ما تيجي الشغل
المحتويات
عن النسخة الأصلية.
وفيه أوامر شراء اتعدّلت قيمتها، ومستندات اتضافت لها بيانات بعد اعتمادها الأول.
كل التعديلات دي كانت محتاجة تحقيق مالي وفني مستقل، ومحدش استعجل في اتهام شخص بعينه قبل ما الأدلة تكتمل.
لكن شريف كان الشخص اللي عنده صلاحيات مباشرة على أغلب الملفات محل المراجعة.
ولما طلبوا منه يفسر سبب التعديلات، قدّم إجابات متناقضة.
مرة قال إن الفريق الفني هو اللي عدّل النتائج، ومرة قال إن التعديلات كانت مجرد تحديثات إدارية، ومرة أنكر إنه شاف بعض التقارير أصلًا.
وفي نهاية اليوم، اكتشفت اللجنة رسالة قديمة بعتها إدارة المشتريات لمحمود من شهور، بتطلب منه مراجعة مواصفات وحدات التبريد قبل استلامها.
محمود وقتها رفض اعتماد الاستلام، لأن الوحدات اللي وصلت كانت أقل من المواصفات المطلوبة.
بعدها بأسبوع، اتسجلت الوحدات في المخازن على إنها مطابقة.
والأغرب إن محمود كان الشخص الوحيد اللي احتفظ بنسخة من محضر الرفض الأصلي، وعليه توقيع ممثل المورد.
الدكتور عادل طلب مقابلة محمود بنفسه.
وفي صباح اليوم التالي، راح محمود مقر الشركة، بعد ما اتفق مع اللجنة على إن المقابلة هتكون رسمية، بحضور ممثل قانوني، ومن غير أي ضغط عليه للعودة إلى العمل.
دخل القاعة، وقعد قدام الدكتور عادل ونادين وعمرو.
الدكتور عادل بدأ الكلام
يا محمود، إحنا راجعنا التقارير اللي بعتها، ولقينا إنك كنت بتحذّر من المشكلة من شهور، مش من أسبوعين بس.
محمود أومأ.
لأن المشكلة ما كانتش في الاختبار الأخير وحده. أنا اكتشفت من البداية إن بعض الوحدات مش مطابقة للمواصفات، وطلبت وقف الاستلام. بعدها لقيت إن المخزون اتسجل على إنه سليم، رغم إن محضر الرفض موجود.
نادين سألته
طب ليه ما صعّدتش الموضوع لمجلس الإدارة من وقتها؟
محمود رد بهدوء
صعّدته. بعت إيميلات للإدارة الفنية والمراجعة الداخلية. لكن كل مرة كان الرد إن الموضوع تحت الفحص، وإن مفيش داعي لتصعيد أكبر. وبعدها بدأت ألاقي تقارير بتتغير، وطلبات مراجعة بتتأجل، لحد ما فهمت إن لازم أحافظ على كل نسخة أصلية عندي.
الدكتور عادل سأله
وهل عندك دليل إن شريف هو اللي غيّر النتائج؟
محمود هز راسه.
عندي سجل بالمراسلات، ومحضر رفض الاستلام، ونسخ من التقارير الأصلية. لكن مين بالضبط عدّل كل ملف، ده لازم يتحدد من سجلات النظام والتحقيق. أنا مش هتهم حد من غير دليل.
الدكتور عادل ابتسم ابتسامة خفيفة.
وده بالضبط اللي محتاجينه. إحنا مش عايزين انتقام من حد، إحنا عايزين نعرف الحقيقة ونمنع تكرار اللي حصل.
في اللحظة دي، نادين لاحظت حاجة في ملف محمود.
كان فيه خطاب قديم من تسع سنين، يوم تعيينه في الشركة.
اسم مدير التوظيف وقتها كان مختلف عن كل الأسماء الموجودة في الإدارة الحالية.
وتحت الاسم، كانت فيه ملاحظة مكتوبة بخط اليد
تم تعيين المهندس محمود عبدالسلام بناءً على توصية لجنة التأسيس، نظرًا لمشاركته في تصميم نظام الأمان الأساسي للمشروع.
نادين رفعت عينيها بدهشة.
إنت كنت من فريق تصميم النظام الأصلي؟
محمود رد
أيوه. أنا كنت ضمن الفريق اللي وضع التصميم الأول، قبل ما الشركة توسّع المشروع وتغيّر بعض المكونات. وبعدها فضلت أتابع التحديثات الفنية، لكن ما بقيتش صاحب القرار النهائي في المشتريات أو التشغيل.
