امي طردتني
يوم وتعرف إنك عمرك ما كنت طفل منسي.
حسيت إن صدري اتقفل من كتر المشاعر.
خدت المنديل، وطويته بعناية، وحطيته في جيب البدلة.
هلبسه النهارده، يا أمي. وهفضل محتفظ بيه طول عمري.
في الفرح، أمي كانت قاعدة في الصف الأول.
لما جه وقت الرقص، قربت منها ومديت إيدي.
تسمحي لي بالرقصة دي؟
بصت لي وهي مش مصدقة.
أنا؟!
ضحكت.
أيوه إنتِ. ده أنا مستني أرقص معاكي من يوم ما اتولدت تقريبًا!
وقفت، وحطت إيدها على كتفي، وبدأنا نتحرك ببطء على أنغام الموسيقى.
كانت بتعيط، وأنا كمان كنت بحاول أخبي دموعي.
همست لي
أنا آسفة يا ابني.
قربت منها وقلت
أنا سامحتك يا أمي. بس أوعي تسيبيني تاني.
حضنتني بقوة، وردت
عمري ما هسيبك تاني.
ومن بعيد، شفت مريم بتبتسم وهي بتمسح دموعها.
في اللحظة دي، حسيت إن فيه جزء كبير من حياتي أخيرًا رجع لمكانه.
مش لأن الماضي اتصلح بالكامل، لكن لأننا أخيرًا بقينا نقدر نتكلم عنه من غير خوف.
9. المفاجأة الأخيرة اللي ما كنتش أتوقعها
بعد الفرح بحوالي شهرين، كنت براجع أوراق قديمة مع داليا عشان ننهي بعض الإجراءات الخاصة بممتلكات أبويا.
وأثناء مراجعة الملفات، ظهرت ورقة إضافية من ضمن المستندات اللي كانت في الخزنة.
كانت رسالة قصيرة بخط أبويا، موجهة لأمي، ومكتوب عليها
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى غالبًا أنا ما قدرتش أرجع لك زي ما وعدتك.
نادية، لو حصل لي أي حاجة، أوعى تخلي أحمد يكبر وهو فاكر إن الحب ضعف، أو إن الفلوس أهم من الناس.
أنا عارف إنك قوية، وعارف إنك هتحاولي تحميه بأي طريقة. لكن لو اضطريتي تبعدي عنه، خليه يعرف يومًا ما إن أبوه كان فخور بيه قبل حتى ما يعرف هيبقى إيه لما يكبر.
أنا ما سبتش لابني ثروة كبيرة، لكن سبت له اسمًا أتمنى يفضل نضيف، وحقه في إنه يعرف الحقيقة.
قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين اكتشفت إن فيه ورقة تانية مرفقة، عبارة عن مستند قديم يثبت إن أبويا كان ليه حصة قانونية في شركة صغيرة كان شريك فيها قبل وفاته.
الحصة دي ما كانتش هتخليني مليونير، لكنها كانت حق قانوني ليا، واتضح إن جزءًا منها اتنقل بشكل غير سليم بعد وفاته.
بمساعدة داليا، قدرنا نراجع المستندات ونبدأ الإجراءات القانونية لاسترداد الحق المستحق.
وبعد فترة، حصلنا على تسوية قانونية أعادت لي جزءًا من حقوق أبويا، من غير ما أحتاج أتنازل عن أي مبدأ أو أدخل في مساومات مع حد.
لكن الغريب إن الموضوع ما بقاش فارق معايا زي ما كنت متخيل.
لأني في الوقت اللي كنت بدور فيه على فلوس أو ميراث أو إجابة لسؤال قديم، اكتشفت إن أغلى حاجة ممكن ترجع للإنسان مش المال.
أغلى حاجة كانت إني عرفت إن أبويا ما ماتش وهو ناسي ابنه، وإن أمي ما سابتنيش لأنها ما حبتنيش.
ومع ذلك، ما كانش ينفع أعتبر إن الحب لوحده يمسح كل الأذى.
عشان كده، أنا وأمي اتفقنا إننا نبدأ علاقتنا بهدوء، من غير وعود كبيرة، ومن غير ما نحاول نتظاهر إن تلاتين سنة من الغياب ما حصلوش.
كنا بنتقابل كل أسبوع، ونتكلم عن حاجات بسيطة.
عن شغلي، وعن تجهيز شقتي، وعن مريم، وعن طفولتي اللي ما حضرتهاش.
وفي كل مرة، كانت أمي تحاول تعوضني عن تفصيلة صغيرة.
مرة تجيب لي أكلة كنت بحبها وأنا صغير، ومرة تطلب مني أوريها صور المدرسة، ومرة تقعد تسمعني وأنا بحكيلها عن أول يوم دخلت فيه الجامعة.
