ما تيجي الشغل
المحتويات
إيه اللي حصل؟
عمرو بص لها وقال بصوت واطي
محمود، قبل ما يخرج من الشركة، بعت رسالة أخيرة لشخص واحد بس. والشخص ده كان المفروض يوصل لنا التقرير اللي إحنا بندوّر عليه من الصبح.
سكت لحظة، وبعدين كمل
وهو دلوقتي في الطريق للشركة، ومعاه مستندات ممكن تقلب حياة كل الموجودين هنا.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن المستندات دي مش بس هتكشف حقيقة العطل... دي هتكشف كمان مين اللي كان بيحاول يورّط محمود في كارثة من البداية، وليه كان مصمم يخلّيه يشتغل يوم العيد بأي تمن!
النهاية الكاملة النجمة اللي وقعت من كارنيه محمود كشفت أكبر مؤامرة في الشركة!
1. الراجل اللي دخل الاجتماع ومعاه سر محدش كان متوقعه
عمرو لسه حاطط التليفون من على ودنه، لما باب قاعة الاجتماعات اتفتح، ودخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وفي إيده شنطة جلد سودا.
كان الدكتور عادل منصور، مستشار فني مستقل استعان بيه مجلس إدارة الشركة لمراجعة مشروع تبريد الأدوية قبل التشغيل النهائي.
أول ما دخل، ما سلّمش على حد، ولا حتى قعد.
حط الشنطة فوق الترابيزة، وطلع منها ملفين كبار، وبعدها بص لشريف المنشاوي وقال
أستاذ شريف، أنا محتاج منك إجابة واضحة على سؤال واحد. مين اللي وافق على تشغيل نظام فشل في اختبارات الأمان مرتين؟
شريف حاول يحافظ على ابتسامته.
يا دكتور عادل، واضح إن فيه معلومات ناقصة وصلتك. الاختبارات كانت ناجحة، والملاحظات الفنية اللي ظهرت كانت بسيطة، واتعالجت بالفعل.
الدكتور عادل فتح الملف الأول، وطلع منه مجموعة تقارير.
غريبة! لأن التقارير اللي معايا بتقول غير كده تمامًا. والأغرب إن فيه تقرير اتبعت للإدارة الفنية، وبعدها اختفى من النسخة اللي وصلت لمجلس الإدارة.
نادين حسّت إن قلبها بيدق بسرعة.
بصت لشريف، اللي كان بيحاول يتجنب عينيها، وبعدين سألت الدكتور عادل
حضرتك تقصد إن حد أخفى تقارير عن مجلس الإدارة؟
رد عليها
أنا لسه ما اتهمتش حد. أنا بجمع الأدلة، والأدلة هي اللي هتتكلم.
سحب ورقة من الملف، وحطها قدام نادين.
ده تقرير المهندس محمود عبدالسلام. فيه تحذير واضح إن نظام التبريد الاحتياطي ممكن يفشل في ظروف تشغيل معينة، وإن تشغيل النظام قبل إصلاح الخلل هيكون مخاطرة غير مقبولة.
نادين بصت للتوقيع الموجود أسفل التقرير.
كان توقيع محمود، ومعاه توقيع شريف باستلام نسخة منه.
رفعت عينيها لشريف.
إنت استلمت التقرير ده؟
شريف رد بسرعة
أيوه، بس ده مش معناه إن المشكلة ما اتحلتش بعد كده.
الدكتور عادل أخرج ورقة تانية.
تمام. ورّيني بقى تقرير الإصلاح النهائي.
شريف سكت.
فين تقرير الإصلاح يا أستاذ شريف؟
مفيش رد.
عمرو اتدخل وقال
مفيش تقرير إصلاح نهائي، لأن محمود رفض يعتمد التشغيل من الأساس. وكل اللي حصل إن شريف طلب من الفريق يكرر الاختبار بنفس الإعدادات القديمة، وبعدها اعتبر النتيجة كأنها اعتماد نهائي.
نادين حطت إيدها على بقها.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
الدكتور عادل قفل الملف الأول، وطلع من الشنطة فلاشة صغيرة.
أنا ما جيتش هنا عشان أراجع عطل فني وبس. محمود بعتلي رسالة من يومين، وقال لي إنه اكتشف حاجة محتاجة مراجعة مالية وإدارية بالتوازي مع المراجعة الفنية.
