حماتي كسرت
الجزء الأول حماتي كسرت باب الحمام وضربتني بالقلم وماكانتش تعرف إن اللي عملته هيضيّع عمرها ورا القضبان!
كنت باخد دش، وفجأة حماتي خبطت على باب الحمام برجليها لحد ما كسرته، واقتحمت المكان، ومدّت إيدها وضربتني بالقلم لدرجة إني وقعت على الأرض المبلولة!
وتفتكروا إيه كانت جريمتي الكبيرة؟ إني لسه ما حضرتش العشا لعيلتها اللي عايشين على قفايا!
صرخت في وشي وهي بتبصلي باحتقار
اتعلمي تخدمي جوزك يا فاشلة! إنتِ فاكرة نفسك هانم ولا إيه؟!
تلات سنين وأنا اللي شايلة مصاريف البيت كله، بدفع الفواتير، وبصرف على حماتي وولادها، وبحرم نفسي من حاجات كتير عشان أوفّر لهم حياة مريحة في البيت الكبير اللي عايشين فيه.
لكن في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت أو يمكن صحيت أخيرًا.
قمت من على الأرض، ولفّيت فوطة حوالين جسمي، وبصتلها بنظرة عمرها ما شافتها في عيني قبل كده، وردّيت لها الضربتين اللي وقعتوها على الأرض.
وبعدها خرجت تليفوني، وفعّلت نظام الكاميرات الخفية اللي كنت مركّباه من فترة.
حماتي ماكانتش تعرف إن كل حركة عملتها اتسجلت بالصوت والصورة، وإن القلم اللي مدّت إيدها بيه عليّا هيكون بداية نهايتها، وإنها ممكن تقضي بسببه 12 سنة ورا القضبان!
بس خلوني أرجع بيكم للبداية، عشان تفهموا إزاي ست كانت فاكرة نفسها ملكة البيت، اتحولت في لحظة واحدة لمتهمة بتترجّى الناس يسامحوها.
الحكاية بدأت من تلات سنين
كان يوم خريفي ممطر في القاهرة، والجو كئيب بشكل يخنق النفس. الغريب إن الجو برّه كان شبه حياتي بالظبط مطر، وضيق، وإحساس إن مافيش أي أمل في إن الشمس تطلع تاني.
كنت عندي 30 سنة، شغالة مديرة حسابات في شركة كبيرة في التجمع الخامس، ومرتبي الشهري كان 85 ألف جنيه.
يعني من المفروض إني أعيش مستريحة، أرجع من شغلي أرتاح، وأخرج مع صحابي، وأحقق لنفسي الحاجات اللي بحلم بيها.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
أنا كنت متجوزة واحد اسمه شريف، واللي اكتشفته بعد الجواز إنه مش راجل مسؤول زي ما كنت فاكرة، لكنه شخص اتعود ياخد كل حاجة من غير ما يدي أي حاجة في المقابل.
وشريف ماكانش لوحده، ده كان وراه عيلة كاملة شايفاني ماكينة فلوس وخدامة تحت الطلب!
كل يوم، الساعة ستة ونص بالليل، زملائي في الشغل كانوا بيقفلوا أجهزتهم ويلمّوا حاجتهم ويمشوا.
إلا أنا.
كنت بفضل قاعدة قدام الكمبيوتر، وسط أكوام الفواتير والتقارير، أحاول أخلص شغل آخر الشهر، وعيني بتوجعني من التركيز، وظهري بيتكسر من القعدة بالساعات.
وفي كل مرة كنت أبص فيها للساعة، كنت ببقى عارفة إن اللي مستنيني في البيت أصعب من الشغل نفسه.
وفجأة، تليفوني رن.
كانت نغمة شريف اللي حطاها مخصوص ليه.
أول ما سمعتها، حسيت إني داخلة على خناقة جديدة، فخدت نفس طويل ورديت.
ما لحقتش حتى أقول ألو، لقيته بيزعق في ودني
إنتِ فين يا ست هانم؟! هو إنتِ ناوية ترجعي الساعة كام؟! إحنا نموت من الجوع يعني؟! هو بيتنا ده فندق؟!
