الجزمه الحمرا
المرفقة بتدعمه. ومش هنصدر أي حكم نهائي قبل استكمال التحقيق.
شريف بص لآدم بغضب.
إنت هتضيع اسم العيلة كلها عشان ست اتعرفت عليها من كام أسبوع؟!
آدم وقف، وبص له مباشرة.
لأ. أنا بحاول أحمي اسم العيلة من الناس اللي استغلت الاسم ده عشان تسرق وتكذب وتؤذي غيرها.
شريف حاول يخرج من القاعة، لكن ممثلي الجهات المختصة طلبوا منه البقاء لاستكمال الإجراءات.
ومع استمرار التحقيقات، اتوقفت صلاحياته الإدارية، واتحالت المستندات للجهات المعنية، وبدأت مراجعة مستقلة لكل حسابات الشركة.
وفي الأيام اللي بعدها، اتأكدت مخالفات مالية كبيرة، واتخذت الإجراءات القانونية ضد المتورطين.
لكن بالنسبة لآدم، أهم انتصار مكنش إنه كسب معركة في مجلس الإدارة.
كان إنه أخيرًا وقف قدام الحقيقة، بدل ما يهرب منها بالشغل أو الصمت.
٨. مريم قالت الكلمة اللي غيرت كل حاجة
بعد انتهاء الأزمة، آدم جه المخبز.
كان واقف قدام الكاونتر، لابس قميص بسيط، ومن غير الحراسة اللي كنت بشوفها معاه في المناسبات الكبيرة.
مريم أول ما شافته، جريت عليه.
عمو آدم!
نزل على ركبته .
وحشتيني يا مريومة.
بصت له بعتاب طفولي.
إنت زعلت مني؟
عينيه اتملت دموع.
أزعل منك إنتِ؟ ده أنا اللي آسف إني غبت عنك.
مريم سكتت لحظة، وبعدين قالت
أنا كنت فاكرة إنك مش عايز تيجي تاني عشان أنا قلت لك بابا وإنت كنت نايم.
آدم بص لها، وبعدين بصلي.
أنا كنت واقفة ورا الكاونتر، ودموعي بتنزل من غير ما أحس.
آدم مسك إيديها الصغيرتين وقال
بصي يا مريم، أنا مش زعلان منك أبدًا. وإنتِ تقدري تناديني بالاسم اللي يريح قلبك. بس فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها أنا مش هقدر أكون مكان باباكي الحقيقي، ولا هطلب منك تنسيه. لكن لو مامتك وافقت، أنا نفسي أكون الراجل اللي يقف جنبك، ويساعدك، ويفرح لنجاحك، ويكون موجود لما تحتاجيه.
مريم فضلت باصة له شوية.
وبعدين سألته
يعني هتيجي حفلات المدرسة بتاعتي حتى لما أكبر؟
ضحك وهو بيمسح دموعه.
حتى لو بقيتي بتصممي فساتين وبتلبسي الناس كلها من تصميماتك، هاجي أقعد في أول صف.
وبعدين همست في ودنه
طب ينفع أناديك بابا آدم؟
آدم مغمض عينيه، كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
ينفع يا حبيبتي. لو ده اللي إنتِ عايزاه.
أنا كنت واقفة بتفرج عليهم، وعارفة إن الحب الحقيقي مش بيظهر في الهدايا الغالية ولا العربيات الفخمة.
بيظهر في الراجل اللي يفضل موجود، حتى لما الدنيا تبقى صعبة.
٩. القرار اللي رفضت آخده بالنيابة عن بنتي
بعد الأزمة، آدم عرض عليّ إني أسيب الشغل وأفتح مخبز كبير باسمي.
لكنه المرة دي مبدأش بالفلوس، ولا جهز لي مشروع من ورايا.
قعد معايا على ترابيزة صغيرة في المخبز وقال
أنا عندي فكرة، بس عايز أسمع رأيك الأول.
ابتسمت.
اتفضل يا باشمهندس.
قال
إنتِ شاطرة في شغلك، وعندك وصفات مميزة، وعارفة تتعاملي مع الناس. إيه رأيك نعمل مخبز وحلويات باسمك، وأنا أكون شريك بتمويل واضح وعقد يحفظ حقك كامل؟ ولو مش حابة، مش هيتغير أي شيء بيننا.
فكرت شوية.
أنا كنت بحلم من سنين إن يبقى عندي مكان خاص بيا، لكن كنت خايفة إن الفلوس تخليني أفقد استقلالي، أو أحس إني مجرد ست عايشة على ثروة الراجل اللي بتحبه.
فقلت له
أنا موافقة أبدأ مشروعي، لكن عايزة كل حاجة تكون واضحة. حصتي، وحقوقي، وإدارتي للمكان. ومش عايزة حد يقول بعد كده إن كل اللي وصلت له كان عشان اتجوزت راجل غني.
