ما تيجي الشغل
الجزء الأول يا تيجي الشغل يوم العيد، يا تعتبر نفسك مرفود!
يا تيجي الشغل أول يوم العيد، يا متفكرش حتى إنك ترجع تاني يوم!
قالتها نادين الشربيني، مديرة الموارد البشرية في واحدة من أكبر شركات الخدمات الهندسية في القاهرة، بنبرة هادية، من غير ما تعلي صوتها. والغريب إن هدوءها كان مستفز أكتر من لو كانت بتزعق، كأنها بتبلّغه بقرار عادي، مش بتهدده إنه يخسر شغله في لحظة.
كانت الساعة أربعة و دقيقة عصر يوم الاتنين، وفاضل على عيد الفطر تلات أيام بس.
محمود عبدالسلام كان قاعد قصادها في قاعة اجتماعات كلها إزاز، في الدور العشرين من برج إداري ضخم في التجمع الخامس. من ورا الإزاز، كانت القاهرة غرقانة في زحمتها المعتادة، والشمس بتغيب ورا سحب الشتا الخفيفة.
وبره القاعة، الموظفين كانوا بيتكلموا عن تجهيزات العيد، ومواعيد السفر، والهدوم الجديدة اللي مستنيين يشتروها لأولادهم. لكن محمود كان قاعد في مواجهة مديرة شايفة إن من حقها تلغي إجازته في آخر لحظة، وكأن حياته بره الشركة مالهاش أي قيمة.
محمود ماجادلش، وماطلبش منها تراجع قرارها، ولا حاول يستعطفها.
كل اللي عمله إنه نزل عينيه على كارنيه الشغل المعلّق في قميصه.
ورا البلاستيك الشفاف، كانت فيه نجمة صغيرة من الورق، لونها أصفر ومرسومة بقلم أزرق. أطرافها كانت متعرجة ومش متساوية، لأن اللي قصّتها بإيديها الصغيرة كانت بنته ليلى، اللي عندها تمن سنين.
ليلى اللي فقدت أمها من سنتين، ولسه لحد النهارده بتسأل أبوها ساعات وهي نايمة إذا كانت ماما هترجع في العيد ولا لأ.
ومن يوم ما أمها ماتت، محمود بقى كل حياتها.
كان بيصحّيها الصبح، ويجهز لها الفطار، ويروح شغله، ويرجع يجري عشان يلحق يذاكر لها، ويسمع حكاياتها الصغيرة، ويطمن إنها نامت وهي حاسة بالأمان.
والسنة دي، كان واعدها إنه يقضي معاها أول يوم العيد كله. لا شغل، ولا تليفونات، ولا اجتماعات. هينزلوا يشتروا الآيس كريم، ويزوروا جدتها، ويروحوا الملاهي الصغيرة اللي بتحبها، ويخلّي اليوم ده ذكرى حلوة تنسيها شوية وجع غياب أمها.
قبل ما ييجي الشركة الصبح، كانت ليلى واقفة قدامه وهي بتعلّق النجمة الورقية في الكارنيه بتاعه، وقالت له بفرحة
بص يا بابا، خلي النجمة دي معاك لحد ما ترجعلي. ولما تشوفها، افتكر إنك وعدتني نقضي العيد مع بعض!
ابتسم وقتها وباس راسها.
وعد يا حبيبتي. أول يوم العيد بتاعك إنتِ، ومحدش هياخده منك.
لكنه ماكانش يتخيل إن الوعد البسيط ده هيبقى السبب في إنه يقف النهارده قدام قرار ممكن يغيّر حياته كلها.
نادين شبكت صوابعها فوق الترابيزة الخشب الفخمة، وقالت بنبرة رسمية
بص يا محمود، إحنا بنتكلم عن أكبر مشروع تشغيل لوجستي عندنا السنة دي. إحنا مسؤولين عن تجهيز نظام تبريد الأدوية لشبكة مستشفيات كبيرة في مصر، ولازم كل حاجة تشتغل في معادها. كلنا بنضحّي، ومحدش واخد إجازته على مزاجه.
محمود رفع عينيه ليها، والإرهاق كان باين على وشه.