شريف انتفض من مكانه.
إيه الكلام ده؟! محمود مالوش أي حق يشارك مستندات الشركة مع أي حد من بره!
الدكتور عادل بص له بهدوء.
أنا متعاقد مع مجلس الإدارة نفسه، يا أستاذ شريف. ومحمود قدّم بلاغًا داخليًا رسميًا عن مخالفات محتملة في المشروع. وده من حقه، بل كان المفروض يعمل كده من بدري.
نادين همست
مخالفات مالية كمان؟
الدكتور عادل أومأ برأسه.
فيه فواتير بمبالغ كبيرة مقابل وحدات تبريد احتياطية، لكن سجلات المخازن بتقول إن جزءًا من الوحدات دي ما دخلش المصنع أصلًا. وفيه شركة توريد وسيطة قبضت مبالغ ضخمة، رغم إن المستندات اللي قدمتها مش متطابقة مع بيانات المورد الأصلي.
عمرو فتح عينيه بصدمة.
يعني إيه؟ إحنا كنا فاكرين إن كل قطع الغيار موجودة!
الدكتور عادل رد
وده بالضبط سبب خطورة الموضوع. لو النظام اتشغّل يوم العيد، كان ممكن يحصل عطل، والفريق يكتشف إن بعض قطع الغيار اللي المفروض تكون جاهزة للطوارئ مش موجودة أصلًا.
نادين بصت لشريف.
المرة دي، ما كانش فيه مجال لسوء الفهم.
كل الحكاية بدأت تبان قدامها بوضوح مخيف.
شريف ماكانش بيضغط على محمود عشان مجرد موعد تسليم.
كان محتاج محمود يوافق على التشغيل، عشان يبقى عنده توقيع المهندس المسؤول على اعتماد النظام.
ولو حصلت مشكلة بعد كده، كان هيقدر يقول إن الفريق الفني وافق، وإن الإدارة ما كانتش تعرف بوجود أي خطر.
لكن ليه اختار يوم العيد بالذات؟
الإجابة كانت على وشك إنها تظهر.
2. السر اللي كان شريف بيحاول يدفنه
الدكتور عادل وصل اللابتوب بالشاشة الكبيرة الموجودة في القاعة، وفتح سجل المراسلات الخاصة بالمشروع.
ظهر قدامهم إيميل من شريف لفريق التشغيل، بيطلب فيه إنهاء جميع الإجراءات قبل العيد، مهما كانت الملاحظات المتبقية.
بعده ظهر إيميل تاني من محمود، بيرفض فيه اعتماد النظام، وبيطلب وقف التشغيل لحين استكمال الاختبارات.
ثم ظهرت رسالة من شريف إلى أحد مسؤولي التوريد، مكتوب فيها بوضوح
لازم المشروع يتسلّم قبل نهاية الشهر، ومش عايز أي تأجيل جديد. خلّصوا الورق الناقص بالطريقة المناسبة، وأنا هتحمل مسؤولية الإجراءات الإدارية.
نادين قربت من الشاشة.
إيه المقصود بالطريقة المناسبة؟
الدكتور عادل رد
دي واحدة من النقاط اللي لسه بنتحقق منها. لكن فيه حاجة تانية أهم.
فتح ملفًا آخر، وظهر جدول بمبالغ مالية، وأسماء شركات، وتواريخ تحويلات.
كان فيه مبلغ كبير اتدفع لشركة توريد مسجلة باسم شخص تربطه صلة قرابة بأحد المسؤولين عن المشروع.
عمرو بدأ يقلب في الأوراق بسرعة.
استنى... الشركة دي إحنا رفضنا عرضها من ست شهور، بسبب إن أسعارها كانت أعلى من السوق!
الدكتور عادل أومأ.
ومع ذلك، ظهرت بعد كده كوسيط في عملية شراء جديدة، بمبلغ أعلى، ومن غير ما يكون فيه مبرر فني واضح.
شريف خبط بإيده على الترابيزة.
دي اتهامات خطيرة! وأنا مش هقبل إن حد يحاول يلبسني مخالفة مالية عشان مهندس زعلان من قرار إداري!
