الجزمه الحمرا

لمحة نيوز

مش النهارده يا حبيبتي قلتها لبنتي قدام جزمة حمرا تمنها ٣٨٠٠ جنيه، بعد ما أبوها سابنا ومشي، وبقيت بالعافية عارفة أدفع الإيجار. بنتي ما عيطتش ولا زنّت طلعت قلم من شنطتها وبدأت ترسم الجزمة على ضهر إيصال قديم. مسكت إيدها ومكنتش أعرف إن المليونير اللي واقف ورانا سمع كل كلمة!
كانت بنتي مريم لازقة بوشها في إزاز واجهة محل أحذية غالي في مول في التجمع الخامس، وعينيها متعلقة بزوج جزم حمرا صغيرة.
كان شكلهم يجنن! لونهم أحمر لامع، وعليهم فيونكة من الستان، ومشبك دهبي على شكل نجمة.
بس تمنهم كان ٣٨٠٠ جنيه!
وأنا كنت بالعافية بجيب تمن الأكل والإيجار ومصاريف المدرسة.
نزلت لمستوى بنتي، وحاوطت كتافها بإيديا وقلت لها بحنان
مش النهارده يا حبيبتي.
مريم ما عيطتش، ولا حتى فضلت تبصلي وتطلب مني أشتريهالها.
بالعكس، فتحت شنطتها الصغيرة، وطلعت قلم رصاص قصير، وقلبت إيصال قديم على ضهره، وبدأت ترسم الجزمة بكل تفاصيلها، كأنها بتحاول تحتفظ بيها في ذاكرتها عشان متنسهاش.
على بُعد كام خطوة مننا، كان فيه راجل طويل لابس بالطو رمادي، وقف مكانه فجأة وهو بيتفرج علينا.
مكنتش أعرف إن اللحظة البسيطة دي هتغيّر حياتنا إحنا التلاتة.
كان عندي ٢٩ سنة، وبشتغل من الساعة خمسة الصبح في مخبز صغير في مصر الجديدة. كنت بصحى قبل الفجر عشان أعجن وأخبز الفينو والقرص والباتيه، وأجهز التورتات اللي الناس بتطلبها في أعياد ميلاد أولادها، واللي عمري ما كنت أقدر أعمل لبنتي زيها.
أبو مريم سابنا وهي عندها سنتين.
في يوم، وقف قدامي وقال إنه محتاج يبعد شوية عشان يفكر في حياته.
لم هدومه في شنطة، ومشي.
ومن اليوم ده، لا رجع ولا حتى سأل عليها.
اتعلمت بعدها إني مبقاش مستنية حد ينقذني، ولا أعلّق حياتي على أمل إن حد يرجع يصلّح اللي بوّظه.
أنا وبنتي كنا لبعض.
مريم كان عندها ست سنين، شعرها أسود طويل، وعينيها فيهم براءة ممزوجة بجدية غريبة على طفلة في سنها.
وكان عندها موهبة عجيبة في الرسم.
ترسم فساتين على المناديل، وعلى ضهر الإيصالات، وعلى الكراتين الفاضية، وحتى على ورق الكراسات القديمة.
كل ما تلاقي أي ورقة، كانت تحوّلها لتصميم جديد.
وكانت عندنا عادة بنعملها كل سنة في ديسمبر.
ناخد المترو، وننزل نتمشى وسط زينة الشوارع في القاهرة، وبعدين نروح نتفرج على شجرة الكريسماس الكبيرة في واحد من المولات الفخمة.
مكناش بنشتري حاجة.
كنا بنكتفي بنص ساعة نتفرج فيها على المحلات اللامعة، والهدوم الغالية، والديكورات اللي شبه اللي بنشوفها في الأفلام.
نص ساعة بس، نعيش فيها إحساس إن المكان ده ممكن يكون لينا إحنا كمان.
في اليوم ده، وإحنا داخلين المول، كنا قربنا نخبط في نفس الراجل اللي كان واقف قدامنا.
قلت بسرعة وأنا برجع خطوة لورا
معلش، حقك عليّا!
هو رجع لورا وفتح لنا الباب بإيده.
اتفضلوا، حضرتك الأول.
مريم عملت انحناءة صغيرة بإيديها، زي الأميرات اللي بترسمهم في كراستها.
الراجل ضحك من قلبه.
وبعد شوية، لقيناه تاني واقف قدام محل الجزم الحمرا.
ابتسم وقال
أهو إحنا قابلنا بعض للمرة التانية! واضح إن الأبواب الدوّارة دي مصممة تجمعنا. أنا اسمي آدم الشناوي.
قلت له
تشرفنا، أنا ندى، ودي بنتي مريم.
مريم رفعت الإيصال اللي كانت بترسم عليه.
