الجزمه الحمرا
ويشجعها كل ما تحس إن تصميماتها مش حلوة.
وكان دايمًا يحترم إني بشتغل وبعتمد على نفسي، وعمره ما حاول يخليني أحس إني أقل منه.
لكن اللحظة اللي غيرت كل حاجة حصلت في حفلة المدرسة.
مريم كانت مشاركة في عرض صغير، وآدم كان عنده اجتماع مهم جدًا في نفس المعاد.
لما قلت له إن مريم نفسها يكون موجود، رد عليا ببساطة
الاجتماع ممكن يتأجل، إنما اللحظة دي مش هتتكرر.
وفعلًا، لغى الاجتماع وجاء المدرسة.
قعد في أول صف على كرسي بلاستيك صغير، ورجليه الطويلة بالعافية كانت داخلة تحته.
ولما مريم طلعت على المسرح وشافته، وشها نور، وابتسامتها كانت أكبر من المسرح نفسه.
بعد الحفلة، فضلت تحكيله عن كل تفصيلة حصلت، وهو كان بيسمع لها كأن مفيش حاجة في الدنيا أهم من كلامها.
وفي طريق الرجوع، نامت مريم على كتفه من كتر التعب.
كنت هصحيها عشان نطلع من العربية، لكن سمعتها بتهمس وهي نايمة
بابا...
اتجمدت مكاني.
آدم سمعها هو كمان.
بصلي، وأنا بصيت له.
ولا واحد فينا عرف يقول كلمة.
لكن من جوايا، كنت عارفة إن الكلمة دي مش مجرد كلمة قالتها طفلة وهي نايمة.
دي كانت علامة إن مريم بدأت تتعلق بآدم بطريقة أكبر من مجرد راجل بيخرج معاها ويجيبلها هدايا.
بدأت تشوف فيه الأب اللي غاب عنها من وهي صغيرة.
والحقيقة إن جزءًا مني كان نفسه يصدق إننا أخيرًا لقينا الشخص اللي ممكن يكون لينا بيت معاه، مش مجرد سقف ننام تحته.
لكن تاني يوم الصبح، وأنا بجهز مريم للمدرسة، موبايلي رن برسالة من رقم غريب.
فتحتها، ولقيت مكتوب
الأستاذة ندى، السيدة ليلى الشناوي ترغب في مقابلتك. من فضلك، الحضور بمفردك.
فضلت باصة للرسالة وأنا حاسة إن قلبي بدأ يدق بسرعة.
مين ليلى الشناوي؟
وليه عايزاني أقابلها لوحدي؟
وبعدين افتكرت اسم عيلة آدم.
الشناوي.
هل دي أخته؟ ولا قريبته؟ ولا حد من عيلته اللي لسه مكنتش أعرف عنهم حاجة؟
وفجأة، فهمت إن فيه عالم كامل في حياة آدم أنا لسه مدخلتوش.
عالم فيه فلوس ونفوذ وعيلة ممكن تكون شايفاني مجرد ست بسيطة شغالة في مخبز، وبتحاول تقرب من راجل أغنى منها بمراحل.
مسكت الموبايل وكنت على وشك أرد، لكن رسالة تانية وصلت بعدها بثواني.
الموضوع يخص مستقبل حضرتك ومستقبل بنتك، والأفضل إن المقابلة تحصل قبل ما علاقتك بابني تتطور أكتر من كده.
ابني؟!
فضلت باصة للكلمة دي كأنها صفعة.
ليلى الشناوي مش مجرد قريبة لآدم.
دي أمه!
وفي اللحظة دي، أدركت إن أصعب جزء في الحكاية لسه مبدأش.
لأن اللي جاي مكنش مجرد اختبار لحبي لآدم، لكنه كان اختبار لكرامتي، ولمستقبل بنتي، ولقدرتي إني أحمي البيت الصغير اللي بنيته بتعبي من أي حد يفتكر إن الفلوس بتديله الحق يقرر مين يستاهل يعيش جواه ومين لأ.
الجزء التاني والأخير المليونير اللي اختار بنت الفران والسر اللي قلب عيلته كلها!
الساعة كانت عشرة الصبح، وأنا قاعدة في المخبز قدام التليفون، بقرا رسالة أم آدم للمرة العاشرة.
الموضوع يخص مستقبل حضرتك ومستقبل بنتك، والأفضل إن المقابلة تحصل قبل ما علاقتك بابني تتطور أكتر من كده.
كل كلمة كانت بتخبط في قلبي.
أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي في وقت من الأوقات. كنت عارفة إن آدم مش مجرد راجل غني، وإن حياته مليانة ناس ممكن يبصوا ليّ باعتباري واحدة من عالم مختلف تمامًا عن عالمهم.