لأول مرة، نادين ما دافعتش عنه.
بصت له وقالت
طب ما تشرح لنا الفواتير دي، بدل ما تفضل تتكلم عن محمود؟
شريف اتلخبط.
أنا مش مسؤول عن كل فاتورة بتدخل الشركة. عندنا إدارة مالية، ومشتريات، ومراجعة داخلية.
الدكتور عادل رد
صحيح. وعشان كده إحنا طلبنا سجلات الموافقات الأصلية، مش مجرد نسخ الفواتير. والنسخ الأصلية موجودة في النظام الإلكتروني، وكل تعديل عليها متسجل باسم المستخدم اللي عمله.
شريف بقى ساكت.
وفي اللحظة دي، موبايل نادين رنّ.
كان اتصال من رئيس مجلس الإدارة.
ردت، وما إن سمعت أول جملة حتى وقفت من مكانها.
إيه؟! حضرتك بتقول إن التشغيل اتوقف؟
سمعت ثواني، وبعدها قالت
حاضر، أنا فاهمة... أيوه، الدكتور عادل موجود معانا دلوقتي.
قفلت المكالمة ببطء.
عمرو سألها
فيه إيه؟
نادين بصت للكل، وقالت
مجلس الإدارة أصدر قرارًا بوقف التشغيل لحد ما المراجعة تخلص. وكمان طلبوا وقف صلاحيات شريف على النظام المالي والفني مؤقتًا، لحد ما نعرف حقيقة اللي حصل.
شريف قام من مكانه بعنف.
إنتوا مش هتقدروا تعملوا فيا كده! أنا اللي بنيت المشروع ده، وأنا اللي جبت العقد!
الدكتور عادل رد بهدوء
محدش بيحكم عليك دلوقتي. لكن من اللحظة دي، ممنوع حذف أي مستند أو تعديل أي سجل متعلق بالمشروع، وكل البيانات هتتحفظ للمراجعة.
شريف بص حواليه، وكأنه بيدور على حد يقف في صفه.
لكن لأول مرة، ما لقاش حد.
ومع ذلك، كان لسه عنده ورقة أخيرة بيحاول يلعبها.
بص لنادين وقال
قبل ما تصدقي كلام محمود، افتكري إن إنتِ اللي وافقتي على تشغيل المشروع، وإنتِ اللي أصدرتي قرار إلغاء إجازته. لو الموضوع وصل للتحقيق، مش أنا لوحدي اللي هتحاسَب.
الجملة نزلت على نادين زي الحجر.
لأنه كان عنده حق في نقطة واحدة.
هي فعلًا اتخذت قرارها من غير ما تراجع التقارير بنفسها.
لكنها ما كانتش ناوية تهرب من مسؤوليتها.
قالت بصوت ثابت
أنا هتحمل مسؤولية قراري. بس مش هسمح لك تستخدم غلطي عشان تغطي على غلطك.
شريف ما ردش.
وبعد دقائق، طلب منه الدكتور عادل تسليم بطاقة الدخول الخاصة به، ومغادرة القاعة لحين انتهاء الإجراءات الإدارية.
خرج شريف وهو بيتمتم بكلام غاضب، لكن قبل ما الباب يقفل وراه، لفّ وبص لنادين.
إنتِ لسه ما تعرفيش محمود ده مين أصلًا.
وبعدين خرج.
الجملة فضلت ترنّ في ودن نادين.
لأنها فجأة افتكرت حاجة غريبة محمود كان بيشتغل في الشركة من تسع سنين، ومع ذلك، شريف طول عمره بيتعامل معاه كأنه خايف منه أكتر من أي موظف تاني.
3. مكالمة قلبت كل الحسابات
بعد خروج شريف، الدكتور عادل طلب من عمرو يجيب له النسخة الأصلية من سجل الاختبارات، بينما نادين خرجت للممر واتصلت بمحمود.
كان محمود وقتها وصل البيت.
فتح الباب، فجرَت ليلى عليه وهي لابسة فستانها الجديد اللي كانت مجهزاه للعيد.
بابا! إنت جيت بدري!
رفعها بين إيديه، وضحك لأول مرة من ساعات.
أيوه يا ستي، جيت بدري.
ليلى بصت لوشه، وبعدين سألت بقلق
مالك يا بابا؟ إنت زعلان؟
محمود حاول يبتسم.
