جوزي زق الاكل

لمحة نيوز

كانت بتثبت إن ليه حق في بيعها.
بصيت للمحامي اللي كان جاي معايا، واللي وافق يحضر بعد ما عرف إن الموضوع ممكن يتحول لمواجهة عائلية.
قال بهدوء
الورقة دي لا تمنح صاحبها حق بيع العقار. ولو فيه مطالبة بمبالغ اتصرفت على تجديدات، فدي مسألة منفصلة تتراجع بمستنداتها. لكن ملكية الشقة والتصرف فيها موضوع تاني تمامًا.
حماتي سكتت.
محمود بص للمحامي بغيظ.
أما أبويا، فقام من مكانه وقال
أنا كنت فاكر إن بنتي متجوزة راجل يصونها، مش واحد يزوّر إمضتها، ويحاول يبيع بيتها، وبعدها ييجي يشتكي إنها مش واقفة جنبه!
محمود حاول يتكلم.
يا عمي، أنا كنت مضغوط...
أبويا قاطعه
كلنا بنتضغط يا ابني، لكن مش كلنا بنسرق حقوق الناس لما الدنيا تضيق بينا.
الجملة دي كانت كأنها صفعة لمحمود.
لأول مرة، ما لاقاش حد يدافع عنه.
حتى حماتي، اللي كانت جاية تقلب أهلي عليّا، بدأت تبص للأرض لما المحامي طلب منها توضح مصدر المبالغ اللي كانت بتستلمها.
قامت بسرعة، ولمّت شنطتها.
أنا مش هقعد في مكان بيتهموا فيه ابني!
وقبل ما تخرج، بصتلي وقالت
بس خلي بالك، ابنك هيفضل ابن محمود، ومش هتعرفي تمنعيه عن أبوه!
رديت بهدوء
آدم ابنه فعلًا، وعمره ما هيكون وسيلة انتقام بينا. لكن ده مش معناه إني هسمح لأي حد يعرّض أمانه للخطر.
خرجت حماتي، ومحمود وراها.
وأنا فضلت واقفة، حاسة إن جوايا حاجة اتكسرت فعلًا، لكن في نفس الوقت، حاجة تانية أقوى بدأت تتكوّن.
ما بقيتش عايزة محمود يعترف إنه غلطان.
كنت عايزة حقي يرجع، وابني يعيش في أمان، وأنا أقدر أبص لنفسي في المراية من غير ما ألوم نفسي إني سكتّ أكتر من اللازم.
بعد أسبوعين الحقيقة ظهرت قدام الكل
الأسبوعين اللي بعدهم كانوا أصعب فترة في حياتي.
المحامي تابع الإجراءات، وقدمنا المستندات والرسائل اللي حصلنا عليها من حسام، وبدأت الجهات المختصة تفحص شبهة التزوير والاتفاق اللي اتعمل من غير موافقتي.
مكتب العقارات أكد إنه جمّد البيع، وبعد مراجعة الأوراق، بدأ إجراءات إنهاء الاتفاق المبدئي وفقًا لشروطه، مع الاحتفاظ بحقه في مطالبة محمود بأي مبالغ مستحقة طبقًا للعقد.
أما أنا، فبدأت إجراءات الانفصال رسميًا، وطلبت تنظيم كل ما يخص آدم بشكل يضمن استقراره، بعيدًا عن الخناقات والتهديدات.
محمود حاول يتصل بيا أكتر من مرة.
مرة يعتذر.
ومرة يلومني.
ومرة يقول إنه هيتغير وإنه مستعد يبدأ من جديد.
لكن في كل مرة كنت أفتكر طبق الأكل وهو بيتزقّ من قدامي، وصوته وهو بيقول إن مرتبي يكفّي هو وأمه، وأفتكر إمضتي المزورة على الورق.
وساعتها كنت أعرف إن الرجوع مش حل.
في يوم، اتصل بيا وقال
أنا عايز أشوف آدم. مش معقول تحرميني من ابني.
قلتله
أنا ما حرمتكش منه، ومش هعمل كده. هنلتزم بالترتيبات اللي هتتحدد بما يحفظ مصلحته. لكن ما تستخدموش عشان تضغط عليّا.
وساعتها سكت.
لأنه كان عارف إني المرة دي مش هتنازل عن حدودي.