بس عمري ما تخيلت إن أمه هتطلب تشوفني بالطريقة دي.
مسكت الموبايل، ورديت عليها
حضرتك اختاري المكان والميعاد، وأنا هكون موجودة.
الرد وصل بعد دقيقتين.
الساعة ٤ عصرًا. فندق نايل ريتز. اسألي عني في الاستقبال.
قفلت الموبايل، وفضلت واقفة مكاني شوية.
طنط فايزة، جارتنا اللي كانت بتساعدني في تربية مريم، دخلت المخبز ولقَتني سرحانة.
بصت في وشي وقالت
مالك يا ندى؟ وشك اتغير ليه؟
حكيت لها كل حاجة.
سمعتني للآخر، وبعدين قالت
بصي يا بنتي، أنا مش هقولك إن الناس الأغنيا كلهم وحشين، ولا هقولك إن أم الراجل اللي بتحبيه لازم تكون بتحبك. أنا هقولك حاجة واحدة بس إنتِ رايحة تقابليها عشان تسمعي هي عايزة إيه، مش عشان تستأذنيها إنك تكوني سعيدة.
الكلام ده ثبتني شوية.
لبست الفستان الكحلي الوحيد اللي عندي، ولميت شعري، وروحت المقابلة.
١. عرض بمليون جنيه!
لما وصلت الفندق، موظف الاستقبال أخدني لقاعة خاصة مطلة على النيل.
كانت أم آدم قاعدة على ترابيزة كبيرة، قدامها فنجان قهوة، وشنطة جلد غالية جنبها.
ست في أوائل الستينات، أنيقة جدًا، وشعرها مصفف بعناية. ملامحها كانت هادية، لكن نظرتها كانت كفاية تخلي أي حد يتوتر.
أول ما شافتني، أشارت للكرسي اللي قدامها.
اتفضلي يا ندى.
قعدت، وحطيت
شنطتي الصغيرة على رجلي.
بدأت كلامها من غير مقدمات
أنا عارفة إنك ست كفاح، وإنك ربيتي بنتك لوحدك. وعارفة إنك شغالة في مخبز، وإن ظروفك المادية مش سهلة.
كنت مستنية إنها تكمل، لكنها سكتت لحظة، وبعدين فتحت شنطتها وطلعت ظرف أبيض.
حطته قدامي.
جوا الظرف ده مليون جنيه. المبلغ ده كفاية إنك تفتحي مخبز باسمك، وتشتري شقة صغيرة ليكي ولبنتك، وتبدئي حياة جديدة بعيد عن آدم.
بصيت للظرف، وبعدين رفعت عيني لها.
بعيد عن ابن حضرتك؟
ردت ببرود
آدم راجل محترم، لكنه عاطفي زيادة عن اللزوم من بعد وفاة مراته. إنتِ دخلتي حياته في وقت كان محتاج فيه يحس إنه لسه قادر يحب ويتحب. لكن ده مش معناه إن علاقتكم مناسبة.
حسيت بحرارة في وشي، لكن تماسكت.
حضرتك تعرفيني من إمتى عشان تحكمي إذا كنت مناسبة لابنك ولا لأ؟
ملامحها اتغيرت.
أنا أم آدم، ومن حقي أخاف على مستقبله.
وأنا أم مريم، ومن حقي أخاف على كرامتي ومستقبل بنتي.
زقيت الظرف ناحيتها.
أنا مش هقبل فلوس مقابل إني أختفي من حياة ابن حضرتك. لو آدم مش عايزني، هو يقدر يقول لي بنفسه، وأنا هحترم قراره. لكن محدش يقدر يشتري سكوتي عن إهانتي.
قمت من مكاني، لكن قبل ما أمشي، قالت جملة وقفتني.
إنتِ فاكرة إن الموضوع مجرد فلوس؟ لو آدم اتجوزك، هتدخلي عيلة فيها شركات وشركاء وميراث. فيه ناس مش هتسيبك تعيشي في سلام، ومش هتسيب بنتك في حالها. أنا بحاول أحميكي من حاجة إنتِ مش فاهمها.
لفيت وبصيت لها.
لأول مرة، شفت في عينيها حاجة غير التعالي.
كان فيه خوف.
طب ما توضحيلي يا هانم. إيه اللي إنتِ خايفة منه بالظبط؟
لكنها قفلت شنطتها وقالت
مش كل حاجة ينفع تتحكي دلوقتي.
خرجت من الفندق وأنا رافضة الفلوس، لكن الأسئلة فضلت بتطاردني.
ليه أم آدم خايفة بالشكل ده؟
وإيه اللي ممكن يحصل لو علاقتنا كملت؟
٢. المكالمة اللي كشفت أول خيط
رجعت البيت، ولقيت مريم قاعدة على الأرض بترسم فستان طويل، وعاملة حواليها كراسات وألوان.
