زعيم المافيا
وبعد لحظة طويلة، قال:
— فيه حاجة تانية يا باشا. فؤاد كان محتفظ بنسخة من التسجيل الأصلي لليلة الحادث. كان بيقول إنها وثيقة التأمين بتاعته، لو أي حد فكر يقلب عليه.
— فين النسخة دي؟
— في مخزن قديم تابع لشركة الشحن. بس ما أقدرش أأكد إنها لسه هناك.
طلبت منه يحدد المكان.
لكن قبل ما نتحرك، جالي اتصال من رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت فؤاد هادي، كأنه بيتكلم معايا في اجتماع عادي.
— صباح الخير يا ابن عمي.
قلتله:
— صباح النور يا فؤاد.
— سمعت إن فيه شوية مشاكل في نظام الأمن عندك. محتاج مساعدة؟
كان بيختبرني.
قلتله:
— أيوه. فيه حاجات كتير محتاجة تتصلح.
ضحك ضحكة خفيفة.
— ما تقلقش. هعدّي عليك النهارده، ونقعد نتكلم.
— مستنيك.
قفلت المكالمة.
وبصيت للفريق اللي واقف قدامي.
فؤاد كان عارف إن فيه حاجة حصلت.
يمكن ما يعرفش إحنا وصلنا لإيه، لكنه بدأ يتحرك.
والوقت بقى ضدنا.
في نفس اليوم، اتحركنا لمخزن شركة الشحن، ومعانا محامٍ مستقل وخبير أدلة رقمية.
المكان كان مهجورًا تقريبًا.
رفوف معدنية، كراتين قديمة، وأجهزة تسجيل من موديلات انتهى استخدامها من سنين.
بعد بحث طويل، لقينا غرفة صغيرة مقفولة خلف خزانة ملفات.
جوه الغرفة كان فيه جهاز تسجيل قديم، وعلبة معدنية فيها أقراص تخزين.
الخبير فحصها، وبعد ساعات قدر يسترجع تسجيلًا من ليلة مقتل كريم.
ظهر كريم في مكتب الشركة، بيتكلم مع شخص خارج نطاق الكاميرا.
الصوت كان واضحًا جزئيًا.
كريم قال:
«أنا عرفت التحويلات كلها. بكرة هسلّم المستندات للمحامي، ومش هسيب حد يدمّر الشركة.»
وبعدين ظهر فؤاد في الصورة.
دخل المكتب، وقف قدام كريم، وقال:
«إنت فاكر إنك تقدر تاخد كل حاجة من غير ما تدفع تمن؟»
كريم رد بغضب:
«دي فلوس العيلة، مش فلوسك لوحدك!»
التسجيل انقطع لثواني.
ولما رجع، كان فؤاد خارج المكتب، وكريم واقف لوحده، بيمسك تليفونه.
بعدها بدقائق، ظهر شخص تاني داخل الغرفة.
يوسف.
لكنه ما دخلش عشان يؤذي كريم.
دخل وهو بيحاول يحذره.
الصوت كان متقطعًا، لكننا قدرنا نسمع يوسف بيقول:
«لازم تمشي دلوقتي. فؤاد عرف إنك هتكشفه.»
كريم رد:
«لو هربت، هيخلّي Dante يفتكر إنك إنت اللي سرقت الفلوس.»
يوسف قال:
«سيبني أنا. المهم إنك تخرج من هنا.»
التسجيل انتهى قبل ما نعرف إيه اللي حصل بعد كده.
لكن بعد دقائق، ظهرت كاميرا خارجية وهي بتسجل خروج كريم من المبنى.
ثم ظهرت عربية بتتحرك وراه.
وفي زاوية الصورة، ظهر رقم لوحة العربية بوضوح.
لما راجعنا بياناتها، اكتشفنا إنها كانت مسجلة باسم شركة وهمية مرتبطة بسامي الدمنهوري.
ما كانش ده دليلًا كافيًا لوحده على كل تفاصيل الجريمة، لكنه كان خيطًا مهمًا، وفتح الطريق لكشف شبكة التحويلات والتلاعب.
والأخطر من ده كله، إن التسجيل أثبت إن يوسف كان بيحاول ينقذ كريم، مش يقتله.
أنا كنت محتاج أكتر من دليل.
كنت محتاج أعرف إيه اللي حصل في الدقايق اللي التسجيل اختفى فيها.
وفين الدليل اللي فؤاد كان بيخبيه؟
لكن الإجابة وصلتني من مكان ما كنتش متوقعه.
من ليلى.
### الفصل الرابع: السر اللي خبّاه أب تحت سرير بنته
لما رجعت القصر، لقيت ليلى قاعدة في الصالة مع أمها، مدام نادية.