غمضت عيني من كتر الإرهاق، وحاولت أتكلم بهدوء.
يا شريف، اهدى شوية. عندي مراجعة حسابات مهمة، ولسه مخلّصتش. أنا سايبة فراخ وخضار في التلاجة، سخّنوهم واعملوا أي حاجة لحد ما أرجع.
ردّ عليّا بصوت أعلى
إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ عايزاني أقول لأختي تنزل المطبخ تطبخ؟! ده هي لسه عاملة ضوافرها امبارح! وبعدين أخويا راجل، يعني عايزاه يدخل المطبخ ويطبخ لنفسه؟! هو إحنا جبناكي البيت ليه؟!
سكت لحظة، وبعدها كمل بمنتهى الوقاحة
إنتِ طول النهار قاعدة في مكتب مكيفة، وآخرك تروحي بيتك تعملي لنا الأكل. بطّلي دلع وتعالي حالًا!
وقفل السكة في وشي.
فضلت باصة للتليفون كام ثانية، وبعدها ضحكت ضحكة صغيرة كلها قهر.
شريف كان عنده محل صغير لإكسسوارات الموبايلات، بالكاد بيكسب منه عشرة آلاف جنيه في الشهر، وكان بيصرف أغلب الفلوس على الألعاب والقعدات مع أصحابه.
أما أخوه مروان، فكان عنده 25 سنة، لا شغل ثابت ولا مستقبل واضح، وغرقان في ديون المراهنات والقمار.
وأخته داليا، اللي عندها 22 سنة، لا بتدرس ولا بتشتغل، لكن طلباتها ما بتخلصش، وكل يوم عايزة لبس جديد وخروجات وفلوس.
وفوق كل دول كانت حماتي الحاجة نوال، اللي مقتنعة إن الست اللي بتتجوز ابنها لازم تعتبر نفسها خدامة عند العيلة كلها، وإن أي فلوس بتكسبها لازم تتحط تحت رجليهم.
بعد خمس دقايق بس، تليفوني رن تاني.
المرة دي كانت حماتي.
رديت، فسمعت صوتها وهي بتزعق كأنها واقفة جنبي
إنتِ فين يا قليلة الأدب؟! إيه يا بت، بقيتي تتأخري على البيت وتسيبي جوزك جعان؟! إنتِ فاكرة إن عشان بتقبضي كام قرش تبقي أحسن من ابني؟!
حاولت أشرح لها إن عندي شغل ضروري، لكنها ما سابتنيش أكمل.
أنا اللي ربيت راجل، مش عشان ييجي في الآخر مراته تتحكم فيه! إنتِ لو مش قد مسؤولية البيت والجواز، الباب يفوّت جمل!
المرة دي ما رديتش.
قفلت التليفون، لمّيت حاجتي، وخرجت من الشركة وأنا حاسة إن أعصابي خلاص وصلت لآخرها.
ركبت عربيتي، وسقت وسط الزحمة والمطر، ومعدتي فاضية من الصبح، وكل اللي كنت بفكر فيه إني أوصل البيت، آخد دش سخن، وأنام حتى لو ساعة واحدة من غير ما أسمع صوت حد.
لكن أول ما فتحت باب الشقة في التجمع الخامس، حسيت إن كل الطاقة اللي كانت باقيالي اتسحبت مني.
كرتون البيتزا مرمي على الأرض، وبواقي الأكل في كل مكان، وعلب المشروبات متكومة فوق الترابيزة، وقشر اللب مالي السجادة.
وشريف كان ممدد جسمه على كرسي المساج اللي أنا اللي اشتريته من فلوسي، لابس السماعة، وبيزعق في أصحابه وهو بيلعب أونلاين.
أما داليا، فكانت قاعدة على الكنبة بتتفرج على فيديوهات في موبايلها، وأظافرها الطويلة المزينة بالفصوص بتلمع تحت النور.
أول ما شافتني، بصتلي من فوق لتحت وقالت بسخرية
الله! أخيرًا الهانم شرفت! إيه يا حبيبتي، هو إنتِ فاكرة إن البيت هينضف نفسه؟ يلا، ما إنتِ جيتي أهو، قومي شوفي وراكي إيه.