تحب تشوف الرسمة بتاعتي؟
آدم نزل على ركبته عشان يبقى في مستوى عينيها، وأخد يتأمل الرسمة بجدية، كأنه مهندس بيبص على تصميم مبنى كبير.
وبعدين قال لها
إيه الجمال ده! ده إنتِ رسمتي الفيونكة أحلى من اللي على الجزمة نفسها!
مريم ابتسمت ابتسامة خلت عينيها تلمع.
ساعتها آدم رفع عينه وبصلي.
الغريب إنه مبصش على الجاكت القديم اللي كنت لابساه، ولا على الجزمة اللي اتبهدلت من كتر المشاوير.
بص في عينيّ مباشرة، وقال
أنا كنت جاي أشتري هدية لوالدتي. كل سنة بجيب لها حاجة غالية، وفي الآخر بتحطها في الدولاب ومبتستخدمهاش. بس بنت حضرتك من شوية كانت بتبص للجزمة دي كأنها شايفة حلم عمرها قدامها.
حسيت إني اتوترت، ووقفت باستقامة.
حضرتك تقصد إيه؟
رفع إيده بهدوء وقال
متفهمينيش غلط، أنا مش قصدي أحرجك ولا أقلل منك. أنا بس عايز أسألك سؤال، ولو رفضتي فالموضوع انتهى. تسمحيلي أجيب الجزمة لبنتك هدية؟
أول رد جه في بالي كان الرفض.
أنا مش بحب أحس إني مدينة لحد بحاجة، ومش عايزة بنتي تكبر وهي فاكرة إن أي حاجة نفسها فيها لازم تستناها من الناس.
لكن آدم لا طلع محفظته، ولا نادى على البياع يتصرف كأن من حقه يقرر عننا.
هو بس استنى ردي.
بصيت لمريم، لقيتها حابسة نفسها، وعينيها بتتنقل بيني وبينه.
أخدت نفس طويل وقلت
ماشي، بس بشرط.
ابتسم باستغراب.
شرط إيه؟
بكرة يوم أجازتي، وأنا بعمل تورتات حلوة جدًا. هعمل لحضرتك تورتة مخصوص لوالدتك، وتاخدها مني. كده تبقى هدية مقابل هدية، مش أكتر.
ابتسامته وسعت.
اتفقنا يا أستاذة ندى.
وبعد دقايق، كان آدم الشناوي، الراجل اللي عرفت بعد كده إنه من أغنى رجال الأعمال في مصر، راكع على أرضية المحل الرخام، وبيساعد بنتي تلبس الجزمة الحمرا ويقفل المشبك الدهبي بنفسه.
مريم مشت تلات خطوات.
وبعدين وقفت.
بصت لتحت، وفضلت تتأمل رجليها كأنها مش مصدقة إن الجزمة اللي رسمتها على ضهر إيصال بقت في رجليها فعلًا.
التعبير اللي ظهر على وشها ساعتها عمره ما فارق ذاكرتي.
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا، رغم كل اللي أخدته مننا، لسه ممكن تخبيلنا حاجة حلوة.
تاني يوم، الساعة ١١ الصبح، كنت واقفة في المخبز بجهز تورتة بالعسل والمكسرات على وصفة جدتي القديمة.
كنت مركزة في آخر لمسة، لما لقيت عربية مرسيدس سودا فخمة بتقف قدام المحل.
نزل منها آدم.
دخل المخبز ووقف في الطابور وسط الناس، مستني دوره عادي جدًا.
كان يقدر يطلب من أي حد يخلص له طلبه الأول، لكنه معملش كده.
ولما جه دوره، أخد التورتة ودفع تمنها، وبعدين دفع تمن القهوة والمخبوزات لكل الزباين اللي كانوا واقفين مستنيين.
الناس فضلت تبص لبعضها باستغراب، وهو اكتفى بابتسامة بسيطة.
وقبل ما يمشي، بصلي وقال
هو ينفع أشوفك تاني؟
مسحت إيديا في المريلة وقلت
يوم الأربعاء بخلص شغلي الساعة تلاتة.
وبصيت ناحية مريم اللي كانت قاعدة ورا الكاونتر بتلوّن في كراستها.
وهي عمرها ما ركبت زلاجات على الجليد قبل كده.
آدم بص لمريم، وبعدين رجع بصلي بابتسامة دافية.
يبقى الأربعاء يوم مميز.
يوم الأربعاء، رحنا سوا لحلبة تزلج مؤقتة كانوا عاملينها في ميدان كبير في القاهرة الجديدة.
آدم مسك إيد مريم وبدأ يعلمها تقف على الزلاجات من غير ما تقع.
وقعت مرة.
قام سندها.
وقعت تاني.
رجّعها تقف.
وقعت خمس مرات كاملة، وفي كل مرة كان بيمد إيده لها ويقول
يلا يا بطلة، المحاولة الجاية هتبقي أحسن!