كانت أمها مرعوبة، وبتعتذرلي للمرة العاشرة عن دخول بنتها أوضة الكمبيوتر.
قلت لها:
— بنتك ما عملتش حاجة غلط. بالعكس، هي اللي ساعدتني أكتشف اللي محدش قدر يكتشفه.
نادية بصت لبنتها، وبعدين قالت بتردد:
— يا باشا، فيه حاجة لازم تعرفها. يوسف قبل ما يموت بكام يوم، سلّمني ورقة وقال لي أخبيها في مكان ما حدش يقدر يوصله. أنا ما فتحتهاش، وخفت أديها لأي حد.
سألتها:
— الورقة فين؟
نادية سكتت لحظة.
— في بيتنا القديم. تحت لوح خشب في أوضة ليلى.
طلبت منها تجيبها، لكن ليلى قامت فجأة وقالت:
— أنا عارفة مكانها!
وبسرعة، جريت ناحية أوضة كانت أمها مجهزاها ليها في القصر.
رجعت بعد دقايق، وفي إيدها علبة صغيرة من الصفيح.
فتحتها قدامي.
جوه العلبة كان فيه ظرف مختوم، وصورة لكريم، وورقة مكتوب عليها بخط يوسف:
«لما الحقيقة تبان، ما تدورش على اللي كسب من موتي بس. دور على اللي حاول يوقف الموت، وما قدرش.»
فتحت الظرف.
لقيت رسالة طويلة، فيها تفاصيل عن اجتماع حصل قبل الحادث بيوم.
يوسف كان كاتب إنه اكتشف إن فؤاد بيحوّل فلوس الشركة لحسابات خارجية، وإن سامي بيساعده في تزوير الفواتير.
لكن كان فيه اسم تالت.
اسم ما ظهرش في أي مستند قبل كده.
الدكتور شريف ناصر، الطبيب الخاص للعيلة.
يوسف كان شاكك إن شريف زوّر تقريرًا طبيًا متعلقًا بحادث كريم، وإنه غيّر توقيت الوفاة في الأوراق الرسمية، عشان يدي فؤاد وقتًا كافيًا لترتيب الأدلة.
الرسالة ما أثبتتش إن الطبيب كان متورطًا بشكل قاطع، لكنها كانت سببًا كافيًا لفتح تحقيق مستقل في سجلات المستشفى.
اتصلت بالمحامي، وطلبت منه يتواصل مع الجهات المختصة، من غير ما نلفّق اتهام لحد أو نلمس أي سجل إضافي.
وبعد ساعات، ظهر أول خيط حقيقي.
التقرير الطبي الأصلي كان فيه توقيت مختلف عن النسخة اللي وصلتني وقت الحادث.
والتعديل اتسجل من حساب الطبيب.
لما واجهناه بالمستندات، انهار واعترف إنه وافق على تغيير التوقيت بعد ما فؤاد هدده بفضيحة مالية كان ممكن تدمّر حياته المهنية.
لكنه أكد إنه ما كانش يعرف إن التعديل هيُستخدم لتلفيق التهمة ليوسف.
وهنا بدأت الصورة تكتمل.
فؤاد ما اكتفاش بتدبير جريمة لإخفاء سرقة الأموال.
هو استغل كل شخص عنده نقطة ضعف، وكل غلطة ارتكبها حد، عشان يبني رواية واحدة تصدقها أنا.
أما يوسف، فكان بيحاول يجمع الأدلة عشان يكشفه.
ولما فشل، خبّى الدليل الأخير عند بنته.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد ما لقيتش له إجابة:
إيه اللي حصل فعلًا في آخر ساعة من حياة كريم؟
الإجابة كانت موجودة في التسجيل اللي فؤاد احتفظ بيه لنفسه.
ولما وصلنا للنسخة الكاملة، اكتشفنا إن اللي حصل كان أبشع من كل توقعاتي.
### الفصل الخامس: آخر مكالمة بين أخويا والراجل اللي اتهمته
التسجيل الكامل أظهر إن كريم خرج من الشركة بعد ما اكتشف التلاعب المالي.
فؤاد تبعه، وحاول يقنعه يسكت.
لكن كريم رفض.
قال له بوضوح:
«أنا هروح لـDante بنفسي. لو إنت بريء، مش هيحصلك حاجة. ولو مذنب، يبقى لازم تتحاسب.»
فؤاد رد:
«إنت مش فاهم إنك لو فتحت الموضوع ده، مش هتدمرني أنا بس. هتدمر اسم العيلة كله.»
كريم قال:
«الاسم اللي بيتبني على الجريمة مش اسم يستاهل يتدافع عنه.»
بعدها خرج كريم من المكان.