بصيت للأرض، وبعدها بصيتلها، لكني ما قلتش كلمة.
وقبل ما أخلع الجزمة حتى، خرجت حماتي من المطبخ، لابسة روب أحمر، ووقفت قدامي وهي مشيرة بصباعها في وشي.
اسمعي يا بت إنتِ! طول ما إنتِ داخلة البيت ده على ذمة ابني، يبقى تخدميه وتخدمي أهله! إنما لو مش عاجبك، الباب مفتوح، واللي يطولك ما يلزمكيش!
بصيتلها بهدوء غريب، الهدوء اللي بييجي للواحد لما يكون استهلك كل دموعه وكل طاقته في الزعل.
ما رديتش.
دخلت أوضتي، طلعت هدوم نظيفة، وروحت الحمام عشان آخد دش سخن وأفصل عن العالم كله شوية.
كنت محتاجة بس عشر دقايق من الهدوء.
عشر دقايق من غير أوامر، ولا شتيمة، ولا حد يفكرني إني مسؤولة عن إطعام عيلة كاملة لمجرد إني اتجوزت ابنهم.
لكن حتى اللحظة البسيطة دي ما سابوهاليش.
وأنا واقفة تحت الميه، سمعت خبط عنيف على باب الحمام.
افتحي يا بت! افتحي بقولك!
كانت الحاجة نوال.
ما رديتش، وقلت لنفسي إنها هتزهق وتمشي.
لكن الخبط زاد، وبعده سمعت صوتها وهي بتصرخ
إنتِ بتتجاهليني يا قليلة الرباية؟! افتحي الباب بدل ما أكسره على دماغك!
وفجأة
ضربة برجليها هزّت الباب، وبعدها ضربة تانية خلت القفل يتخلع!
الباب اتفتح بعنف، وحماتي دخلت عليّا وهي وشها أحمر من الغضب، وعينيها مليانة شر.
حاولت أغطّي جسمي بسرعة، وقلت بصدمة
إنتِ بتعملي إيه؟! إنتِ إزاي تقتحمي الحمام عليّا؟! اطلعي برّه حالًا!
لكنها ما سمعتش كلامي.
قربت مني، مسكتني من شعري المبلول وشدّت راسي لورا، وبعدها رفعت إيدها وضربتني بالقلم بكل قوتها.
طراااخ!
حسيت إن ودني صفّرت، والدنيا اسودّت قدام عيني للحظة.
رجلي زحلقت على الأرض المبلولة، فوقعت وأنا بحاول أحمي نفسي، والميه السخنة بتنزل على وشي وخدي اللي بدأ يورم.
وهي واقفة فوق دماغي، بتبصلي باحتقار، وبتزعق
اتعلمي الأدب يا بت! أنا أقولك تعملي أكل، تعملي أكل! إنتِ فاكرة نفسك مين؟! إنتِ هنا عشان تخدمي ابني، مش عشان تتدلعي علينا!
في اللحظة دي، بصيتلها من الأرض.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزت شريف، ما خفتش منها.
ما فكرتش في شكل الخناقة، ولا في كلام الناس، ولا حتى في إن جوزي ممكن يزعقلي بعد شوية.
كل اللي شوفته قدامي كان ست تعدّت كل الحدود، وافتكرت إن سكوتي ضعف، وإن احترامي ليها معناه إنها تقدر تهينني وتضربني من غير حساب.
حطيت إيدي على خدي، وخدت نفس عميق.
وبعدين قمت ببطء، ولفّيت فوطة كبيرة حوالين جسمي، ووقفت قدامها.
هي بصتلي باستغراب، وكأنها كانت متوقعة إني أعيط وأترجاها وتقول لي إنها هتسامحني!
لكن اللي حصل بعدها ماكانش في حساباتها أبدًا
رفعت إيدي، وردّيت لها القلم اللي ضربتهولي.
ولما حاولت تمد إيدها عليّا تاني، ضربتها مرة كمان، فوقعت على الأرض وهي بتصرخ.
يا بنت المجنونة!