ابتسم وقال
وده بالظبط اللي أنا عايزه. أنا مش عايز أشتري حلمك، أنا عايز أساعدك تحققيه بإيدك.
اتفقنا مع محاسب ومحامي مستقلين، واتكتب عقد شراكة واضح، فيه حقي في الإدارة ونسبتي في الأرباح، من غير أي شروط تربط نجاح المشروع بجوازنا.
وبعد شهور من الشغل والتجهيز، افتتحنا مخبز وحلويات صغير في مصر الجديدة.
سميناه حكاية مريم.
وعلّقنا في الواجهة لوحة صغيرة عليها رسمة جزمة حمرا، بنفس التصميم اللي مريم رسمته على ضهر الإيصال يوم ما قابلنا آدم لأول مرة.
أما مريم، فخصصنا لها ركنًا صغيرًا فيه مكتب وألوان وكراسات، عشان ترسم تصميماتها براحتها.
وفي يوم الافتتاح، أم آدم جات بنفسها.
كانت شايلة علبة هدايا صغيرة، ولما فتحتها مريم، لقت جواها دفتر تصميمات فاخر، وأقلام رسم احترافية، ومعاهم جواب مكتوب بخط إيدها.
إلى مريم، مصممة المستقبل. أتمنى في يوم من الأيام أشوف فساتينك في أكبر عروض الأزياء، وأفتكر إن أول تصميماتك بدأت من رسمة صغيرة على ضهر إيصال.
مريم جريت .
وأنا وقفت أتفرج عليهم، وقلبي مرتاح شوية.
العلاقة بيني وبين أم آدم متصلحتش في يوم وليلة، لكنها بدأت تتبني من جديد، على مهل، وبحدود واضحة.
ولأول مرة، حسيت إن مريم ممكن يكون ليها عيلة أكبر مننا إحنا الاتنين، من غير ما تضطر تتنازل عن كرامتها أو تحس إنها أقل من حد.
١٠. بعد سنة المفاجأة اللي رجعتني لأول يوم
عدت سنة كاملة.
المخبز نجح، وبقينا بنورد الحلويات لكذا كافيه وفندق، وأنا قدرت أجيب شقة صغيرة ملك ليا ولمريم، بقسط مناسب من أرباح مشروعي.
مريم كبرت سنة، لكن حبها للرسم كبر أضعاف.
وفي يوم، رجعت من المدرسة وهي مخبية حاجة ورا ضهرها.
ماما، عايزاكي تقفلي عينيكي.
ضحكت ونفذت كلامها.
سمعتها بتفتح كيس ورق، وبعدين قالت
افتحي!
فتحت عيني، ولقيتها واقفة قدامي بفستان صغير أحمر، هي اللي صممته بنفسها، وساعدتها خياطة شاطرة تنفذ التصميم تحت إشرافها.
كان عليه فيونكة ستان حمرا ومشبك صغير على شكل نجمة.
نفس تفاصيل الجزمة اللي شافتها في الفاترينة أول مرة.
حطت الفستان في إيدي وقالت
ده أول تصميم حقيقي ليا. سميته حلم ماما.
حسيت إن دموعي هتنزل.
ليه حلم ماما يا حبيبتي؟
ردت ببساطة
عشان يوم ما شفتي الجزمة وقلتي لي مش النهارده، أنا زعلت شوية. بس إنتِ مسكتي إيدي ومخليتنيش أحس إني أقل من حد. وبعدها قابلنا عمو آدم، وكل حاجة بدأت تتغير.
إنتِ عارفة إنك أحلى حاجة حصلت لي في حياتي؟
هزت راسها وهي بتضحك.
عارفة يا ماما.
في نفس اللحظة، آدم دخل المخبز، وكان سامع آخر جزء من كلامنا.
مريم جريت عليه وورته الفستان.
آدم فضل يتأمل التصميم، وبعدين قال
ده مش مجرد فستان يا مريم. دي حكاية كاملة.
وبصلي.
حكاية بدأت من يوم ما أم شاطرة رفضت إنها تبيع كرامتها بمليون جنيه، وقررت تفضل واقفة على رجليها مهما كانت الظروف.
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
وإنت بقى، مش هتفضل واقف تتكلم؟ ولا هتطلب إيدي رسمي زي الناس؟
آدم اتفاجئ، وبعدين ضحك من قلبه.
هو أنا لسه مأخدتش الموافقة؟
قلت له وأنا بمد إيدي
موافقة يا آدم.
وبعد شهور، اتجوزنا في حفل بسيط وسط أهلنا وأصحابنا، من غير مظاهر مبالغ فيها ولا استعراض للفلوس.
