إن فيه خطأ في تسجيل المواليد، وإن بنتي ممكن تكون عايشة.
سألته
وإنت عملت إيه؟
دورت. سألت في المستشفى، وراجعت الأوراق، لكن كل مرة كنت بوصل لطريق مسدود. وبعد سنين، اكتشفت إن فيه سجل كامل اتغيّر، وإن الموظفة اللي كانت مسؤولة عن التسجيل اختفت.
بص لنادية.
ولما وصلت لها أخيرًا، قالتلي إن فيه طفلتين اتولدوا في نفس الليلة، وإن بياناتهم اتلخبطت بعد الولادة.
سلوى قربت منه وقالت
يعني بنتي ممكن تكون هي كمان عايشة؟
فؤاد هز راسه.
ده اللي كنا بنحاول نثبته.
أنا كنت واقفة وسطهم، وكل سؤال عندي كان بيولد أسئلة أكتر.
لكن فيه حاجة واحدة كانت شاغلاني.
الطفل اللي اتحط في حضڼي!
سألت فؤاد
طيب، إيه علاقة الرضيع بكل اللي حصل؟
فؤاد بص لنادية، ونادية نزلت عينيها.
وبعدين قال
الطفل ده حفيد الست اللي كانت مسؤولة عن إخفاء الحقيقة زمان. قبل ۏفاتها، سابت أوراق بتثبت إن فيه ملف أصلي اتنقل من المستشفى، وإن حد من عيلتها حاول يوصل له.
اټصدمت.
يعني الطفل اتستخدم عشان يوصلوا للملف؟
أيوه. اللي دبّر الموضوع كان عايز يضغط على والدتك، لأنه كان فاكر إنها لسه محتفظة بنسخة من الأوراق.
أمي اتكلمت أخيرًا
لكن أنا ما كنتش محتفظة بالنسخة عشان أبتز حد أو أخبي چريمة. كنت محتفظة بيها عشان أثبت إن فيه أم اتقال لها إن بنتها ماټت، وهي ممكن تكون عايشة.
فؤاد بص لها باحترام.
وأنا مصدقك يا فاطمة.
في اللحظة دي، الضابط دخل علينا ومعاه تقرير جديد.
قال
وصلنا تحديث من المستشفى. الطفل حالته مستقرة، لكن لسه محتاجين نعرف هويته بشكل رسمي، ونتأكد من صلة القرابة بينه وبين الأشخاص اللي وردت أسماؤهم في التحقيق.
نادية بصت للضابط وقالت
أنا مستعدة أساعدكم. عندي دفتر قديم، فيه أسماء الأمهات اللي كانوا موجودين في المستشفى يومها.
الضابط سألها
الدفتر ده فين؟
نادية ردت
في بيتي. خبّيته من سنين، لأني كنت خاېفة حد يتخلص منه.
الضابط طلب منها العنوان،
متابعة القراءة