سراج وشمس

لمحة نيوز

في حادث سيارة وهو راجع من إحدى جلسات التحقيق.
الخبر وصل لشمس عن طريق شهيرة.
شمس، سراج في المستشفى.
شمس سكتت لحظة.
حالته إيه؟
عمل عملية، والدكتور بيقول إنه مستقر، بس محتاج يفضل تحت الملاحظة.
شمس حطت الموبايل على ودنها، وحست بقلق حاولت تخبيه حتى عن نفسها.
شهيرة قالت بهدوء أنا مش هطلب منك تروحي له. بس حبيت تعرفي.
قفلت شمس المكالمة، وفضلت قاعدة مكانها.
كانت تقدر تتجاهل الخبر.
تقدر تقول لنفسها إن سراج ما بقاش مسؤوليتها، وإن كل واحد فيهم اختار طريقه.
لكنها كانت عارفة إن مشاعرها أعقد من كده.
بعد ساعة، وصلت المستشفى.
دخلت غرفته، فلقته نايم، ووشه شاحب، وإيده فيها محلول.
وقفت عند الباب لحظة، ثم قربت من السرير.
سراج فتح عينيه ببطء، ولما شافها، اتفاجئ.
شمس؟
أيوه. أنا هنا.
حاول يتحرك، لكنها أشارت له إنه يفضل مكانه.
متتحركش. الدكتور قال إنك محتاج ترتاح.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
كنت فاكر إنك مش هتيجي.
شمس بصت له بجدية.
أنا جيت أطمن عليك، مش معنى كده إن كل حاجة اتصلحت.
فاهم.
ومش معنى كده إني سامحتك.
فاهم يا شمس.
سكت شوية، وبعدين قال بس أنا سعيد إنك هنا.
شمس حسّت إن قلبها بيدق أسرع، لكنها ما سمحتش لنفسها تتعلق بالكلمة.
قعدت على الكرسي جنبه، وقالت عارف يا سراج، أنا كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الجواز إن اتنين مختلفين يحاولوا يتفاهموا. لكن اكتشفت إن الأصعب إن واحد فيهم يقرر إنه عارف مصلحة التاني أكتر منه.
سراج بص لها، وقال وأنا مش هكرر الغلطة دي.
شمس ردت الكلام سهل.
عارف. عشان كده مش هطلب منك تصدقيني دلوقتي.
لأول مرة، حسّت شمس إن سراج مش بيحاول يكسب النقاش.
كان بيسمعها فعلًا.
وده ما كانش كفاية عشان ترجع له، لكنه كان بداية مختلفة.
بعد أيام، خرج سراج من المستشفى، ورجع لشقته بعيدًا عن بيت عيلته.
وشمس رجعت لحياتها.
لكنهم بدأوا يتكلموا من وقت للتاني.
مش عن الجواز.
ولا عن الحب.
كانوا بيتكلموا عن حاجات بسيطة، وعن شغلها، وعن خطواته الجديدة في الشركة، وعن أخطائهم القديمة.
وسراج، للمرة الأولى، ما كانش بيحاول يفرض نفسه في حياتها.
كان بيتعلم إزاي يبقى شخصًا تستحق إنها تختاره، مش شخصًا مضطرة تتحمله.
الفصل الثامن المرة دي شمس هي اللي اختارت
عدت ستة شهور.
في صباح يوم جمعة، كانت شمس بتجهز لمعرضها الأول الكبير، واللي قررت تسميه من غير أقنعة.
المعرض كان بيحكي من خلال الصور عن الناس اللي بيخفوا وجعهم ورا ابتسامة، وعن الشجاعة اللي بتحتاجها عشان الواحد يواجه الحقيقة بدل ما يهرب منها.
في وسط الزحمة، لمحت سراج واقف عند مدخل القاعة.
كان لابس بدلة بسيطة، وماسك باقة صغيرة من الزهور البيضاء.
لما قرب منها، قال مبروك يا شمس. سمعت إن المعرض اتكلموا عنه كتير.
ابتسمت. لسه الافتتاح ما بدأش أصلًا!
ضحك وقال أهو أنا بحجز مكاني من بدري.
شمس ضحكت، وبعدين سكتت وهي بتبص له.
كان مختلفًا فعلًا.
مش في شكله، ولا في طريقته في الكلام.
لكن في إنه ما بقاش بيحاول يثبت لها إنه الأقوى، أو إنه صاحب القرار.
قال سراج أنا مش جاي أطلب منك ترجعي. أنا بس حبيت أقولك إني فخور بيكي.
شمس ردت بهدوء شكرًا.
مد لها الزهور، وأول ما أخدتها، لاحظت إنه ما حاولش يقرب أكتر، ولا يستغل اللحظة عشان يطلب منها فرصة جديدة.
فقالت سراج؟
أيوه؟
لو أنا قررت أدي علاقتنا فرصة تانية، إنت فاهم إن ده مش معناه إننا هنرجع زي الأول؟
بص لها بتركيز، وكأنه مش مصدق اللي سمعه.
فاهم.
ومش معنى إننا متجوزين على الورق إن ليك حق تفرض عليا أي حاجة.
فاهم.
ولو كذبت عليا مرة تانية، أو حاولت تتحكم في حياتي بحجة إنك بتحميني، مش هيكون فيه فرصة تالتة.
سراج ابتسم، لكن عينيه كانت مليانة جدية.
حقك. وأنا موافق على كل كلمة.