وبعد فترة من التحقيقات والإجراءات القانونية، اتضح إن المستند اللي اتقدم لمكتب العقارات ما كانش كافيًا لإتمام البيع، وإن توقيعي كان محل شبهة جدية تستوجب الفحص. واستمرت الإجراءات القانونية بناءً على الأدلة المتاحة، من غير ما أسيب حقي لمجرد إن محمود جوزي السابق.
أما الديون، فكانت أكبر من قدرته على السداد.
الشخص اللي استلف منه طالب بحقه، وحسام رفض يتحمل مسؤولية ديون محمود لوحده، وحماتي اكتشفت إن الفلوس اللي ضحت بدهبها ومدخراتها عشان تساعد ابنها مش هترجع بسهولة.
وفي يوم، وصلني خبر إن حماتي اضطرت تبيع جزءًا من حاجاتها عشان تسدد ديونها، وإن محمود بقى عايش معاها في شقتها الصغيرة.
ما فرحتش بمصيبتهم.
لكن ما حستش كمان إني مطالبة أنقذهم من نتيجة قراراتهم.
ولأول مرة، فهمت الفرق بين الرحمة وبين إنك تسمح لحد يستغلك باسم صلة الدم أو الجواز.
المواجهة الأخيرة محمود رجع يطلب مني آخر فرصة
بعد حوالي أربعة شهور، كنت راجعة من الشغل، ولقيت محمود واقف قدام العمارة.
كان شكله متغير. هدومه بسيطة، ووشه باين عليه الإرهاق، وشعره بقى فيه خصل بيضا ما كنتش واخدة بالي منها قبل كده.
أول ما شافني، قرب خطوة.
نجلاء، ممكن أتكلم معاكي خمس دقايق؟
وقفت على مسافة منه.
اتفضل.
بص للأرض، وقال
أنا عارف إني خسرت كل حاجة بإيدي. خسرت بيتي، وخسرت ثقتك، وخليت أمي تخسر فلوسها. وكل يوم بصحى وأنا فاكر اللي عملته.
ما رديتش.
كمل بصوت مكسور
أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي. أنا عارف إن ده مستحيل. بس كنت عايز أقولك إني آسف.
سكت لحظة، وبعدها قال
فاكرة يوم ما زقيت طبقك من قدامك؟ أنا وقتها كنت فاكر إني لما أهينك هخليكي تخافي وتوافقي على كل حاجة أطلبها. كنت فاكر إنك مش هتقدري تعملي حاجة من غيري. لكن إنتِ أثبتّيلي إني أنا اللي كنت محتاجك أكتر ما إنتِ كنتِ محتاجاني.
بصيتله، ولأول مرة من شهور، ما حسيتش بغضب.
حسيت بحزن على السنين اللي ضاعت، وعلى الراجل اللي كنت أتمنى إنه يكونه، لكنه اختار يبقى شخص تاني.
قلتله
أنا مش هقدر أرجع أثق فيك يا محمود. الاعتذار مش بيمسح اللي حصل، والندم مش بيرجع الأمان اللي ضاع.
هز راسه.
عارف.
لكن آدم ابنك، وأنا مش همنعك عنه طول ما علاقتك بيه آمنة ومحترمة، وكل حاجة هتمشي بالطريقة القانونية المناسبة.
رفع عينيه ناحيتي، وكان واضح إنه ما كانش متوقع الرد ده.
شكرًا.
قلتله قبل ما أمشي
ما تشكرنيش. أنا بعمل اللي صح عشان ابني، مش عشانك.
وسبته واقف قدام العمارة، وطلعت شقتي.
الشقة اللي حاول يبيعها من ورايا.
الشقة اللي كنت فاكرة إنها مجرد حيطان وأوض.
لكنها في الحقيقة كانت المكان الوحيد اللي فضلت فيه واقفة على رجلي، حتى لما أقرب شخص ليا حاول يهدم حياتي.
النهاية السفرة اللي رجعت تجمعنا من جديد
عدّى عام كامل.
رجعت أشتغل دوام كامل باختياري أنا، مش عشان محمود أمرني. وزوّدت خبرتي في المحاسبة، وقدرت أحوش مبلغ كويس، وبدأت أرتّب مستقبلي ومستقبل آدم من غير ما أعتمد على وعود أي حد.
آدم رجع يعيش معايا في استقرار، وبقى يروح لأبوه في المواعيد المتفق عليها، بعيدًا عن مشاكل الكبار.
