ما تيجي الشغل

لمحة نيوز

غرامة التأخير، وخسرت جزءًا من أرباح العقد، لكنها حافظت على سمعتها مع المستشفيات لأنها أبلغت العميل بالمشكلة قبل التشغيل، وقدمت خطة تصحيح واضحة بدل ما تخاطر بإخفاء العيب.
وفي يوم، اتصل الدكتور عادل بمحمود.
عندي عرض ليك، لو حابب تسمعه.
محمود رد بحذر
اتفضل يا دكتور.
مجلس الإدارة قرر إنشاء إدارة مستقلة لسلامة الأنظمة والمراجعة الفنية. الإدارة الجديدة هيكون ليها حق وقف أي تشغيل لو فيه خطر مثبت، من غير ما قرارها يتعطل بسبب ضغط التسليم أو الحسابات التجارية. وإحنا شايفين إن خبرتك مناسبة لقيادة الفريق.
محمود سكت شوية.
كان ممكن يعتبر العرض فرصة للانتقام من شريف، أو طريقة يرجع بيها مكانته قدام الناس اللي شككت فيه.
لكن ده ماكانش اللي بيدور عليه.
سأل الدكتور عادل
هل الإدارة الجديدة هتقدر توقف التشغيل فعلًا، حتى لو القرار ده هيكلف الشركة ملايين؟
الدكتور عادل رد
أيوه. القرار ده اتكتب في اللائحة الجديدة، وأي اعتراض عليه لازم يتوثق ويتراجع من لجنة مستقلة. مفيش شخص واحد هيقدر يتجاوز تحذير فني موثق بمجرد إنه أعلى منصبًا.
محمود سأله
وهل الموظف اللي يبلّغ عن خطر هيبقى محمي من الضغط أو الانتقام الإداري؟
ده كمان اتضاف للائحة. أي شكوى من النوع ده هتروح مباشرة للجنة مستقلة، مش للمدير اللي الشكوى ضده.
محمود فكر طويلًا.
وبعدين قال
أنا موافق أدرس العرض، بشرط إن النظام ده يفضل موجود حتى لو أنا مشيت من الشركة في يوم من الأيام.
الدكتور عادل ضحك.
وده بالضبط السبب اللي خلانا نختارك.
بعد مراجعة الشروط، محمود وافق على المنصب الجديد، لكن طلب إنه يحتفظ بساعات عمل واضحة، وإمكانية تنظيم مواعيده بما يناسب مسؤوليته عن ليلى.
الشركة وافقت.
ولأول مرة، ما بقاش محمود مضطر يختار بين إنه يكون أب كويس، أو موظف ملتزم.
بقى عنده فرصة يعمل الاتنين.
9. النجمة الصغيرة رجعت مكانها
عدّى عيد الفطر، وجت السنة الدراسية الجديدة.
ليلى كانت كبرت شوية، وبدأت ترجع لحياتها الطبيعية، لكن النجمة الورقية فضلت موجودة في درج صغير جنب سريرها.
في يوم رجع محمود من الشغل، لقاها قاعدة على المكتب، وبتعمل نجمة جديدة.
قعد جنبها وسألها
بتعملي إيه يا ليلى؟
رفعت راسها بفخر.
نجمة جديدة ليك يا بابا. المرة دي هخليها أحسن من القديمة، عشان تبقى معاك في الشغل الجديد.
محمود ابتسم.
طب والنجمة القديمة راحت فين؟
قامت ليلى وفتحت درجها، وطلعت النجمة الأولى، اللي كانت أطرافها متنية من كتر ما لمستها إيديها.
أهي. أنا خليتها عندي عشان تفضل فاكر الوعد.
محمود مسكها بحنان.
أنا عمري ما نسيت الوعد يا حبيبتي.
ليلى بصت له بجدية طفولية.
طب يا بابا، هو إنت مشيت من الشغل عشان خاطري؟
محمود اتفاجئ بالسؤال.