شمس سكتت لحظة، وبعدين قالت أنا مش بديك الفرصة دي عشان نسيت اللي حصل. أنا بديها لنفسي كمان، عشان أشوف إذا كان ممكن نبني حاجة مختلفة، من غير أسرار ولا تهديدات ولا حد يقرر مكان التاني.
سراج أخد نفسًا طويلًا.
وأنا هثبت لك بالأفعال، مش بالكلام.
شمس ابتسمت.
كويس. لأن الكلام عندك كان محتاج إعادة تأهيل من الأول!
ضحك سراج بصدق، ولأول مرة ضحكت شمس معاه من غير ما تحس إنها بتخبي وجعها.
لكن قبل ما يمشي، وقفته وقالت على فكرة، لسه عندي طلب قديم.
إيه هو؟
رفعت حاجبها بنفس النظرة اللي كانت بتستفزه من أول يوم.
اعتذار محترم عن اللي حصل أول ليلة.
سراج فتح عينيه بدهشة.
إنتِ لسه فاكرة الموضوع ده؟!
فاكرة كل كلمة يا أستاذ سراج. اتفضل، أنا سامعاك.
وقف قدامها، وأخد نفسًا عميقًا، ثم قال بجدية أنا آسف يا شمس. آسف إني شكيت فيكي، وآسف إني حكمت عليكي من غير ما أسمعك، وآسف إني خليتك تحسي إنك غريبة في بيت كان المفروض تحسي فيه بالأمان. وإنتِ ما كنتيش تستحقي أي كلمة جرحتك مني.
شمس بصت له ثواني، وبعدين قالت أحسن. الاعتذار ده مقبول مبدئيًا.
مبدئيًا؟!
أيوه، عشان لسه هنشوف التنفيذ يا سراج!
ضحك، ومد إيده لها.
شمس بصت لإيده، ثم رفعت عينيها له.
وبعد لحظة، حطت إيدها في إيده.
مش لأنها نسيت الماضي.
لكن لأنها اختارت بنفسها تبدأ صفحة جديدة، بشروط واضحة وحدود محترمة.
النهاية جواز من غير خوف
بعد سنة، كانت شمس واقفة في شرفة بيتها الجديد، بتبص على القاهرة وهي بتلمع تحت شمس الصباح.
البيت ما كانش قصرًا ضخمًا، ولا هدية من سراج، ولا مكانًا اختاره لها من غير رأيها.
كان بيتًا اختاروه مع بعض، وكتبت ملكيته باسميهما وفق اتفاق واضح بينهم، وكل قرار فيه كان بيتاخد بالنقاش، مش بالأوامر.
شهيرة كانت بتزورهم كل أسبوع، وبدأت حياة جديدة بعيدًا عن الخوف والاختباء. علاقتها بشمس رجعت أقوى من الأول، بعدما اتعلموا إن الصراحة مش رفاهية بين الأخوات، لكنها أساس الثقة.
أما سراج، فترك إدارة الشركة العائلية القديمة بعد تسوية النزاعات القانونية، وبدأ مشروعًا مستقلًا باسمه، من غير نفوذ أبوه ولا أمواله.
العلاقة بينه وبين والده انتهت عند حدود القانون والحق، بعدما رفض سراج يتراجع عن شهادته، حتى لما حاولت العيلة تضغط عليه.
وفي يوم، كانت شمس بتجهز الفطار، لما دخل سراج المطبخ وقال شمس، هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
بصت له بحذر مصطنع.
لو السؤال عن الهدوم، فأنا هلبس اللي أنا عايزاه!
ضحك وقال لا، المرة دي السؤال عن الفطار.
اتفضل.
إنتِ ناوية تعملي إيه النهارده؟
شمس حطت الطبق على الطاولة، وقالت عندي شغل، وبعده هخرج مع شهيرة. وإنت؟
عندي اجتماع، وبعده هاجي أخدك ونروح نتعشى سوا لو حابة.
شمس ابتسمت.
لو خلصت شغلي بدري، ممكن.
سراج هز راسه، وباس جبينها بخفة بعد ما استأذنها بنظرة، ثم رجع يكمل تجهيز القهوة.
شمس بصت له وهو بيتحرك في المطبخ، وافتكرت أول ليلة، لما كانت واقفة قدامه بتطالبه باعتذار، وهو فاكر إن مجرد كونه زوجها يديه الحق يحكم عليها.
ابتسمت لنفسها.
لو حد قال لها وقتها إنها ممكن توصل للحظة دي، ما كانتش هتصدقه.
لكنها فهمت أخيرًا إن الحب مش إن حد يجري وراك عشان يمنعك تمشي، ولا إنه يخاف يخسرك فيتحكم فيك.
الحب الحقيقي إنك تقدر تمشي، لكنك تلاقي سببًا يخليك تختار تفضل.
وسراج، اللي كان فاكر إن القوة معناها إنه يخلي شمس تخاف منه، اتعلم إن أصعب وأهم حاجة ممكن يعملها هي إنه يخليها تحس بالأمان معاه.
أما شمس، فما بقتش الست اللي بتحاول تثبت لراجل إنها تستحق احترامه.
بقت الست اللي عارفة قيمتها، ومش بتقبل أقل منها.
وانتهت حكايتهم، مش لأن كل أخطائهم اختفت، لكن لأنهم أخيرًا اتعلموا يواجهوا أخطاءهم بدل ما يهربوا منها، وبنوا حياة اختاروها بإرادتهم هما الاتنين.

تم نسخ الرابط