وأنا كنت واقفة بعيد عند السور، ماسكة كوباية شوكولاتة سخنة، وبراقبهم.
وفجأة، اكتشفت حاجة خوفتني من نفسي.
أنا مكنتش شايفة راجل غني بيتسلى مع طفلة صغيرة.
كنت شايفة راجل سعيد بجد.
راجل مش محتاج يثبت لحد إنه غني، ولا محتاج يشتري إعجاب الناس بفلوسه.
كان مبسوط عشان طفلة صغيرة ضحكت من قلبها وهي بتحاول تقف على رجليها.
بعد ما خلصنا، آدم جاب لمريم كراسة رسم جديدة، ومعاها علبة ضخمة مليانة ألوان.
مدهالها وقال
دي عشان تبدأي أول مجموعة تصميمات ليكي.
مريم حضنت الكراسة لصدرها، وقالت بحماس
لما أكبر هبقى مصممة فساتين!
آدم ابتسم وسألها
وهتعملي فساتين لمين؟
ردت من غير ما تفكر
للبنات اللي بيقفوا قدام الفاترينات وبيبقوا نفسهم يشتروا الحاجات اللي جواها، بس مش معاهم فلوس.
ابتسامة آدم اختفت للحظة، وكأنه حس إن كلامها لمس حاجة جواه.
وبعدين قال بجدية
يبقى متستنيش لما تكبري. ابدئي من النهارده.
ومن اليوم ده، حياتنا بدأت تتغير واحدة واحدة.
في الأول كنا بنتقابل يوم الأربعاء.
بعدها بقينا نشوف بعض يوم السبت كمان.
وبعدين بقينا نتقابل في أي وقت نقدر نسرقه من زحمة الحياة والشغل.
آدم كان عنده ٣٨ سنة، وبيترأس واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في مصر.
كان اسمه معروف في عالم البيزنس، وبيتعامل مع رجال أعمال وشخصيات كبيرة، وقراراته كانت ممكن تحرك ملايين الجنيهات.
لكن رغم كل ده، كان عايش لوحده.
مراته ماتت من أربع سنين، ومن يومها حوّل شغله لسور عالي بيحتمي وراه من أي مشاعر جديدة.
وأنا كنت فاهمة النوع ده من السكوت كويس.
الفرق الوحيد إن هو بنى سوره بالملايين، وأنا بنيت سوري بالشغل والتعب والاعتماد على نفسي.
بعد فترة، عزمني على العشا في مطعم راقي، بإطلالة على النيل وأضواء القاهرة.
كنت هرفض الدعوة من الأساس، مش عشان مش عايزة أروح، لكن عشان مكنش عندي غير فستانين قدام شوية.
بس مريم كان ليها رأي تاني.
جارتنا طنط فايزة، اللي عندها ٧٢ سنة وكانت شغالة خياطة زمان، كان عندها فستان أخضر زمردي محتفظة بيه من سنين طويلة.
لما عرفت إني محتاجة فستان، طلعته من الدولاب وقالت
يا بنتي، هو إحنا هنفضل مستخبيين من الدنيا عشان معاناش فلوس؟ هاتي الفستان ده، وهنخليه يليق عليكي كأنك رايحة فرح بنتك!
قعدنا التلاتة نشتغل فيه.
طنط فايزة ظبطت المقاس، وأنا ساعدتها في الخياطة، ومريم أصرت تخيط فيونكة حمرا صغيرة عند الوسط.
ولما نزلت السلم ولقيت آدم واقف مستنيني جنب العربية، سكت فجأة وبطل كلام.
وقفت قدامه بتوتر.
مالك؟ في حاجة غلط؟
هز راسه وهو بيبتسم.
أبدًا.
وبعدين حط إيده على صدره وقال
أنا بس بحاول أفتكر أتنفس إزاي.
ضحكت رغم كسوفي، وركبت العربية.
الليلة دي، رقصنا على موسيقى هادية قدام أضواء القاهرة.
حكيت له عن أبو مريم، وعن اليوم اللي مشي فيه وسابني أواجه الدنيا لوحدي.
وهو حكى لي عن مراته، وعن الفراغ اللي سابته جواه بعد ما ماتت.
ولأول مرة، لا أنا حاولت أخبي وجعي، ولا هو حاول يمثل إنه نسي خسارته.
كنا اتنين عندهم جروح قديمة، وكل واحد فينا بدأ يفهم إن التاني مش بيحاول يستغل ضعفه، لكنه بيحاول يقرب منه بصدق.
ومع مرور الأسابيع، علاقتنا بقت أقرب.
آدم بدأ يبقى جزء من تفاصيل حياتنا الصغيرة.
يسأل مريم عن رسوماتها، ويفتكر أسماء الشخصيات اللي بتخترعها،

تم نسخ الرابط