عمرو قال
وده يفسر ليه محمود كان فاهم تفاصيل النظام أكتر من أي حد. هو مش بس حافظه، ده عارف اتبنى إزاي، وإيه اللي ممكن يحصل لو اتغيّر جزء من تصميمه من غير اختبار كفاية.
نادين افتكرت كلام شريف قبل ما يمشي.
إنتِ لسه ما تعرفيش محمود ده مين أصلًا.
لكن الحقيقة ما كانتش إن محمود صاحب منصب سري أو ملياردير مستخبي.
الحقيقة كانت أبسط وأقوى.
شريف كان محتاج يسكت الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت إن التعديلات اللي اتعملت على المشروع خرجت عن المواصفات اللي اتصمم عليها من البداية.
ولو محمود وقّع على اعتماد التشغيل، كان هيبقى من السهل تحميله جزءًا كبيرًا من المسؤولية لو حصلت كارثة.
أما إصرار شريف على تشغيل النظام يوم العيد، فكان مرتبطًا بموعد تسليم تعاقدي نهائي، وبمبالغ مالية كبيرة كانت الشركة الوسيطة هتستحقها بعد اعتماد المشروع.
ومع ذلك، اللجنة ما اعتبرتش ده إثباتًا نهائيًا لنية شريف، لكنها ضمّت كل التفاصيل للتحقيق.
وبدأت الصورة تتضح.
5. شريف يحاول يقلب الترابيزة
بعد يومين من بدء المراجعة، وصل لنادين خطاب من محامي شريف.
الخطاب بيقول إن شريف بيتهم محمود بتسريب مستندات سرية، وإنه هيطالب بتعويض عن الأضرار اللي لحقت بسمعته.
لكن المرة دي، نادين ما اتصرفتش بناءً على انطباع أو كلام من طرف واحد.
طلبت من الشؤون القانونية مراجعة كل الاتصالات، وتأكدت إن محمود شارك المستندات مع اللجنة المستقلة المكلفة من مجلس الإدارة، مش مع جهة منافسة أو شخص غير مصرح له.
وفي نفس الوقت، طلبت حفظ جميع السجلات المتعلقة بالمشروع، ومنعت أي حذف أو تعديل جديد، وأرسلت نسخة من المستندات للجهة الرقابية المختصة عشان تتراجع بصورة مستقلة.
بعدها بساعات، وصلها اتصال من شريف نفسه.
نادين، أنا عايز أقابلك لوحدنا.
ردت بحزم
أي كلام يخص المشروع أو التحقيق هيكون من خلال القنوات الرسمية.
شريف ضحك بسخرية.
إنتِ نسيتي إنك إنتِ اللي طردتي محمود؟ لو مجلس الإدارة قرر يحمّل حد مسؤولية، مش هيقف عندي. إنتِ كمان اتخذتي قرار من غير ما تراجعي التقارير.
نادين سكتت لحظة.
كان كلامه بيوجعها، لأنه لمس غلطة حقيقية ارتكبتها.
لكنها ردت
أيوه، أنا غلطت لما حكمت على محمود من غير ما أسمعه. وأنا مستعدة أتحمل مسؤولية قراري. لكن ده مش هيديني سبب أخفي أي مخالفة، ولا هيديك الحق تستخدم غلطتي عشان تهرب من التحقيق.
شريف صوته اتغير.
فكّري كويس يا نادين. لو خسرتي المشروع، منصبك نفسه ممكن يضيع.
قالت
المنصب اللي يتطلب مني أسكت عن خطر يهدد الناس، ما يستاهلش أحتفظ بيه.
وقبل ما يقفل، سمعته بيقول
إنتِ لسه مش فاهمة الدنيا بتمشي إزاي.
ردت بهدوء
يمكن. بس أنا بدأت أفهم إن السكوت مش دايمًا ذكاء، وإن الثقة في الشخص الغلط ممكن تكلّف ناس كتير أكتر من مجرد فلوس.
وقبل ما تنهي المكالمة، شريف قال جملة أخيرة
خلي محمود ينفعك بقى، لما المشروع يقع.
نادين ما ردتش.