أما محمود، ففضل عايش مع أمه فترة، وبدأ يسدد ديونه على قد ما يقدر، بعد ما اضطر يواجه نتائج قراراته بدل ما يرميها على غيره.
ما رجعناش لبعض.
وما كانتش دي نهاية حزينة بالنسبة لي.
لأن مش كل نهاية جواز معناها إن الحياة انتهت، ومش كل بيت اتفكّ معناه إن صاحبة البيت خسرت.
في يوم الجمعة، بعد سنة بالظبط من اليوم اللي زقّ فيه محمود طبقي قدام أمه، كنت في المطبخ بجهز صينية بطاطس بالفراخ.
آدم كان قاعد على السفرة بيرسم، ولما شافني بحط الأطباق، جري ناحيتي وقال
ماما، أنا جعان أوي! هو الأكل خلص؟
ضحكت وأنا بحط قدامه طبقه.
أهو يا سيدي، اتفضل. بس استنى لما نقعد كلنا سوا.
بصلي ببراءة وقال
هو الأكل مش بيتاكل غير لما كل الناس تقعد؟
وقفت لحظة، وبعدين نزلت لمستواه وبوست راسه.
لأ يا حبيبي. بس أحلى حاجة إن الواحد ياكل مع الناس اللي بتحبه وبتحترمه.
قعدنا أنا وهو على السفرة، وبدأنا ناكل ونضحك، وهو بيحكيلي عن المدرسة وعن صاحبه اللي وقع في الفسحة.
وفي نص الكلام، رن موبايلي برسالة من رقم محمود.
عيد ميلاد آدم الأسبوع الجاي. ينفع أجيبله هدية وأحتفل معاه؟
قريت الرسالة، وفكرت شوية، وبعدها رديت
طبعًا، اتفق معايا على معاد مناسب. المهم آدم يفضل بعيد عن أي خلاف بينا.
حطيت الموبايل على جنب، وكملت أكلي.
ما كانش عندي رغبة أثبت لمحمود إني بقيت أقوى، ولا إني بقيت أنجح منه، ولا إني قدرت أعيش من غيره.
أنا كنت خلاص بطلت أعيش عشان أثبتله أي حاجة.
وبعد الغدا، آدم ساعدني ألمّ الأطباق، وبعدين وقف فجأة وسألني
ماما، إنتِ ليه زمان كنتِ بتزعلي لما بابا يزعقلك؟
بصيتله، وحاولت أختار كلام يناسب سنه.
عشان كنت بحبه يا حبيبي، وكنت فاكرة إن الحب معناه إننا نستحمل
أي حاجة. بس اتعلمت إن الحب الحقيقي لازم يكون فيه احترام وأمان، وإن محدش من حقه يجرحنا عشان يثبت إنه أقوى مننا.
فكر شوية، وبعدين حضني.
أنا بحبك يا ماما.
حضنته بقوة، وحسيت إن كل اللي فات، بكل وجعه وخوفه، ما قدرش ياخد مني أهم حاجة في الدنيا قدرتي إني أبدأ من جديد.
وبالليل، وأنا بقفل نور المطبخ، عيني وقعت على السفرة.
افتكرت الطبق اللي محمود زقّه من قدامي، والضحكة اللي ضحكتها أمه، واللحظة اللي كنت فاكرة فيها إن كرامتي انتهت.
لكن الحقيقة إن دي كانت اللحظة اللي بدأت فيها أسترد نفسي.
محمود افتكر إن الفلوس هتخليه يقدر يتحكم فيا، وإن أمه هتفضل دايمًا في صفه مهما عمل. لكنه اكتشف متأخر إن اللي بيبني حياته على إذلال غيره، ممكن يخسر كل حاجة وهو فاكر إنه كسبان.
أما أنا، فما انتقمتش منه، وما حاولتش أدمّره.
أنا بس وقفت أسمحله يدمّرني.
ورجعت أعيش في بيتي، على سفرتي، بفلوسي وتَعبي وكرامتي.
ومن يومها، بقى عندي مبدأ واحد ما بتنازلش عنه
اللي يحرمك من مكانك على السفرة، عشان يحس إنه صاحب الفضل عليك، ما يستاهلش إنك تفضلي طول عمرك واقفة مستنياه يسمحلك تقعدي.

تم نسخ الرابط