امي طردتني
المحتويات
لوحدك.
قفلت المكالمة وأنا قلبي بيدق بعنف.
إزاي خالي عرف إني روحت لها؟ وليه أول ما قلت له اسمها، اتكلم كأنه كان مستني اليوم ده من سنين؟
1. الصندوق اللي خالي خبّاه تلاتين سنة
تاني يوم الصبح، روحت بيت خالي في شبرا.
أول ما دخلت، لقيته قاعد على الكنبة القديمة، قدامه صندوق خشب صغير، ومراته أمينة قاعدة جنبه وعيونها حمرا من العياط.
خالي أشار لي أقعد.
قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرف إن فيه سر خبّيناه عنك سنين طويلة. مش عشان كنا عايزين نضحك عليك، لكن عشان كنا خايفين عليك.
بصيت له بصدمة.
سر إيه يا خالي؟ أنا عشت عمري كله فاكر إن أمي سابتني بمزاجها!
أمينة غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط.
خالي فتح الصندوق وطلع منه جواب قديم، لونه أصفر، ومكتوب عليه بخط إيد ست
إلى حسن لو حصل لي أي حاجة، أوعى تسيب أحمد في إيد رؤوف الشامي.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
مين اللي كتب الجواب ده؟
خالي بص لي في عيني وقال
أمك يا ابني. نادية هي اللي كتبته.
مسكت الجواب بإيد بتترعش، وبدأت أقرأ.
يا حسن، أنا مش عارفة إذا كان الجواب ده هيوصلك ولا لأ، لكن لو وصل، يبقى غالبًا رؤوف عرف إني بحاول أحمي ابني.
أنا عارفة إنك هتستغرب لما تعرف إني بطلب منك تاخد أحمد وتربيه بعيد عني. بس صدقني، أنا مش بتخلى عنه.
أنا بحاول أنقذه.
رؤوف مش الراجل اللي الناس فاكراه. هو عايز ابني يختفي من حياتي للأبد، ومش هيسمح لي أكون أمه طول ما أنا عايشة معاه.
لو اضطررت أقول قدام الناس إني مش عايزاه، صدقني يا حسن، ده هيكون عشان أخليه يعيش.
خلي بالك منه. وخليه يعرف إنه اتولد من أم كانت بتحبه أكتر من نفسها.
وقفت عن القراءة.
حسيت إن الحروف بتتحرك قدام عيني.
رفعت راسي لخالي.
إنت كنت عارف إن أمي بتحبني؟! طب ليه سيبتني تلاتين سنة فاكر إنها باعتني؟!
خالي نزل عينيه للأرض.
عشان ده كان اتفاق بيني وبينها. يوم ما جبتك البيت، كانت واقفة بعيد، مستخبية في عربية في آخر الشارع. شفتها بعيني وهي بتعيط وبتحاول تمنع نفسها من إنها تجري عليك.
طب ليه ما قالتليش الحقيقة لما كبرت؟ ليه ما دورتش عليا؟!
خالي اتنهد وقال
حاولت يا أحمد. كذا مرة. بس كل مرة كانت بتوصل لنا رسالة تهديد، أو حد يراقب البيت. وفي مرة، لقينا ورقة تحت الباب مكتوب فيها إن أي محاولة للتواصل معاها هتخليك تدفع التمن.
بصيت لأمينة.
هزت راسها وهي بتعيط.
أمك كانت بتبعت فلوس لعلاجك لما كنت تعبان وإنت صغير، بس كانت بتبعتها عن طريق ناس ما نعرفهمش. وهي اللي ساعدتنا ندخلك مدرسة كويسة. حتى مصاريف كليتك، جزء كبير منها كان بييجي من حساب باسم مش معروف لينا.
افتكرت فجأة سنين الجامعة.
كنت فاكر إن خالي باع أرض صغيرة ورثها عشان يدفع مصاريفي، وعمري ما شكيت في كلامه.
قلت بصوت مخنوق
يعني هي كانت بتراقبني من بعيد طول السنين دي؟
خالي هز راسه.
كانت بتسأل عليك من وقت للتاني، من غير ما تشوفك. وآخر مرة كلمتني كانت من حوالي سبع سنين. قالت لي إنها لو فضلت على قيد الحياة، نفسها تشوفك يوم فرحك.
سكت لحظة، وبعدها كمل
بس كان فيه شرط واحد ما تقربش منها طول ما رؤوف عايش وقادر يوصل لك.
حسيت بغضب شديد.
رؤوف ده مين بالظبط؟ وليه كل الخوف ده منه؟
خالي قفل الصندوق، وبص لي نظرة عمري ما هنساها.
لأنه مش بس جوز أمك يا أحمد. ده الراجل اللي دمّر حياة أبوك الحقيقي.