إجازتي يا أستاذة نادين اتوافقت من شهر سبتمبر. يعني من تلات شهور، قبل ما حد حتى يحدد ميعاد التشغيل النهائي بالشكل ده.
ردّت ببرود
ظروف الشغل اتغيّرت.
محمود أخد نفس طويل، وقال
ماشي، بس كان المفروض حد يتكلم معايا قبل ما يلغي إجازة أنا رتبت حياتي كلها على أساسها. أنا مش طالب حاجة زيادة عن حقي، ولا سايب الشغل ومختفي. أنا بقالي أسابيع بشتغل ساعات إضافية عشان المشروع يخلص قبل العيد.
في آخر الترابيزة، كان قاعد شريف المنشاوي، مدير العمليات، وبيقلّب قلم غالي بين صوابعه، كأنه بيتفرج على نقاش ممل.
اتدخل وقال باستخفاف
يا محمود، الموضوع مش مجرد إجازة وخلاص. إحنا عايزين نعرف إنت واقف جنب الشركة ولا لأ. يعني إيه المشكلة لما تيجي يوم العيد زي باقي الناس اللي هتشتغل؟
محمود لفّ وشه ناحيته، وبص له بثبات.
باقي الناس؟ هو فيه حد تاني اتقال له إن إجازته اتلغت بعد ما اتوافقت من تلات شهور؟ وبعدين أنا بقالي تلات أسابيع بشتغل ورديات مضاعفة، وبنام ساعات قليلة، عشان أتأكد إن محدش هيضطر ينزل الشغل يوم العيد.
نادين ضيّقت عينيها.
إنت تقصد إيه بكلامك ده؟
محمود رد من غير تردد
أقصد إن اختبار النظام لسه ما خلصش، وإننا مش جاهزين للتشغيل النهائي زي ما حضرتك فاكرة.
ملامح نادين اتغيّرت.
يعني إيه مش جاهزين؟ شريف أكدلي إن كل حاجة تمام، وإن المشروع هيتسلّم في معاده!
قبل ما محمود يقدر يشرح، شريف مال بجسمه لقدام وقاطعه بسرعة
الحاجات الفنية دي أنا متابعها مع فريق الهندسة يا نادين. ملهاش علاقة بموضوع الإجازات، وإحنا مش هنخلط الأمور ببعض.
محمود رجع بص لنادين مباشرة، وقال جملة واحدة
لأ، يا فندم. الموضوعين مرتبطين ببعض.
سكتت القاعة تمامًا.
نادين كانت طول اليوم بتحاول تقنع مجلس الإدارة إن المشروع هيتسلّم في معاده، وإن الشركة مش هتخسر عقد مهم بالملايين. شبكة المستشفيات كانت معتمدة على نظام التبريد الجديد لحفظ الأدوية في درجات حرارة دقيقة، وأي خلل فيه ممكن يسبب خسائر ضخمة، والأسوأ إنه ممكن يعرّض أدوية مهمة للتلف.
كانت مرهقة، وما نامتش غير كام ساعة قليلة، وفوق ده كله شريف طول الأسبوع بيشتكي لها من محمود، وبيصوره على إنه موظف عنيد، مش عايز يشتغل وقت الزنقة، وبيحط ظروفه الشخصية قبل مصلحة الشركة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
محمود هو اللي كان بيشتغل لحد نص الليل عشان يكتشف سبب الخلل. وهو اللي طلب إعادة الاختبارات أكتر من مرة. وهو اللي حذّر إن تشغيل النظام قبل ما المشكلة تتحل ممكن يسبب كارثة.
وكل مرة كان بيحاول يوصل التحذيرات دي للإدارة، كان شريف بيتدخل ويقنع المسؤولين إن الأمور تحت السيطرة.
كان قدام نادين فرصة بسيطة إنها توقف الاجتماع، وتطلب تقارير الاختبارات بنفسها، أو تتصل بمديرة فريق الهندسة وتتأكد من كلام محمود.
لكنها اختارت إنها تصدّق شريف، لأنه كان بيقول لها الكلام اللي هي عايزة تسمعه.
بصت لمحمود وقالت بحسم
أنا مش هفضل أكرر كلامي. أنا اديتك اختيار واضح يا تيجي تشتغل أول يوم العيد، يا تعتبر نفسك مش شغال معانا من تاني يوم.