لأنها كانت عارفة إن المشروع لازم يقف مؤقتًا، حتى لو ده هيكلّف الشركة غرامات كبيرة.
سلامة الأدوية ما ينفعش تبقى مقامرة.
6. أول يوم العيد... والكارثة اللي اتمنعت في آخر لحظة
جه أول يوم العيد.
محمود صحى بدري، ولبس ليلى هدومها الجديدة، ونزل معاها يصلي العيد، وبعدها راحوا زاروا جدتها.
ليلى كانت مبسوطة لدرجة إنها نسيت تقريبًا إنها كانت خايفة أبوها ما يقدرش يقضي اليوم معاها.
كل شوية كانت تمسك إيده وتسأله
بابا، إحنا هنروح الملاهي بعد الغدا، صح؟
يضحك ويقول
صح يا ستي. هو أنا أقدر أخلف وعدي؟
وبعد الظهر، وهما راجعين البيت، موبايله رنّ.
كان عمرو.
محمود رد، فسمع صوت عمرو متوتر
محمود، إحنا محتاجينك تسمعني كويس. إحنا ما شغّلناش النظام، زي ما اتفقنا، لكن أثناء اختبار منفصل لوحدة من الوحدات الاحتياطية، ظهر خلل جديد. الفريق وقف الاختبار فورًا، ومحدش اتعرض لأي خطر، لكن محتاجين رأيك في تفسير النتائج.
محمود بص لليلى، اللي كانت ماسكة كيس حلوى العيد وبتحاول تختار قطعة لنفسها.
قال لعمرو
أنا مش هقدر أجي المصنع النهارده.
عمرو رد بسرعة
وأنا مش بطلب منك تيجي. عايزك تشوف تقرير الاختبار من خلال الاتصال، ولو احتجنا مراجعة أعمق، نحدد ميعاد بعد الإجازة وبموافقتك.
محمود فكر لحظة، وبعدين قال
ابعتوا التقرير للدكتور عادل، وخليه يراجع البيانات الأول. لو فيه نقطة محتاجة رأيي تحديدًا، أنا مستعد أساعد عن بُعد في الوقت اللي يناسبني. لكن مفيش تشغيل قبل ما الخلل يتحدد ويتصلح، ويتعاد الاختبار بالكامل.
عمرو وافق.
وبعد أقل من ساعة، اتعمل اجتماع فني عن بُعد، بحضور لجنة المراجعة وممثلين من فريق الهندسة.
محمود راجع النتائج، وطلب مقارنة بيانات الوحدة الاحتياطية ببيانات الاختبارات القديمة.
وبعد شوية، اكتشفوا إن الخلل مش في وحدة واحدة بس.
كان فيه اختلاف بين مواصفات بعض المكونات المركّبة والمواصفات اللي اتبنى عليها تصميم النظام الأصلي.
وده معناه إن المشكلة محتاجة مراجعة شاملة، مش مجرد تغيير قطعة أو تعديل إعداد.
الدكتور عادل أصدر توصية باستمرار وقف التشغيل، وطلب فحص كل الوحدات، ومراجعة مصدر المكونات، وإعادة الاختبارات في ظروف تشغيل مختلفة، قبل إصدار أي اعتماد نهائي.
وبكده، اتمنع تشغيل نظام غير آمن في موعد التسليم الأصلي.
الشركة خسرت غرامة تأخير، لكن المخزون الدوائي فضل محفوظًا في أنظمة التبريد القديمة المعتمدة، بعد ما المستشفيات اتبلغت بخطة انتقال بديلة، واتنظمت عمليات النقل تحت إشراف فرق مختصة.
ماكانش يوم سهل على حد.
لكن كان يوم عدّى من غير ما تتحول الأخطاء الإدارية لكارثة تمس حياة المرضى.
أما محمود، فبعد ما خلص الاجتماع، قفل اللابتوب، وراح يكمل يومه مع بنته.
ليلى كانت مستنياه عند باب الصالة.
خلصت شغل يا بابا؟
ابتسم.
خلصت يا حبيبتي.
طب يلا بقى، إنت وعدتني بالملاهي!
محمود ضحك، وشالها من الأرض.
حاضر يا ست ليلى. النهارده مفيش شغل، النهارده إنتِ المديرة!
ضحكت من قلبها.
ولأول مرة من شهور، محمود حس إن الدنيا لسه فيها مساحة للفرح، حتى بعد كل اللي حصل.
