اول صوت سمعته
أول صوت سمعته بعد عشرين يوم وأنا غايبة عن الدنيا، كان صوت جهاز رسم القلب.
بيب... بيب... بيب...
وبعده على طول جه الوجع.
وجع في رقبتي.
وبعدين في ضلوعي.
وبعدين رجليّ... كأن حد مولّع نار جوه عضم رجلي.
فتحت عيني بالعافية.
السقف الأبيض فوق دماغي كان بيتهز قدامي، والدنيا كلها كانت ضباب.
حاولت أفتكر أنا فين.
آخر حاجة فاكرها كانت طريق مصرالإسماعيلية.
الدنيا كانت بتمطر.
نور عربية نقل كبير داخل في عيني.
رجلي دست على الفرامل بكل قوتي...
بس دواسة الفرامل كانت نازلة للآخر من غير ما تمسك.
وبعدين...
خبطة.
وبس.
مفيش أي حاجة بعدها.
أخيرًا الست هانم قررت تفوق.
عرفت الصوت قبل حتى ما ألف وشي.
جوزي.
كريم المنشاوي.
كان قاعد جنب شباك أوضة المستشفى الخاصة، لابس بدلة غامقة متكوية ومظبوطة، وشكله كأنه رايح اجتماع مجلس إدارة، مش واحد مراته لسه فاقت من غيبوبة بعد عشرين يوم.
مفيش دقن طالعة.
مفيش علامات إرهاق.
مفيش عينين حمرا من السهر.
ولا حتى شكل واحد كان خايف على مراته.
كان هادي جدًا.
هادي بشكل يخوف.
لكن كريم ماكانش لوحده.
كانت واقفة جنبه نادين فوزي.
مساعدتي التنفيذية السابقة.
الست اللي أنا بنفسي عيّنتها من تلات سنين.
لابسة بالطو بيچ، وكعب عالي، وفي إيدها شنطة هيرمس بيركن خضرا.
عرفتها فورًا.
كانت تمنها حوالي 20 ألف دولار.
يعني مبلغ يخلي الواحد في مصر يشتري شقة كويسة.
نادين قربت من سريري، وبكل برود خبطت الشنطة على طرف السرير.
وبصتلي بابتسامة مستفزة.
ياااه... حمداً لله على السلامة يا ليلى.
حاولت أتكلم.
حلقي كان ناشف وبيوجعني كأني بلعت زلط.
كريم...
جوزي قام من مكانه.
ولثانية واحدة...
افتكرت إنه ممكن يمسك إيدي.
ممكن يقول لي وحشتيني.
ممكن حتى يسألني أنا حاسة بإيه.
لكنه عمل حاجة تانية خالص.
طلع دوسيه أسود من شنطته.
وحطه فوق رجلي الملفوفة بالشاش.
بصيت للدوسيه.
وبعدين بصيتله.
إيه ده؟
فتح أول ورقة.
وفي أعلى الصفحة كان مكتوب
صحيفة دعوى طلاق.
حسيت إن نفسي اتقطع.
وقبل ما ألحق أستوعب، حط فوقها دوسيه تاني.
محضر اجتماع مجلس الإدارة.
وبعده واحد تالت.
قرار عزل ليلى المنشاوي من منصبها كرئيسة تنفيذية ورئيسة قسم التطوير والهندسة.
جسمي كله اتشد.
جهاز رسم القلب بدأ يسرّع.
بيب بيب بيب بيب...
رفعت عيني له.
إنت عملت إيه؟
كريم حط إيده على طرف السرير وقال بمنتهى الهدوء
كان لازم نتصرف وإنتِ غايبة.
غايبة؟
ضحك ضحكة صغيرة باردة.
عشرين يوم يا ليلى. عشرين يوم وإنتِ في غيبوبة. الدكاترة نفسهم ماكانوش عارفين هتفوقي ولا لأ.
سكت لحظة، وبعدين كمل
الشركة مش هتستنى.
أنا كنت فاكرة إن أكتر حاجة ممكن توجعني في اللحظة دي هي الحادثة.
طلعت غلطانة.
لأن الشركة اللي بيتكلم عنها...
كانت شركتنا.
أو على الأقل...
أنا كنت فاكرة إنها شركتنا.
اسمها كان
المنشاوي للحلول السيبرانية.
شركة بدأت من سبع سنين.
أنا وكريم بدأناها من أوضة صغيرة في شقتنا في التجمع.
هو كان بيبيع.
يقابل المستثمرين.
يطلع في المؤتمرات.
يتصور قدام الكاميرات.
أما أنا...
فكنت بقضي الليالي قدام اللابتوب.
أكتب كود.