ما كانتش بتطلب مني أنسى.
كانت بتحاول تبقى موجودة.
وده كان كفاية عشان نبدأ.
10. بعد سنة كاملة رجعت لنفس المحل
في الذكرى الأولى لليوم اللي قابلت فيه أمي، طلبت منها تيجي معايا لمحل الحلويات القديم.
المحل ما بقاش بتاع رؤوف. بعد القضية، الإدارة اتغيرت، وتمت مراجعة الحسابات، ومروان قرر يبيع حصته ويبدأ مشروع صغير بعيد عن إرث أبوه.
أما أمي، فاختارت تخرج من الحياة اللي كانت محبوسة فيها، وتعيش في شقة قريبة من بيتي.
لما دخلنا المحل، وقفت عند نفس المكان اللي كنت واقف فيه أول مرة.
المكان اللي اتقال لي فيه
إحنا هنا مش بنخدم الشحاتين!
بصيت لأمي، وابتسمت.
فاكرة اليوم ده؟
نزلت عينيها بحزن.
عمري ما هنساه. ده اليوم اللي شوفتك فيه بعد تلاتين سنة، وكنت قريبة منك لدرجة إني كنت أقدر ألمسك، ومع ذلك كنت خايفة أقول لك إنت مين.
قلت لها
وأنا عمري ما هنسى اللحظة اللي شفتك فيها بتعيطي على المنديل.
مديت إيدي وطلعت المنديل من جيبي.
كان متحفظ في علبة صغيرة، ونصاه متخيطين مع بعض بخيط جديد، مع الاحتفاظ بالغرز القديمة والعصفور الأزرق.
حطيته في إيدها.
خلي بالك منه. ده مش مجرد ذكرى. ده اللي رجّعني ليكي.
أمي ضمت المنديل لصدرها، وبعدها بصت لي وقالت
أنا عارفة إنك مش هتقدر تنسى كل اللي حصل، ومش هطلب منك كده. بس نفسي تعرف حاجة واحدة.
إيه هي؟
لو رجع بيا الزمن، كنت هحاول أحميك بطريقة تانية. كنت هحارب أكتر، وأدور على طريق أقدر أشوفك بيه، حتى لو من بعيد. أنا خسرت سنين من عمري بسبب الخوف، ومش عايزاك تخسر سنين من عمرك بسببي.
مسكت إيديها.
الماضي مش هيتغير يا أمي. بس إحنا نقدر نختار نعمل إيه من دلوقتي.
في اللحظة دي، دخل طفل صغير مع أبوه، ووقف قدام واجهة الحلويات، وبدأ يشاور على قطعة جاتوه بالشوكولاتة.
أبوه ضحك، وشاله على دراعه.
المشهد كان بسيط جدًا، لكنه خلاني أفكر في كل اللحظات اللي فاتتني مع أمي، وكل أعياد الميلاد اللي عدت من غيرها، وكل مرة كنت محتاج فيها حضن وما كنتش فاهم ليه هي مش موجودة.
حسيت بوجع، لكن المرة دي ما حاولتش أخبيه.
لأن التعافي مش معناه إنك تنسى.
معناه إنك تقدر تفتكر من غير ما الذكرى تكسرك كل مرة.
خرجنا من المحل، وأمي ماشية جنبي.
وقبل ما نركب العربية، وقفت فجأة وقالت
أحمد؟
نعم يا أمي؟
ابتسمت وسط دموعها.
ينفع أناديك يا ابني؟
بصيت لها، وقلبي اتملّى بحاجة عمري ما عرفت أوصفها.
إنتِ ناديتيني يا ابني قبل ما أعرف أنطق اسمي أصلًا. وهتفضلي تناديني كده طول عمرك.
حضنتني، وأنا حضنتها.
المرة دي، ما كانش فيه زجاج بيننا.
ما كانش فيه رؤوف واقف يهددها.
ما كانش فيه سر بيمنعها من إنها تقول الحقيقة.
كان فيه أم وابنها، بيحاولوا يستردوا حياة ضاعت منهم، خطوة بخطوة.
وفي اللحظة دي فهمت إن نص المنديل ما كانش دليل على إن أمي افتكرتني بعد تلاتين سنة كان دليل على إنها ما نسيتنيش في يوم واحد من التلاتين سنة دول.
أما أنا، فبطلت أسأل نفسي السؤال اللي طاردني طول عمري
ليه أمي ما حبتنيش؟
لأني أخيرًا عرفت إن السؤال نفسه كان مبني على كذبة.
أمي حبتني.
لكنها خافت، وسكتت، واختارت طريقًا كان ثمنه غالي جدًا.
وده ما يمسحش وجع السنين، لكنه خلاني أفهم الحقيقة كاملة.
النهاية.