التسجيل ما أظهرش لحظة الحادث نفسها، لكنه أظهر فؤاد وهو بيجري مكالمة من تليفونه، وبيقول:
«الملف لازم يختفي قبل الصبح. ويوسف لازم يكون هو المتهم الوحيد.»
ثم ظهر سامي وهو داخل المكتب، بياخد نسخة من المستندات.
وفي تسجيل منفصل، سُمع فؤاد وهو بيطلب من مارك حذف جزء من كاميرات الممر، وتعديل توقيتات التسجيلات.
الدليل ما كانش مجرد اعتراف واحد.
كان سلسلة مترابطة من المستندات والتحويلات والتسجيلات، كل واحدة بتدعم التانية.
ولما المحامي راجعها، قال لي:
— عندنا دلوقتي أساس قوي لتقديم بلاغ رسمي، لكن لازم كل الأدلة تتسلم بالطريقة القانونية، وتتراجع من جهات مستقلة. أي مواجهة متسرعة ممكن تضيّع القضية.
وافقت.
ما كنتش عايز انتقام أعمى.
أنا كنت عايز حاجة أصعب.
كنت عايز الحقيقة تتقال قدام الناس اللي صدقت كذبتي، واللي شافوا يوسف خاينًا لمجرد إني قلت إنه خاين.
وفي الليلة دي، عملت حاجة ما حدش توقعها.
بعت لفؤاد دعوة لاجتماع عائلي في القصر، وقلتله إن فيه مشكلة كبيرة في الحسابات، وإننا لازم نحلها قبل ما الموضوع يوصل لأي حد.
فؤاد وافق فورًا.
لكن أنا ما كنتش ناوي أواجهه لوحدي.
المحامي كان موجودًا، والجهات المختصة كانت على علم بالأدلة، وكل التسجيلات الأصلية محفوظة في أكتر من مكان.
ولأول مرة، ما كانش فيه شيء مخفي.
ما عدا حاجة واحدة.
فؤاد ما كانش يعرف إن ليلى نفسها هي اللي اكتشفت أول خيط.
وما كانش يعرف إن الساعة القديمة اللي كان فاكرها مجرد ذكرى تافهة، هي اللي فتحت الطريق لكشفه.
### الفصل السادس: الليلة اللي انهارت فيها الإمبراطورية
وصل فؤاد الساعة تسعة مساءً.
دخل القصر بنفس الثقة المعتادة، لابس بدلته الغالية، وبيبتسم كأنه صاحب المكان.
أول ما شافني، مد إيده وسلم عليّا.
— مالك يا Dante؟ شكلك مش نايم بقالك يومين.
بصيتله وقلت:
— فعلًا. فيه حاجة اكتشفتها ومخلّياني مش قادر أنام.
قعد على الكنبة، وحط رجله فوق التانية.
— خير؟ قول.
حطيت قدامه ملف الحسابات.
قلب صفحتين، وابتسامته بدأت تختفي.
قلتله:
— عايزك تفسرلي التحويلات دي.
رد بسرعة:
— دي عمليات تجارية قديمة. ممكن يكون فيها أخطاء محاسبية، لكن مفيش حاجة خطيرة.
حطيت قدامه نسخة من التسجيل.
وشّه اتغيّر لما شاف نفسه داخل مكتب كريم.
حاول يتماسك.
— التسجيل ده ممكن يكون متعدل.
قلتله:
— عشان كده جبت النسخة الأصلية، ومعاها تقرير فني مستقل، وسجلات الحسابات، وشهادة مارك، والمستندات اللي بتربط التحويلات بالشركة الوهمية.
لأول مرة، فؤاد ما عرفش يرد فورًا.
بصلي طويلًا، وبعدين قال:
— إنت مصدق خدامة وبنتها أكتر من ابن عمك؟
كنت متوقع إنه يحاول يهينهم.
لكن اللي ما كانش متوقعه إني ما غضبتش.
قلتله:
— أنا مصدق الأدلة. ودي حاجة كان لازم أعملها من سنة.
ضحك بسخرية.
— إنت فاكر نفسك ملاك؟ إنت اللي حكمت على يوسف. إنت اللي ما سمعتلوش. إنت اللي كنت عايز دم عشان ترضي غضبك!
الكلام وجعني لأنه كان صحيحًا.
لكن اعترافي بغلطتي ما كانش هيخليني أسيب الجاني يفلت.
قلتله:
— أيوه، أنا غلطت. وغلطتي هتحاسبني عليها نفسي والقانون. لكن إنت مش هتستخدم غلطتي عشان تهرب من جريمتك.
فؤاد قام من مكانه.
— إنت مش هتقدر تثبت إني قتلت كريم.
قلتله:
— التحقيق هو اللي هيحدد مسؤوليتك عن موته. لكن تزوير الأدلة، والتلاعب بالحسابات، ومحاولة تلفيق التهمة ليوسف، كلها قدامنا بمستندات موثقة.
