حماتي لعبت
اللي حصل ده حادث! أنا كنت نازل أجيب الزجاجة، وفجأة الدنيا ولعت!
بصيتله في عينيه.
حادث؟ طب والتهوية اللي اتسدت؟ والغاز اللي اتلعب فيه؟ ووثيقة التأمين اللي غيرت المستفيد بتاعها من غير ما أمضي؟ ورسالة أمك اللي بتقول فيها إن كل حاجة بقت جاهزة؟
وشه اتبدل في ثانية.
حاول يضحك، لكن الضحكة خرجت متقطعة.
إنتِ بتقولي إيه؟ مين قالك الكلام ده؟
الكاميرات يا كريم. الكاميرات اللي إنت وأمك نسيتوا إنها موجودة.
فضل ساكت، وبعدين قال بصوت واطي
مريم، أنا أقدر أشرحلك كل حاجة.
ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
بعد سبع سنين جواز، وبعد ما كنت فاكرة إنك شريكي في كل حاجة، عايز تشرحلي إيه؟ إنك كنت ناوي تقتلني عشان تمانين مليون جنيه؟
دموع ظهرت في عينيه، لكنه مكنش بيبصلي زي واحد ندمان.
كان بيبصلي زي واحد اتقفش.
أمّي هي اللي بدأت الموضوع! هي اللي قالتلي إن المشروع ده كان المفروض يبقى ليا، وإنك طول عمرك بتتحكمي في كل حاجة!
سألته
وإنت صدقتها؟
صرخ بعصبية
أنا اللي كنت واقف جنبك! أنا اللي كنت بساعدك!
رديت عليه من غير ما أعلي صوتي
إنت كنت بتشتغل في شركتي، يا كريم. وأنا اللي اديتك الفرصة، وفتحتلك بيتي وحياتي. لكن إنت اخترت تاخد كل ده، وتاخد حياتي كمان.
سكت، وبعدين قال الجملة اللي أنهت آخر ذرة تردد جوايا
إحنا كنا هنخلص من الموضوع كله، وبعدها محدش كان هيعرف حاجة.
بصيتله لثواني.
شكرًا يا كريم.
استغرب.
شكرًا على إيه؟
عشان أخيرًا قلت الحقيقة بنفسك.
في اللحظة دي، اتفتح باب الغرفة، ودخل الضابط ومعاه فرد من الشرطة.
قال بهدوء
أستاذ كريم، الكلام اللي حضرتك قلته اتسجل ضمن أقوالك. هنحتاج نكمل التحقيق معاك لما حالتك تسمح.
كريم بصلي بصدمة.
أما أنا، فلفيت وخرجت من الغرفة من غير ما أقول كلمة تانية.
لكن القضية مخلصتش عند اعتراف كريم.
تاني يوم، استدعوا الحاجة نوال للتحقيق، وواجهوها بتسجيل الكاميرا والرسائل اللي اتبادلت بينها وبين ابنها.
في البداية، أنكرت كل حاجة.
قالت إنها كانت بتحاول تصلح مشكلة في التهوية، وإنها عمرها ما قربت من توصيلات الغاز.
لكن المحقق عرض عليها مقطع الفيديو، وبعده عرض الرسالة اللي كانت باعتاها لكريم
كله بقى جاهز زي ما طلبت يا ابني. بكرة أخيرًا هناخد حقنا.
وشها اتغير.
حاولت تقول إنها كانت تقصد حاجة تانية، لكن المحقق سألها سؤال واحد
حقكم في إيه، يا حاجة نوال؟ وإيه اللي كان المفروض يحصل لمريم؟
انهارت وبدأت تعيط.
لكن وسط عياطها، قالت جملة كشفت سر محدش كان يعرفه
هو اللي قاللي إن مريم لو ماتت، الشركة والتأمين هيبقوا بتوعه، وإنه هيديني حقي من الفلوس!
المحقق رفع عينه من الورق.
حقك إنتِ؟ يعني كان فيه اتفاق بينكم على الفلوس؟
سكتت.
لكن سكوتها جه متأخر.
الرسائل، وتسجيلات الكاميرات، وتعديل وثيقة التأمين، وكلام كريم في المستشفى، كلهم كانوا بيكملوا بعض.
ومع تقدم التحقيق، ظهرت تفاصيل أكتر عن محاولات كريم إنه يسيطر على حسابات الشركة، وعن أوراق كان بيحاول يجهزها عشان يبقى صاحب القرار بعد غيابي.
أما الحاجة نوال، فاكتشفوا إنها كانت بتساعده في ترتيب الخطة، على أمل إنها تاخد نصيب من الفلوس بعد موتي.
وفي النهاية، اتحال الاتنين للمحاكمة، وواجهوا اتهامات تتعلق بالتخطيط لقتلي، والتلاعب بالمستندات، ومحاولة الاستيلاء على أموالي.