قعد قدامها وقال
أنا مشيت عشان كنت وعدتك، ولأن كان فيه حاجة غلط لازم أقول إنها غلط. بس أهم حاجة عايزك تفهميها إن الواحد مش لازم يسيب شغله كل ما يختلف مع حد. لازم يحاول يصلح، ويتكلم، ويطلب حقه. لكن لو اتطلب منه يعمل حاجة ممكن تضر ناس، ما ينفعش يسكت عشان خايف يخسر مكانه.
ليلى فكرت شوية، وبعدين سألته
يعني لو حد قال لي أعمل حاجة غلط عشان أفضل في مكاني، أعمل إيه؟
محمود مسح على شعرها وقال
تسألي، وتفكري، وتطلبي مساعدة من حد تثقي فيه. الشجاعة مش إنك تعاندي وخلاص، الشجاعة إنك تعرفي الصح وتدافعي عنه بالطريقة الصح.
ليلى ابتسمت، ومدّت له النجمة الجديدة.
خلاص. دي عشان تفتكر إنك وعدتني، والقديمة عشان تفتكر إنك وفيت بوعدك.
محمود ضحك
وفي اللحظة دي، حس إن كل اللي حصل، بكل وجعه وخوفه وتعبه، انتهى عند النقطة اللي كان محتاج يوصل لها من البداية.
مش إنه ينتصر على مديره.
ولا إنه يثبت إنه أذكى من الإدارة.
لكن إنه يرجع لبنته، ويقدر يبص في عينيها من غير ما يحس إنه خذلها.
10. المواجهة الأخيرة
بعد ست شهور، الشركة نظمت اجتماعًا عامًا لعرض نتائج الإصلاحات اللي اتعملت بعد الأزمة.
كان فيه ممثلون عن المستشفيات، وأعضاء مجلس الإدارة، وفريق الهندسة، والموظفون اللي شاركوا في مراجعة المشروع.
نادين طلبت من محمود إنه يعرض الدروس المستفادة من الأزمة، وهو وافق.
وقف قدام الشاشة، وعرض جدولًا يوضح عدد الاختبارات اللي اتعملت، والملاحظات اللي تم تصحيحها، والإجراءات الجديدة اللي بتمنع تشغيل أي نظام قبل اعتماد سلامته.
وفي آخر العرض، قال
إحنا اتعلمنا إن أكبر خطر مش دايمًا بيكون عطل في جهاز. ساعات الخطر الحقيقي بيكون في إن حد يخاف يقول الحقيقة، أو إن حد تاني يرفض يسمعها. أي نظام مهما كان متطور، ممكن يفشل. لكن اللي ما ينفعش يفشل هو حق الناس في معرفة المخاطر، وحق الموظف إنه يبلّغ عنها من غير ما يخاف على شغله.
القاعة كلها صفقت.
نادين كانت قاعدة في الصف الأول، ووشها مليان تأثر.
بعد الاجتماع، قربت منه وقالت
فاكر يوم ما حطيت كارنيهك على الترابيزة ومشيت؟
محمود ابتسم ابتسامة خفيفة.
فاكره كويس.
قالت
أنا يومها افتكرت إنك موظف رفض ينفذ تعليماتي. ما فهمتش إنك كنت بتحاول تمنع مشكلة أكبر من قدرتي على استيعابها وقتها.
محمود رد
وأنا كمان اتعلمت إن الواحد لازم يوثق كلامه، ويصعّد المشكلة بالطريقة الرسمية، وما يعتمدش على إنه هيقدر يقنع كل شخص لوحده.
نادين بصت له وقالت
لو رجع بيا الزمن، ما كنتش هقول لك الجملة دي أبدًا.
محمود ابتسم، لكنه ما قالش إنه سامحها بالكامل، ولا حاول يحوّل الموقف لحكاية مثالية.
قال بس
المهم إننا ما نكررش نفس الغلطة.
وبعدها مد إيده وصافحها.
كانت مصالحة هادية، من غير خطب طويلة، ومن غير ادعاء إن كل حاجة رجعت زي الأول.