2. الحقيقة اللي محدش كان عايزني أعرفها
كنت فاكر طول عمري إن أبويا مات بسبب المرض.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
خالي حكى لي إن أبويا، اسمه محمود، كان محاسب في شركة كبيرة، وإنه اكتشف قبل موته بفترة وجود تلاعب في حسابات الشركة.
الشركة دي كانت مملوكة لشريك اسمه رؤوف الشامي.
محمود اكتشف إن فيه مبالغ ضخمة بتتسحب من حسابات الشركة، وإن فيه فواتير مزورة بتتقدم للبنوك، وقرر يبلغ الجهات المختصة.
لكن قبل ما يعمل كده، حصلت أزمة كبيرة.
أبويا مات فجأة في حادث عربية على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي.
الشرطة وقتها اعتبرت الحادث قضاء وقدر، ومحدش قدر يثبت إن فيه شبهة جنائية.
بعد وفاة أبويا، رؤوف قرب من أمي بحجة إنه صديق قديم لجوزها، وإنه عايز يساعدها تربي طفلها.
كان بيقدم لها مساعدات مالية، وبيظهر قدام الناس كأنه الراجل المحترم اللي وقف جنب أرملة شابة.
لكن بعد ما أمي اتجوزته، بدأت تكتشف حقيقته.
كان عايز يستولي على مستندات أبويا القديمة، لأنه كان شاكك إن محمود ساب وراه أدلة تدينه.
وأمي، من غير ما تكون فاهمة حجم الكارثة، كانت محتفظة ببعض أوراق أبويا في بيتها.
ولما رؤوف عرف إنها ممكن تكون عارفة حاجة، بدأ يهددها.
قال لها إنه يقدر يخليها تخسر ابنها، وإنه لو فضلت مصممة تعرف الحقيقة، هيخلي أحمد يختفي من حياتها للأبد.
وقتها، أمي عملت أصعب حاجة ممكن تعملها أم.
وافقت تبعد عني.
لكنها ما كانتش عارفة إن رؤوف هيستغل بعدها، ويخلي اختفائي نهائي بالشكل ده.
قلت لخالي
طب والمنديل؟ إيه علاقة المنديل بكل ده؟
خالي فتح الصندوق تاني، وطلع صورة قديمة لأمي وهي شايلاني وأنا رضيع.
كانت لابسة فستان أبيض، وأنا نايم على صدرها.
وفي إيدها منديل مطرز عليه عصفور أزرق.
قال خالي
أمك كانت بتطرز المنديل ده بإيدها. عملته قطعتين متكاملتين. احتفظت هي بنص، وسبت النص التاني معاك. وكان فيه سبب محدد لاختيار العصفور الأزرق.
إيه هو؟
أبوك كان بيناديها عصفورتي الزرقا. كانت كلمة خاصة بينهم، محدش يعرفها غيرهم. والمنديل كان آخر حاجة عملوها مع بعض قبل ما يموت.
قلّبت المنديل في إيدي، وبصيت للخياطة القديمة.
وفجأة، افتكرت تفصيلة صغيرة.
وأنا خارج من محل الحلويات، شفت أمي بتحرك صوابعها على حافة المنديل كأنها بتدور على حاجة.
رجعت أبص لنص المنديل اللي معايا.
كانت فيه غرزة مختلفة عن باقي الغرز، شبه علامة صغيرة.
قربته من النور.
ولاحظت إن فيه خيط أزرق سميك متخيط بطريقة غريبة، كأنه مخبي حاجة جوه القماش.
جبت مقص صغير، وفكيت الغرزة بحذر.
وقعت على الترابيزة ورقة دقيقة جدًا، مطوية أكتر من مرة، لدرجة إني ما كنتش واخد بالي من وجودها أصلًا.
فتحناها.
كان مكتوب فيها رقم حساب قديم، ورقم خزنة في أحد البنوك، وتاريخ يرجع لنفس الشهر اللي مات فيه أبويا.
وتحت الأرقام، كانت فيه جملة واحدة
الحقيقة مش في اللي اتسرق الحقيقة في اللي اتساب متخبي.
خالي شحب وشه.
يا نهار أبيض محمود كان عارف إنهم هيدوروا على الأوراق!
لكن قبل ما نقدر نفهم أكتر، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت أمي، مبحوح ومليان خوف
أحمد؟ إنت معايا؟
وقفت من مكاني.
أيوه يا أمي. أنا سامعك.
أول مرة في حياتي أقول لها الكلمة دي وأنا عارف إنها أمي فعلًا.
سمعتها بتشهق، وبعدها قالت
سامحني يا ابني. سامحني إني سيبتك.
كنت عايز أقول لها إني مسامحها، لكن قبل ما أتكلم، صوت رؤوف جه من بعيد.
إنتِ بتعملي إيه؟!