مريم كانت لابسة فستان من تصميمها، وماسكة باقة ورد صغيرة، وواقفة بيننا وهي بتضحك.
وأم آدم كانت قاعدة في أول صف، ودموع الفرحة في عينيها.
أما طنط فايزة، فكانت بتوزع على الضيوف قطع الحلوى اللي عملتها بنفسها، وكل شوية تقول لأي حد يقابلها
أنا من زمان كنت عارفة إن البنت دي هيبقى لها مستقبل!
النهاية الجزمة الحمرا فضلت في الفاترينة لكن الحلم خرج منها
بعد سنتين، افتتحنا فرعًا جديدًا من حكاية مريم، وخصصنا جزءًا من أرباحه لدعم ورش تدريب مجانية للبنات الصغيرين اللي بيحبوا التصميم والرسم، لكن ظروفهم المادية مش سامحة لهم يشتروا أدوات أو يتعلموا.
مريم كانت لسه صغيرة، لكنها بقت تشارك في اختيار الأنشطة، وتصر إن كل بنت تدخل الورشة تاخد كراسة وألوان هدية.
وفي يوم افتتاح الورشة الأولى، وقفنا قدام لوحة كبيرة مكتوب عليها
مش كل حلم محتاج فلوس عشان يبدأ ساعات محتاج حد يمسك إيدك ويقولك ابدئي.
آدم كان واقف جنبي، ومريم في النص، وأم آدم وراها بتصورها بالموبايل.
بصيت لبنتي، وافتكرت اليوم اللي كانت فيه لازقة بوشها في إزاز المحل، وبتبص للجزمة الحمرا اللي تمنها كان أكبر من قدرتي على الشراء.
افتكرت الإيصال القديم، والرسمة الصغيرة، والخوف اللي كان جوايا من إني مقدرش أوفر لها كل حاجة.
وفهمت إن اللحظة دي مكنتش مجرد بداية قصة حب.
كانت بداية حياة جديدة لينا كلنا.
آدم مد إيده ومسك إيدي.
سرحانة في إيه؟
ابتسمت وقلت له
فاكر أول مرة اتقابلنا؟
ضحك.
فاكر إن بنتك رسمت الجزمة أحلى من المصمم بتاعها.
بصيت لمريم، اللي كانت بتشرح لبنت صغيرة إزاي ترسم فستانها الأول.
أنا وقتها كنت فاكرة إن أكبر مشكلة في حياتي إني مش قادرة أشتري لبنتي جزمة تمنها ٣٨٠٠ جنيه.
سكت لحظة، وبعدين كملت
مكنتش أعرف إن الحياة هتديني حاجة أغلى بكتير من الجزمة، وأغلى حتى من الفلوس.
آدم سألني
إيه هي؟
ابتسمت وأنا ببص لبنتي.
إن بنتي تكبر وهي عارفة إن قيمتها مش في الحاجة اللي لابساها، ولا في الفلوس اللي في جيبها. قيمتها في قلبها، وفي عقلها، وفي إنها متسمحش لحد يقلل منها أبدًا.
وفي آخر اليوم، رجعنا البيت.
مريم فتحت درج مكتبها، وطلعت الإيصال القديم اللي رسمت عليه الجزمة أول مرة.
كانت محتفظة بيه طول السنين.
حطته في إطار صغير، وعلّقته فوق مكتب الرسم بتاعها، جنب أول تصميم حقيقي نفذته.
وتحت الرسمة كتبت بخط إيدها
في يوم، مكنتش قادرة أشتري الحلم فرسمته. وبعدها اتعلمت إني أقدر أبنيه بإيدي.
ودي كانت الحقيقة اللي فضلت معانا طول العمر.
لأن آدم مكنش بطل الحكاية عشان كان مليونير، ولا عشان اشترى لمريم جزمة غالية. كان بطلها لأنه شاف إنسانة وطفلة من غير ما يبص لفلوسهم، ولأنه اختار يفضل موجود وقت ما وجوده كان أهم من أي هدية.
وأنا مكنتش بطلة الحكاية عشان رفضت مليون جنيه.
كنت بطلتها لأني فهمت إن الفقر مش عيب، وإن الاحتياج مش معناه إن كرامتك للبيع، وإن من حق أي أم تحلم لبنتها بحياة أحسن من غير ما تضطر تنحني لحد.
أما مريم، فكبرت وهي عارفة إن الجزمة الحمرا كانت مجرد بداية.
وإن أجمل الحاجات في الدنيا مش دايمًا بنشتريها بالفلوس
ساعات بنوصل لها بالصبر، وبالكرامة، وبناس لما يدخلوا حياتنا، مبيكتفوش إنهم يغيروا يومنا لكن بيساعدونا نغير مستقبلنا كله.
تمت.