7. التحقيق يكشف الحقيقة كاملة
عدّت أسابيع، ولجنة المراجعة خلصت تقريرها النهائي.
النتيجة كانت أخطر من مجرد إهمال أو سوء تقدير.
المراجعة المالية أثبتت وجود مخالفات في إجراءات التوريد، وفروق غير مبررة بين بعض الفواتير والمكونات المستلمة، وتعديلات على مستندات فنية من غير موافقات صحيحة.
أما المراجعة الإلكترونية، فأظهرت حسابات المستخدمين اللي اتعملت من خلالها التعديلات، وسجلت تواريخها، وربطتها بالموافقات الإدارية المسجلة في النظام.
التحقيق الرسمي انتهى إلى وجود مسؤولية مباشرة على شريف في عدد من المخالفات، واتخذت الشركة الإجراءات القانونية اللازمة، وقدمت المستندات للجهات المختصة.
شريف اتوقف عن العمل، وبعد انتهاء التحقيقات الإدارية وفحص الأدلة، تم فصله من منصبه، وأُحيلت الوقائع التي يُشتبه في كونها جرائم إلى الجهات المختصة للتحقيق والتصرف فيها.
الشركة كمان أنهت التعاقد مع المورد الوسيط بعد ثبوت مخالفات تعاقدية، وبدأت إجراءات استرداد المبالغ المستحقة، ومراجعة كل العقود اللي تمت من خلاله.
أما نادين، فما خرجتش من الموضوع من غير حساب.
مجلس الإدارة وجّه لها لومًا رسميًا بسبب قرارها المتسرع بإلغاء إجازة محمود وتهديده بالفصل، وبسبب اعتمادها على تأكيدات شريف من غير ما تراجع التحذيرات الفنية بنفسها.
وطُلب منها حضور برنامج إلزامي لمراجعة إجراءات إدارة المخاطر، واتخاذ قرارات التوظيف والإجازات، مع إعادة توزيع بعض صلاحياتها.
نادين قبلت القرار من غير اعتراض.
كانت عارفة إن منصبها ما يديهاش الحق إنها تتعامل مع الناس كأنهم أدوات.
وفي اجتماع لاحق مع الموظفين، وقفت قدامهم وقالت
أنا غلطت لما حكمت على زميل من غير ما أسمع كلامه، وغلطت لما اعتبرت ظروفه الشخصية عائق قدام الشغل. أنا مش هطلب من حد يسامحني لمجرد إني اعتذرت، لكن هثبت بالأفعال إن اللي حصل مش هيتكرر.
وبعد الاجتماع، طلبت تقابل محمود.
لكنه ما وافقش على مقابلة خاصة، وطلب إن أي كلام يخص شغله يكون بحضور الموارد البشرية وممثل عن الإدارة الفنية.
نادين احترمت طلبه.
وفي الاجتماع، قالت له
أنا مش جاية أطلب منك ترجع، ولا أقول لك انسَ اللي حصل. أنا جاية أعتذر لك عن القرار اللي أخدته، وعن الطريقة اللي اتعاملت بيها معاك. إنت كنت بتحذّرنا، وأنا ما سمعتكش.
محمود رد بهدوء
الاعتذار مهم، لكن الأهم إن اللي حصل ما يتكررش مع حد تاني. مش كل موظف عنده مسؤوليات عائلية يبقى مقصّر في شغله، ومش كل واحد بيرفض قرار غلط يبقى ضد الشركة.
نادين أومأت برأسها.
عندك حق.
وبعدين سلّمته خطابًا رسميًا بتصحيح قرار إنهاء خدمته، وتعويضه عن مستحقاته وفقًا للوائح الشركة، مع اعتراف مكتوب بأن قرارها السابق اتخذ من غير مراجعة كافية للتحذيرات الفنية المقدمة منه.
لكن محمود ما أخدش الخطاب باعتباره انتصارًا.
بالنسبة له، كان مجرد تصحيح لجزء من الظلم اللي حصل.
أما الثقة، فكانت محتاجة وقت وأفعال، مش ورقة مختومة.
8. العرض اللي ماكانش محمود مستنيه
بعد شهرين، المشروع رجع لمساره، لكن بعد إعادة تصميم الجزء المعيب، واستبدال المكونات غير المطابقة، وإجراء اختبارات مستقلة على كل وحدة.
الشركة دفعت
متابعة القراءة