محمود فضل ساكت كام ثانية.
وبعدين رفع إيده ولمس النجمة الورقية الصغيرة اللي بنته علّقتها في كارنيه الشغل بتاعه.
افتكر فرحتها وهي بتتكلم عن العيد، وافتكر قد إيه كانت بتحاول تخبي زعلها كل ما يشوفها بتبص لصورة أمها.
هو ماكانش عنده استعداد يكسر وعده الوحيد ليها في اليوم اللي كانت مستنياه من شهور.
فكّ الكارنيه من قميصه بهدوء، وحطه في نص الترابيزة قدام نادين.
وبص لها وقال بصوت هادي، رغم إن جواه كان فيه وجع كبير
بنتي فقدت أمها، وأنا مش هخلّيها تخسر أبوها كمان، حتى لو بشكل تاني. مش هعلّمها إن الوعود ملهاش قيمة، وإن أي حد يقدر ياخد مننا أهم لحظات حياتنا لمجرد إنه شايف نفسه أهم من الكل.
نادين فضلت باصة للكارنيه، وبعدين رفعت عينيها له.
إنت فاهم إنك لو خرجت من الباب ده دلوقتي، أنا هعتبر ده استقالة منك؟
محمود وقف، وعدّل قميصه، ورد من غير أي تردد
اعتبريها زي ما إنتِ عايزة.
ولفّ وخرج.
لا شتم، ولا زعق، ولا حتى حاول يدافع عن نفسه مرة أخيرة.
مشى في الممر الطويل بخطوات ثابتة، وعدّى قدام المكاتب اللي الموظفين فيها كانوا بيجهزوا نفسهم لإجازة العيد. ناس كتير رفعت عينيها باستغراب لما شافته خارج من غير شنطته، لكن محدش سأله عن حاجة.
أما هو، فكان كل اللي شاغل باله إنه يلحق يرجع البيت قبل ما ليلى تخلص تجهيز هدوم العيد الجديدة اللي كانت حطاها جنب سريرها من الليلة اللي فاتت.
كان فاكر إن أسوأ حاجة حصلت له النهارده إنه خسر شغله.
لكنه ماكانش يعرف إن خروجه من الشركة هيكشف مصيبة أكبر بكتير، وإن القرار اللي نادين أخدته في أقل من دقيقة ممكن يهدد مستقبل الشركة كلها.
وبعد أقل من تلات دقايق من خروجه، باب قاعة الاجتماعات اتفتح بعنف.
دخل عمرو فؤاد، مدير المصنع والمسؤول عن متابعة التشغيل الفعلي، وهو بيجري وبيحاول يلقط نفسه.
أول ما شاف الكارنيه اللي فوق الترابيزة، وشه اتخطف لونه.
بص لنادين بصدمة وقال
يا أستاذة نادين، أرجوكي قوليلي إن محمود لسه ما مشيش!
نادين رجعت بضهرها على الكرسي، وحاولت تحافظ على هدوئها.
هو اللي اختار يمشي يا عمرو. أنا وضحت له المطلوب، وهو رفض يلتزم.
عمرو بص لشريف، وبعدها رجع بعينيه لنادين، وكأنه مش مصدق اللي بيسمعه.
يعني إنتِ فعلًا سيبتيه يمشي؟
نادين اتضايقت من طريقته.
هو أنا المفروض أعمل إيه؟ أسيب كل موظف يشتغل بمزاجه؟ عندنا مشروع بالملايين، ومش هسمح لحد يفرض شروطه علينا!
عمرو حط إيده على راسه، وأخد نفس طويل، وبعدها قال
يا أستاذة نادين، إنتِ لسه مش فاهمة المصيبة اللي عملتيها.
سكت لحظة، وبعدين كمل
محمود مش مجرد مهندس شاطر، ومش مجرد موظف نقدر نجيب غيره مكانه. ده الشخص الوحيد في الشركة كلها اللي فاهم نظام الأمان الاحتياطي اللي ركّبه بنفسه، والوحيد اللي يقدر يتعامل مع العطل اللي ظهر في الاختبارات الأخيرة.