أصلح أخطاء.
أبني أنظمة.
وأحيانًا أنام ساعتين على الكنبة جنب السيرفرات.
أنا اللي اخترعت النظام اللي خلى الشركة تكبر بالشكل ده.
نظام اسمه حارس.
برنامج حماية إلكترونية كان بيحمي معاملات وحسابات بنكية ومؤسسات مالية ضخمة في مصر والإمارات والسعودية ودول تانية.
وبفضل النظام ده...
الشركة وصلت لتقييم أكتر من مليار دولار.
مليار.
رقم أنا نفسي ماكنتش مصدقاه لما وصلنا له.
كريم بصلي وقال
مجلس الإدارة فعّل بند العجز المؤقت بسبب حالتك.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وأنا توليت الإدارة لحد ما الأمور تستقر.
بصيتله في عينه.
إنت مش من حقك...
قاطعني
أنا عملت ده خلاص.
الكلمة نزلت عليا زي القلم.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية.
نادين قربت أكتر.
ومسكت إيد كريم.
ساعتها فهمت.
بصيت لإيديهم.
وبعدين بصيت للشنطة الغالية.
وبعدين بصيت له.
وفجأة كل حاجة بقت واضحة.
نادين ابتسمت.
متبصيش كده يا ليلى.
ريحة البرفان بتاعها كانت مالية الأوضة.
كريم كان محتاج حد يقف جنبه الفترة اللي فاتت.
سكتت ثانية، وبعدين قالت
حد يكون موجود... ويفهم شغله... ومش محتاج حد يشيله.
حسيت بحرارة طلعت لوشي.
حاولت أرفع نفسي من السرير.
بس أول ما اتحركت، ألم رهيب ضرب ضهري.
وقعت تاني على المخدة.
كريم حتى ما حاولش يساعدني.
ولا مد إيده.
ولا سألني إذا كنت كويسة.
قال بمنتهى البرود
وبالمناسبة، النهارده عندنا أهم مؤتمر في تاريخ الشركة.
فتح دوسيه تاني.
طلع منه ورقة.
العقد الجديد.
بصيت في الورقة.
اتفاقية ضخمة مع تحالف بنوك وشركات استثمارية.
قيمة العقد؟
أكتر من ملياري دولار على مدار تمان سنين.
والمنتج الأساسي اللي هيقدموا بيه العرض...
كان حارس.
النظام اللي أنا بنيته بإيدي.
النظام اللي قضيت سنين من عمري وأنا بكتبه.
نادين رفعت شنطتها قدامي شوية.
وقالت وهي بتضحك
وبصراحة، دي كانت مجرد هدية صغيرة من أول مكافأة خدناها.
بصيت للشنطة.
وبعدين بصيت لها.
وفي اللحظة دي...
حسيت إن حاجة جوايا ماتت.
بس مش قلبي.
آخر ذرة ثقة كنت لسه محتفظة بيها في الاتنين.
كريم حط ورقة قدامي.
وقّعي هنا وهنا.
بصيت للورقة.
إمضي إنك مش هتطالبي بأي حق في إدارة الشركة، وفي المقابل هنضمنلك مصاريف العلاج وإعادة التأهيل.
ضحكت.
ضحكة قصيرة، رغم إن الضحك كان بيوجع ضلوعي.
يعني إنت بتشتري سكوتي...
بفلوس شركتي؟
وشه اتغير.
أنا بحاول أكون محترم معاكي.
نادين ضحكت.
اقبلي يا ليلى.
وبصتلي من فوق لتحت.
في أسبوع واحد خسرتي جوزك... شغلك... وشركتك.
قربت مني وقالت
مش شايفة إن كفاية كده؟
كريم قفل الدوسيه.
لبس جاكته.
وبصلي قبل ما يخرج.
المؤتمر هيبدأ الساعة اتناشر.
وبعدين وقف عند الباب.
وبلاش تعملي أي تصرف متهور.
الباب اتقفل.
سكتت الأوضة.
ثواني...
عشرة.
عشرين.
تلاتين.
استنيت لحد ما اتأكدت إنهم مش هيرجعوا.
وبعدين لفيت راسي ناحية لوحة التحكم اللي جنب السرير.
كان فيها زر صغير أحمر محدش تقريبًا بياخد باله منه.
ضغطت عليه مرتين.
استنيت.
بعد حوالي تلات دقايق...
الباب اتفتح.
دخلت دكتورة شابة لابسة بالطو أبيض.
لكنها أول ما قفلت الباب وخلعت الكمامة...
عرفتها.
صاحبتي الوحيدة اللي كنت واثقة فيها.
سارة فؤاد.
محامية متخصصة في