أول ما شافتني، جريت عليّ.
ماما! بصي، ده فستان الأميرات اللي هصممه لما أكبر!
هيبقى أحلى فستان في الدنيا يا قلب ماما.
لكن بالليل، وأنا بحاول أنام، موبايلي رن.
كان آدم.
رديت، فسمعت صوته متوترًا
ندى، إنتِ قابلتي أمي النهارده؟
سكت لحظة.
أيوه.
قالت لك إيه؟
كنت أقدر أحكيله كل حاجة، لكني قررت أسأله الأول
قبل ما أجاوبك، عايزة أعرف حاجة. هل علاقتنا بالنسبة لك مجرد فترة بتعدي بيها بعد وفاة مراتك؟
رد بسرعة
إنتِ بتقولي إيه؟!
أنا محتاجة إجابة صريحة يا آدم. مش عايزة أكون الشخص اللي بتستخبى وراه من حزنك، ولا عايزة بنتي تتعلق بيك وبعدين تكتشف إنك كنت بتدور على حد يملأ فراغ حياتك.
سمعت نفسًا طويلًا من الناحية التانية.
وبعدين قال
أنا حبيتك يا ندى. ومش هطلب منك تصدقي كلامي لمجرد إني قلته. أنا هثبت لك ده بأفعالي. لكن أمي قابلتك، صح؟
حكيت له عن الظرف والمليون جنيه.
سكت تمامًا.
وبعدين قال بصوت عمري ما سمعته منه قبل كده
أنا آسف. أمي معندهاش أي حق تعمل كده.
آدم، أنا مش عايزة أكون سبب في إنك تخسر أمك.
وإنتِ مش سبب في أي حاجة. فيه حاجات لازم أواجهها بنفسي من زمان، وأنا أجلتها أكتر من اللازم.
وقبل ما يقفل، قال
بكرة هاجي لك. ومش هسيبك تواجهّي أي حاجة لوحدك.
لكن تاني يوم، آدم مجاش.
بدل ما ييجي، لقيت اسمه بيتصدر الأخبار الاقتصادية على الموبايل.
خلاف داخل مجموعة الشناوي العقارية بعد اعتراض أحد كبار المساهمين على تغييرات إدارية مرتقبة.
وبعد الخبر بدقايق، وصلتني رسالة من رقم مجهول
لو بتحبي آدم بجد، ابعدي عنه قبل ما تخسريه.
قلبي انقبض.
كنت هتجاهل الرسالة، لكن بعدها وصلني مقطع فيديو قصير.
كان فيه آدم داخل مبنى الشركة، ومعاه ست شابة، وبعدها دخلوا مكتب مقفول.
وتحت الفيديو مكتوب
الوريثة الجديدة لمجموعة الشناوي تعود للمشهد فهل انتهت علاقة رجل الأعمال بخطيبته الجديدة؟
خطيبة جديدة؟!
فضلت أعيد الفيديو وأقرأ الكلام.
أنا عمري ما سمعت عن خطيبة جديدة، ولا عن أي ست بالشكل ده.
اتصلت بآدم.
تليفونه كان مقفول.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته، حسيت إن فيه حاجز كبير اتبنى بيننا من غير ما أفهم سببه.
٣. البنت اللي ظهرت من الماضي
بعد يومين، وأنا في المخبز، دخلت عليّ ست في أوائل التلاتينات.
كانت لابسة بدلة رسمية، وماسكة ملف أسود.
بصت لي وقالت
حضرتك ندى؟
أيوه، اتفضلي.
مدت إيدها.
أنا سلمى منصور، المحامية الخاصة بمجموعة الشناوي.
قلبي دق بسرعة.
خير؟ آدم كويس؟
أستاذ آدم بخير، لكن فيه مشكلة كبيرة بتحصل داخل الشركة. وأنا محتاجة أتكلم معاكي في موضوع يخصه.
دخلنا المكتب الصغير اللي ورا المخبز.
فتحت الملف وطلعت صورة للست اللي ظهرت مع آدم في الفيديو.
دي داليا الشناوي، بنت عم أستاذ آدم. وهي مش خطيبته، زي ما المواقع كتبت.
تنفست براحة، لكن سلمى كملت
داليا رجعت مصر من أسبوعين، وبتحاول تستحوذ على جزء كبير من أسهم الشركة عن طريق اتفاق قديم مع عمها، والد آدم.
وإيه علاقتي أنا بالموضوع؟
سلمى بصت لي بجدية.
علاقتك إن آدم قرر من فترة يغيّر طريقة إدارة الشركة، ويوقف مشروع عقاري ضخم كان شغال عليه ابن عمه. المشروع ده فيه مخالفات مالية خطيرة، وفيه ناس مستفيدة من استمرار الوضع