شريف اتحرك في كرسيه بعصبية.
يا عمرو، إنت مكبّر الموضوع ليه؟ عندنا فريق كامل يقدر يتصرف.
عمرو لفّ له بسرعة، وبص له بغضب.
فريق إيه يا شريف؟ إنت كنت عارف إن الاختبارات فشلت مرتين! وعارف إن محمود طلب تأجيل التشغيل لحد ما نتأكد إن النظام آمن! وإنت بنفسك قلت لنا إن المشكلة اتحلت، وإن محمود بيبالغ عشان يهرب من شغل العيد!
نادين بصت لشريف، والشك بدأ يدخل قلبها.
إنت قلتلي إن كل الاختبارات نجحت!
شريف حاول يحافظ على هدوئه، لكن الارتباك كان واضح على وشه.
الموضوع فني ومعقد، ومش محتاج نكبره بالشكل ده. محمود كان مكبّر الحكاية، وأنا كنت هتصرف.
عمرو فتح الملف اللي كان في إيده، وطلع منه تقرير وحطه قدام نادين.
ده تقرير الاختبار الأخير. محمود بعته للإدارة الفنية النهارده الصبح، وطلب إن التشغيل يتوقف لحد ما نراجع العطل. وفيه تحذير واضح إن تشغيل النظام بالشكل الحالي ممكن يعرّض مخزون الأدوية للتلف لو حصل خلل في دورة التبريد الأساسية والاحتياطية في نفس الوقت.
نادين فتحت الملف بإيدين بدأوا يرتعشوا.
كل صفحة كانت بتكشف لها إن الموضوع مش مجرد خلاف على إجازة، وإنها ممكن تكون ارتكبت غلطة تدفع الشركة كلها تمنها.
لكن عمرو لسه ما خلصش.
بص لها مباشرة وقال
لو النظام فشل يوم التشغيل، مش هنخسر العقد وبس. إحنا ممكن نعرّض أدوية منقذة للحياة للتلف، والمستشفيات هتضطر تتحرك في آخر لحظة عشان تنقذ اللي تقدر عليه. ومجلس الإدارة مش هيسأل مين كان عنده إجازة ومين ما جاش. هيسأل مين وافق يشغّل النظام رغم التحذيرات!
نادين رفعت عينيها عن الملف، وبصت لشريف.
إنت كنت عارف كل ده؟
شريف قام من مكانه بعصبية.
أنا مش هسمح إنكم ترموا المسؤولية كلها عليّا! أنا مدير العمليات، وأنا عارف بعمل إيه!
عمرو رد عليه ببرود
محدش رمى عليك حاجة. إنت اللي أخفيت التقارير، وكل ده متوثق في الإيميلات.
نادين حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
مدّت إيدها بسرعة ناحية تليفونها.
هتصل بمحمود حالًا. هقوله يرجع، وهنحل الموضوع.
عمرو هز راسه ببطء.
اتصلي بيه لو عايزة، بس قبل ما تعملي كده، لازم تعرفي حاجة تانية.
نادين بصت له بقلق.
عمرو سحب ورقة من الملف وحطها قدامها.
محمود ماكانش رافض يشتغل يوم العيد عشان يقضي إجازته وخلاص. هو كان بيحاول يسلّم تقرير كامل عن السبب الحقيقي وراء فشل الاختبارات. تقرير فيه تفاصيل لو اتأكدت، هتغيّر كل حاجة، ومش هتخلّي الموضوع مجرد خطأ فني.
شريف اتجمّد مكانه.
ولأول مرة من بداية الاجتماع، ما عرفش يرد.
نادين بصت للورقة، وبعدين رفعت عينيها لشريف ببطء.
إيه اللي إنت مخبيه عننا بالظبط؟
شريف ما نطقش بحرف.
وفي اللحظة دي، تليفون عمرو رنّ.
بص للشاشة، واتغيّر لون وشه.
رد بسرعة، وفضل يسمع من غير ما يقاطع. وكل ثانية كانت بتعدّي، ملامحه كانت بتزداد رعبًا.
ولما قفل، بص لنادين وقال
عندنا مشكلة جديدة... وأسوأ من اللي فاتت.
نادين قامت من مكانها.