الثقة اتبنت من جديد، لكن المرة دي على أساس مختلف الوضوح، والمحاسبة، واحترام الناس.
أما شريف، فالقضية الخاصة بالمخالفات اللي اتكشفت أثناء المراجعة استمرت في مسارها القانوني، بعيدًا عن قرارات الشركة الإدارية. وما بقاش فيه مجال إنه يرجع يتحكم في المشروع أو يغيّر التقارير زي ما كان بيعمل قبل كده.
وبعد انتهاء الإجراءات، الشركة استردت جزءًا من الأموال محل النزاع، وغيّرت نظام المشتريات والمراجعة بالكامل، وبدأت تنشر تقارير داخلية عن المخاطر والإجراءات التصحيحية.
المشروع اتشغّل أخيرًا بعد ما اجتاز الاختبارات المطلوبة، وبقى فيه فريق مستقل يراجع أي تغيير فني قبل اعتماده.
ومحمود بقى مسؤولًا عن إن أي مهندس في الفريق يقدر يقول لأ، النظام مش آمن من غير ما يخاف إن مستقبله هيتدمر بسبب الكلمة دي.
لكن أهم تغيير في حياته ماكانش منصبه الجديد، ولا الزيادة اللي حصلت في مرتبه.
كان إنه بقى بيرجع البيت في مواعيد معقولة، وبيحضر اجتماعات المدرسة، وبيخرج مع ليلى في الإجازات من غير ما يفضل باصص على الموبايل كل خمس دقايق.
وفي عيد الفطر اللي بعده، خرج هو وليلى من البيت بدري.
كانت لابسة فستانها الجديد، وماسكة في إيدها النجمة الورقية القديمة.
قبل ما يركبوا العربية، رفعتها قدام وشه وقالت
بابا، فاكر اليوم اللي رجعت فيه بدري؟
محمود ابتسم.
فاكره.
يومها كنت فاكرة إنك خسرت شغلك.
ركع قدامها عشان يبقى في مستوى عينيها، وقال
وأنا كمان كنت فاكر إني خسرت حاجات كتير. بس اكتشفت إن فيه حاجات أهم من أي شغل، وإن الحق لازم يتقال حتى لو تمنه كبير.
ليلى قالت
طب يلا بقى، عشان أنا عايزة أروح الملاهي!
ضحك محمود، وشالها من إيدها، ومشوا ناحية العربية.
كانت الشمس طالعة، والشوارع مليانة ناس رايحة تزور أهلها، وأطفال لابسين جديد، وضحكات طالعة من كل ناحية.
وقبل ما يفتح باب العربية، محمود بص للنجمة الصغيرة في إيد بنته.
النجمة اللي بدأت الحكاية بيها.
النجمة اللي كانت بالنسبة له مجرد تذكار من طفلة صغيرة، لكنها فكرته إن الإنسان ممكن يخسر وظيفة، أو منصب، أو فرصة، ويقدر يعوضهم بعدين.
إنما لو خسر ثقة ابنه فيه، أو ضميره، أو شجاعته في قول الحقيقة، فاسترجاع الحاجات دي أصعب بكتير.
وفي النهاية، محمود ما انتصرش لأنه دمّر شريف، ولا لأنه أجبر نادين تعتذر له. انتصر لأنه منع كارثة، وحافظ على وعده لبنته، ورجع لشغله بشروط تحفظ كرامته وحقه في إنه يقول الحقيقة.
أما نادين، ففضلت فاكرة طول عمرها اليوم اللي حط فيه محمود كارنيه الشغل على الترابيزة ومشي.
لأنها في اليوم ده فهمت درس ما اتعلمتوش من أي دورة إدارية ولا أي اجتماع لمجلس الإدارة
الموظف اللي بيقول لك الحقيقة حتى لو مش على هواك، ممكن يكون هو الشخص الوحيد اللي بيحاول ينقذ شركتك من نفسها.

تم نسخ الرابط