سمعت حركة عنيفة، وبعدها الخط اتقطع.
اتصلت بالرقم تاني، لكنه كان اتقفل.
بصيت لخالي.
أنا رايح لها.
مسك دراعي بقوة.
مش لوحدك. لو رؤوف عرف إنك وصلت للمستندات، مش هيسيبك في حالك.
رفعت الورقة قدامه.
يبقى لازم نعرف المستندات دي فيها إيه قبل ما يوصل لها.
3. الخزنة اللي اتقفلت من تلاتين سنة
في نفس اليوم، رحت البنك مع خالي، ومعانا محامية اسمها الأستاذة داليا منصور، كان خالي محتفظ برقمها من سنين، لأنها كانت بتساعده في بعض الإجراءات القانونية.
بعد مراجعة البيانات القديمة، اكتشفنا إن رقم الخزنة مرتبط بحساب باسم أبويا، لكن الوصول لمحتوياتها كان محتاج مراجعة قانونية وإثبات صلة القرابة.
قدمنا المستندات المطلوبة، وبعد إجراءات استغرقت ساعات، وافق البنك على فتح الخزنة بحضور المسؤولين المختصين.
كنت واقف قدام الباب الحديد، وإيدي بتعرق.
لأول مرة من تلاتين سنة، كنت على بعد خطوات من الحقيقة اللي أبويا مات وهو بيحاول يحميها.
الخزنة اتفتحت.
جواها كان فيه ظرف كبير، ودفتر حسابات قديم، وشريط تسجيل صغير، وصورة لأبويا مع راجلين قدام مبنى شركة.
داليا بدأت تفحص الأوراق واحدة واحدة.
بعد حوالي نص ساعة، رفعت راسها وقالت
يا أحمد، الموضوع أكبر من مجرد خلاف بين شريكين.
الدفتر كان فيه تحويلات مالية متكررة لشركات وهمية، ومستندات تثبت إن جزءًا كبيرًا من أموال الشركة اتسحب من خلال فواتير مزورة.
وفيه كمان خطابات بخط رؤوف، بتطلب إخفاء بعض السجلات وتغيير تواريخ معاملات.
أما شريط التسجيل، فكان عليه تاريخ قبل وفاة أبويا بأيام قليلة.
داليا قالت إننا لازم نسلمه للجهات المختصة لفحصه، وإننا ما ينفعش ننشر أي اتهام من غير تحقيق.
لكن قبل ما نخرج من البنك، وصلنا اتصال من رقم مجهول.
ردت داليا على مكبر الصوت.
جالنا صوت راجل قال ببرود
الأستاذ أحمد موجود معاكم؟
داليا ردت
مين حضرتك؟
قال
بلّغوه إن أمه تعبانة، وإنه لو عايز يشوفها قبل ما يحصلها حاجة، ييجي لوحده الليلة الساعة تسعة، للمخزن القديم ورا محل الحلويات.
وبعدين قفل.
خالي صرخ
ده فخ!
وأنا كنت عارف إنه غالبًا فخ فعلًا.
لكنها كانت أمي.
الست اللي قضت تلاتين سنة بتحاول تحميني من بعيد، واللي ما قدرتش أشوف في عينيها غير الخوف والوجع.
مستحيل أسيبها.
داليا بصت لي وقالت
إحنا مش هنسيبها، لكن هنروح بطريقة قانونية وآمنة. هنتواصل مع الجهات المختصة، وهنحتفظ بكل الأدلة. مش هتدخل المكان من غير حماية.
لأول مرة، حسيت إني مش مضطر أواجه الماضي لوحدي.
4. اللي حصل في المخزن قلب كل حاجة
الساعة كانت قربت من تسعة بالليل لما وصلنا للمنطقة اللي ورا المحل.
الشارع كان هادي، والأنوار ضعيفة، وباب المخزن الحديد مفتوح فتحة صغيرة.
قبل ما ننزل من العربية، داليا أكدت إنها تواصلت مع الجهات المختصة، وإنهم على علم بالمكان والتهديدات.
دخلت بحذر.
كان فيه كراسي قديمة، ورفوف مليانة كراتين، وريحة سكر ودقيق في الجو.
وفي آخر المخزن، شفت أمي قاعدة على كرسي، وإيديها مربوطين بقطعة قماش.
أول ما شافتني، صرخت
أحمد! لأ! ارجع! امشي من هنا!
جريت ناحيتها، لكن صوت رؤوف وقفني.
أخيرًا شوفتك يا ابن محمود.
ظهر من ورا باب جانبي، وفي إيده ملف أسود.
كان مروان واقف جنبه، وشه متوتر، وعينه بتتحرك بيني وبين أمه.
رؤوف ابتسم ابتسامة باردة.
طول السنين دي وأنا بحاول
متابعة القراءة