عدّت شهور طويلة قبل ما القضية توصل لحكمها النهائي.
خلال الفترة دي، رجعت أشتغل في مشروعي، لكن المرة دي مكنتش بشتغل بنفس الطريقة القديمة.
غيّرت نظام الأمان بالكامل، وعيّنت فريق قانوني يراجع كل العقود والحسابات، وقطعت أي علاقة بين الشركة وأي حد كان بيستغل ثقتي.
كنت بتعب، وبصحى أوقات من النوم على صوت الانفجار اللي لسه عالق في وداني، لكن كل يوم كنت بفكر نفسي إن اللي حصل مكنش نهاية حياتي.
كان بداية حياة جديدة.
وفي يوم الحكم، قعدت في قاعة المحكمة، وإيدي متشابكة في بعضها.
الحاجة نوال كانت قاعدة في قفص الاتهام، ووشها أكبر بسنين من آخر مرة شفتها فيها.
أما كريم، فكان واقف بعيد عنها، ومقدرش يبص ناحيتي.
بعد سماع الأدلة وأقوال الشهود والتقارير الفنية، أصدرت المحكمة حكمها بإدانتهما ومعاقبتهما بالعقوبات المقررة قانونًا عن الجرائم اللي ثبتت في حقهما.
ولأول مرة من شهور، حسيت إن الحمل اللي كان على صدري بدأ يخف.
مش لأن الحكم هيعوضني عن الخيانة، ولا لأنه هيرجعلي الثقة اللي ضاعت.
لكن لأن الحقيقة ظهرت، ومبقاش فيه حد يقدر يقلبني أنا للمتهمة، ويطلع نفسه البريء.
بعد الجلسة، وأنا خارجة من المحكمة، سمعت صوت الحاجة نوال بيناديني
مريم! استني!
وقفت، لكن مالتفتّش ناحيتها.
قالت بصوت مبحوح
أنا عارفة إني غلطت بس ده ابني. كنت عايزة أأمّن مستقبله.
لفيت وبصيتلها.
وإنتِ فكرتي في مستقبلي أنا؟ فكرتي في إني بنيت كل ده بتعبي، وإن ليا أهل وناس بيحبوني، وإن حياتي مش تمن لحد ياخده عشان شايف نفسه أحق بيها؟
بدأت تعيط، وقالت
سامحيني يا بنتي.
رديت بهدوء
أنا مش هعيش عمري شايلة كره ليكي. لكن السماح مش معناه إني أرجع أثق فيكي، ولا إن اللي عملتيه يتنسي.
وسبتها ومشيت.
بعد سنة، كنت واقفة في أرض المشروع وقت الغروب.
الشمس كانت بتنزل ورا صفوف العنب، والعمال بيجهزوا للموسم الجديد، وصوت الضحك جاي من بعيد.
وقفت في نفس المكان اللي أبويا كان بيحب يقعد فيه، وبصيت للأرض اللي قضيت عمري ببني فيها حاجة تخصني.
افتكرت الليلة اللي اكتشفت فيها إن أقرب اتنين ليا كانوا بيخططوا لموتي.
وافتكرت قد إيه كنت زمان بفسر كل علامة تحذير على إنها سوء تفاهم، وكل كذبة على إنها غلطة، وكل إهانة على إنها حاجة لازم أعدّيها عشان البيت يفضل واقف.
لكن الحقيقة إن البيت اللي بيتبني على الخوف والخيانة، عمره ما بيكون بيت آمن.
طلعت الموبايل، وفتحت صورة قديمة ليا مع أبويا، كان فيها بيضحك وأنا واقفة جنبه وسط الأرض.
ابتسمت وقلت بصوت واطي
متقلقش يا بابا. أنا حافظت على اللي بنيته.
وبعدين قفلت الموبايل، ورفعت عيني ناحية المبنى الجديد اللي كنت بجهزه لتوسيع المشروع.
كريم خسر حريته، والحاجة نوال خسرت ابنها وحياتها اللي كانت متخيلة إنها هتعيشها على حسابي، وأنا استعدت حقي من غير ما أتحول لنسخة منهم.
أما أغلى زجاجة نبيذ في القبو، ففضلت مكانها.
مكنتش محتاجة أبيعها، ولا أفتحها في مناسبة.
خليتها ذكرى لليلة كنت ممكن أخسر فيها كل حاجة، لكني اخترت أواجه الحقيقة بدل ما أهرب منها.
ومن يومها، كل ما حد يسألني إزاي قدرت أبدأ من جديد بعد اللي حصل، برد عليه بنفس الجملة
أصعب حاجة مش إنك تكتشف إن حد بيكرهك أصعب حاجة إنك تكتشف إنك كنت بتأمنه على حياتك، وهو كان بيخطط ياخدها منك. بس طول ما إنت لسه عايش، تقدر تقف على رجليك، وتخلي الحقيقة هي اللي تقول الكلمة الأخيرة.
تمت.