في اللحظة دي، دخل المحامي ومعاه ممثلون عن الجهات المختصة.
فؤاد بص ناحيتهم، وفهم إن الاجتماع ما كانش زي ما تخيل.
حاول يخرج، لكنه اتطلب منه يفضل مكانه لحد ما يتم استكمال الإجراءات.
صرخ:
— إنت فاكر إنك كده كسبت؟ الإمبراطورية دي مش بتاعتك لوحدك! كل اللي حواليك ليهم أسرار!
بصيتله وقلت:
— يمكن. بس من النهارده، محدش هيستخدم أسراره عشان يقتل بريء.
وهو بيتاخد لاستكمال التحقيق، لف ناحيتي للمرة الأخيرة.
قال بصوت منخفض:
— كان المفروض تقتل يوسف من غير ما تفكر. إنت ضعفت لما بدأت تشك.
الجملة دي كانت اعترافًا غير مباشر بحاجات كتير، لكنها ما كانتش بديلًا عن الأدلة.
رديت عليه:
— لأ يا فؤاد. أنا ضعفت يوم ما صدقتك من غير ما أسمع الراجل اللي كنت بعتبره أخويا.
خرج من القصر تحت الحراسة.
وأنا فضلت واقف مكاني.
ما حسّيتش بالانتصار اللي كنت متخيله.
ما حسّيتش إن الدنيا رجعت عادلة.
حسّيت بفراغ كبير، لأن الحقيقة وصلت متأخرة، بعد ما حياة إنسان انتهت، وبنت صغيرة كبرت وهي فاكرة إن أبوها مات والناس كلها شايفاه خاين.
لكن لسه كان عندي فرصة أصلّح جزءًا من اللي عملته.
كنت لازم أرجّع ليوسف اسمه، حتى لو ما قدرتش أرجّع له حياته.
### الفصل السابع: البنت اللي رفضت تاخد فلوس مقابل دموعها
بعد أسابيع، التحقيقات كشفت شبكة التلاعب كاملة.
سامي الدمنهوري اتواجه بالمستندات والتحويلات، وبدأ يتعاون مع المحققين بعد ما اتكشفت حساباته.
مارك اعترف بدوره في التلاعب بتسجيلات المراقبة، واتخذت الإجراءات القانونية بحقه.
أما الطبيب، فخضع للتحقيق في تغيير التقرير الطبي، واتراجعت كل السجلات اللي كان مسؤول عنها.
وبالنسبة لفؤاد، فقد تحولت الأدلة المتجمعة إلى قضية رسمية، واتحالت الوقائع للجهات القضائية المختصة، اللي بدأت تفصل في كل اتهام على حدة.
أنا من ناحيتي، سلّمت كل المستندات اللي عندي، ووقفت قدام المحققين واعترفت بالحقيقة كاملة.
اعترفت إني اتخذت قرارًا مصيريًا ضد يوسف بناءً على أدلة ما تحققتش منها بنفسي، وإن غضبي بعد موت كريم خلاني أصدق الرواية اللي اتقدمتلي.
ما حاولتش أبرر لنفسي.
ولا استخدمت نفوذي عشان أخفي مسؤوليتي.
وبعد ما الأدلة أثبتت إن يوسف كان ضحية تلفيق، صدر تصحيح رسمي للاتهامات المنسوبة إليه، واتسجلت براءته من الجريمة اللي اتهمته بيها.
لكن كان فيه شخص واحد لسه محتاج يسمع الحقيقة مني.
ليلى.
في يوم هادي، طلبت من نادية وليلى ييجوا القصر.
ما استقبلتهمش في المكتب الكبير، ولا خليت حد يناديهم من بعيد.
قابلتهم في الصالة الصغيرة اللي كانت ليلى بتحب تقعد فيها، وحطيت قدامها ملفًا فيه نسخة من القرار الرسمي، وصورة أبوها، وساعة الجيب القديمة.
قلت لها:
— يا ليلى، أنا وعدتك إني هعرف الحقيقة. والحقيقة إن أبوكي ما كانش خاين. هو حاول ينقذ أخويا، وحاول يمنع ناس من سرقة الشركة، لكنهم لفّقوا له التهمة.
ليلى بصت للورق، وبعدين سألتني:
— يعني الناس هتعرف إنه كان كويس؟
قلت:
— أيوه. مش بس الناس. كل الأوراق الرسمية هتوضح الحقيقة، وأنا هعلن مسؤوليتي عن الظلم اللي حصل له.
سكتت شوية.
وبعدين سألتني السؤال اللي كنت خايف منه:
— طب ليه صدقّت إن بابا وحش؟
ما لقيتش إجابة سهلة.