شوية تعب بس يا حبيبتي.
ليلى نزلت من إيديه، وجريت ناحية ترابيزة الصالة، ورجعت ماسكة النجمة الورقية اللي كانت عملتها واحدة تانية شبه اللي في كارنيه الشغل.
طب خد دي كمان. عشان لو الأولى ضاعت، تفضل فاكر وعدك.
محمود حس بغصة في حلقه.
وهو بيحاول يخبي دموعه.
في اللحظة دي، موبايله رنّ.
ظهر اسم نادين على الشاشة.
ساب الموبايل يرنّ مرتين، وبعدين رد.
أيوه يا أستاذة نادين؟
صوتها كان مختلف عن الاجتماع تمامًا.
محمود، أنا محتاجة أتكلم معاك.
اتفضلي.
إحنا راجعنا التقارير، وعرفنا إن فيه مشكلة كبيرة في المشروع. مجلس الإدارة وقف التشغيل، والدكتور عادل موجود عندنا، وفيه مراجعة شاملة بتحصل دلوقتي.
محمود سكت.
نادين كملت
أنا عارفة إن اللي حصل بيني وبينك النهارده ماكانش مقبول. وأنا غلطت لما أخدت قرار من غير ما أسمعك للآخر. بس محتاجين مساعدتك عشان نعرف حجم الخطر الحقيقي.
محمود بص لليلى، اللي كانت واقفة قدامه ومستنية يعرفها هيعملوا إيه في العيد.
وبعدين قال
أنا كنت بحاول أوصل لحضرتك من أسبوع. بعت تقارير، وطلبت اجتماعات، ووضحت المخاطر. كل مرة كنت بلاقي الكلام بيتنقل لك بشكل مختلف.
نادين ردت بصوت مكسور
أنا عارفة. ومش هحاول أبرر ده.
محمود سكت لحظة، ثم قال
أنا مش هقدر أرجع الشركة النهارده. بنتي مستنياني، وأنا وعدتها أقضي معاها العيد.
نادين اترددت قبل ما ترد.
أنا مش بتصل عشان أطلب منك تيجي تشتغل يوم العيد. أنا بتصل عشان أقول لك إننا مش هنشغّل النظام من غير ما نعرف الحقيقة، وإن محدش هيجبرك تتنازل عن إجازتك.
محمود بص للنجمة اللي في إيد بنته.
كويس. لأن المشكلة ما كانتش إجازة وبس. المشكلة إن فيه ناس كانت مستعدة تخاطر بأمان المرضى عشان تلحق موعد التسليم.
نادين همست
عارف إنك عندك حق.
وبعدها طلبت منه يبعث لها نسخة من سجل الاختبارات، لو كان محتفظ بيها خارج نظام الشركة.
محمود وافق، لكنه وضح لها إنه مش هيرجع للمشروع إلا بعد ما تكون فيه مراجعة مستقلة، وضمانات تمنع تكرار اللي حصل.
نادين وافقت على كل شروطه.
وقبل ما يقفل، سألته
محمود، شريف قال لي قبل ما يمشي جملة غريبة. قال إنّي لسه ما أعرفش إنت مين أصلًا. تقصد إيه؟
محمود سكت فترة طويلة.
وبعدين رد
مش مهم أنا مين يا أستاذة نادين. المهم إن محدش فينا يبقى أكبر من النظام، ولا أصغر من إنه يقول الحقيقة.
وقفل المكالمة.
لكن نادين فضلت باصة للموبايل، وهي حاسة إن وراء الجملة دي حكاية لسه ما اتكشفتش.
4. ليه شريف كان خايف من محمود؟
تاني يوم، بدأت لجنة المراجعة تراجع كل المستندات المتعلقة بالمشروع.
محمود بعت نسخ التقارير اللي عنده، وسجل الاختبارات، ومراسلاته الرسمية اللي بتثبت إنه حذّر من الخلل أكتر من مرة.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما فريق المراجعة راجع سجل التعديلات الإلكترونية.
اكتشفوا إن فيه نتائج اختبارات اتغيرت بعد تسجيلها، وإن النسخة النهائية اللي وصلت للإدارة كانت مختلفة
متابعة القراءة