امي طردتني
المحتويات
أقفل الصفحة دي. أبوك مات، وأمك اختفت من حياتك، وكل حاجة كانت ماشية زي ما أنا عايز. لكن إنت جيت تبوظ كل حاجة بمنديل قديم!
بصيت له بغضب.
إنت اللي هددت أمي؟ إنت اللي منعتها تشوفني؟
ضحك.
أمك كانت عارفة مصلحتها. لو كانت سمعت الكلام من الأول، كانت عاشت مرتاحة، وإنت كنت كبرت بعيد عن المشاكل.
أمي صرخت
كداب! إنت اللي هددتني بابني! إنت اللي خلتني أعيش كل السنين دي وأنا خايفة عليه!
رؤوف قرب منها، وقال
اسكتي!
لكن المرة دي، مروان اتحرك ووقف قدامه.
كفاية يا بابا.
رؤوف بص له بحدة.
إنت مالك؟ ارجع مكانك!
مروان كان بيترعش، لكنه ما رجعش.
أنا عايز أفهم. إنت طول عمرك بتقول لي إن أحمد ده ابن واحدة سابت ابنها عشان الفلوس، وإنه مجرد شخص طماع رجع يدور على ميراث. بس أنا شفتها النهارده وهي بتعيط على المنديل كأن قلبها بيتقطع.
رؤوف زعق فيه
إنت هتصدق الشحات ده وتكذب أبوك؟!
مروان سكت لحظة، وبعدين قال
أنا مش عارف أصدق مين. بس عارف إنك عمرك ما سمحت لماما تتكلم عن ماضيها. وكل ما أسألها عن ابنها الأول، بتخاف منك.
الكلام ده كان واضح إنه هز رؤوف.
فتح الملف الأسود وطلع ورقة.
عايز الحقيقة؟ الحقيقة إن أبوك كان لص، وإنه سرق فلوس الشركة، وإن أمك ساعدته يخبيها. وأنا اللي سترت عليها.
كنت هرد، لكن داليا دخلت المخزن في اللحظة دي، ومعاها أفراد من الجهات المختصة.
قالت بهدوء
الكلام ده هيتقال في التحقيق، ومعاه المستندات اللي لقيناها في خزنة محمود.
أول ما رؤوف سمع كلمة الخزنة، وشه اتبدل.
إنتوا فتحتوا الخزنة؟!
وهنا عرفت إننا لمسنا نقطة ضعفه الحقيقية.
حاول يهرب من الباب الخلفي، لكن تم إيقافه قبل ما يخرج من المخزن.
أما مروان، ففضل واقف مكانه، مذهول، كأنه لأول مرة يشوف أبوه على حقيقته.
جريت ناحية أمي وفكيت الرباط من إيديها.
وقعت في حضني وهي بتعيط.
سامحني يا أحمد سامحني يا حبيبي. أنا كنت خايفة عليك. كل يوم كنت بصحى وأتمنى أشوفك، وكل ليلة كنت بدعي ربنا يطمني عليك.
حضنتها بقوة.
مكنتش قادر أقول حاجة.
بعد تلاتين سنة من الأسئلة والغضب والحرمان، أخيرًا أمي كانت بين إيديا.
لكن الحقيقة لسه ما خلصتش.
لأن اللي اكتشفناه بعد القبض على رؤوف كان أخطر من كل اللي عرفناه.
5. شريط التسجيل اللي كشف آخر سر
بعد ما سلمنا المستندات، بدأت التحقيقات في قضية التلاعب المالي والتهديدات.
أما شريط التسجيل، فتم فحصه بمعرفة المختصين، واتضح إنه تسجيل لاجتماع بين رؤوف وشخص تاني، قبل وفاة أبويا بأيام.
في التسجيل، كان صوت رؤوف واضح وهو بيتكلم عن المستندات اللي اكتشفها محمود.
سمعناه بيقول
لازم الورق ده يختفي. لو وصل للنيابة، كل حاجة هتقع.
ورد عليه الراجل التاني
ومحمود؟ لو اتكلم؟
رؤوف سكت لحظة، وبعدها قال
أنا هتصرف.
التسجيل ما كانش كافي لوحده لإثبات مسؤولية رؤوف عن وفاة أبويا، لكنه كان دليل مهم، مع باقي المستندات والشهادات، خلّى التحقيق يتوسع في ملابسات الحادث القديم.
وبعد مراجعة ملفات الشركة، ظهرت أدلة جديدة على التلاعب المالي، واتضح إن رؤوف استخدم شركات وهمية عشان يخفي مبالغ كبيرة، وإنه حاول يتخلص من أي مستندات ممكن تكشفه.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت لما المحامية داليا قابلت موظف سابق في الشركة، كان محتفظ بنسخ من مراسلات قديمة.
الراجل شهد إن محمود قبل وفاته بيومين سلّمه نسخة من مستندات مهمة، وقال له إنه لو حصل له أي حاجة، لازم يوصلها للجهات المختصة.
الموظف كان خاف وقتها، واحتفظ بالمستندات سنين طويلة من غير ما يتكلم، لكنه لما عرف إن القضية اتفتحت من جديد، قرر يشهد.
وبعد شهور من التحقيقات والمحاكمات، صدرت أحكام بإدانة رؤوف في جرائم مالية وتهديدات ثبتت بالأدلة والشهادات، واتحكم عليه بعقوبة السجن، مع إلزامه برد مبالغ مالية والتعويضات المستحقة.
أما حادث وفاة أبويا، فتمت إعادة فحصه، لكن الأدلة ما كانتش كافية لإثبات إن رؤوف تسبب فيه بشكل مباشر.
الحقيقة دي فضلت جرح مفتوح جوانا، لكن على الأقل، اسم أبويا اترد له اعتباره، والناس اللي اتظلمت بسببه قدرت تبدأ تستعيد حقوقها.
ولأول مرة من تلاتين سنة، أمي قدرت تنام من غير ما تصحى مفزوعة من كابوس إن حد هياخد ابنها منها.
لكن كان لسه فيه حساب أخير لازم يتقفل.
مش مع رؤوف.
مع الماضي نفسه.
6. مروان وقف قدامي وقال لي أنا مش عارف أواجهك إزاي
بعد القبض على رؤوف، مروان طلب يقابلني.
قابلته في كافيه صغير بعيد عن محل الحلويات.
كان باين عليه إنه ما نامش من أيام.
قعد قدامي، وفضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال
أنا عارف إنك مش مضطر تسمعني، بس أنا محتاج أقول لك حاجة.
سكت، فكمّل
طول عمري كنت فاكر إن أمي اختارتني أنا، وإنها سابتك عشان تعيش معانا. كنت فاكر إنك شخص غريب رجع عشان ياخد منها فلوس. يوم ما شفتها بتعيط على المنديل، حسيت إن فيه حاجة غلط في كل اللي اتقال لي.
بص لي بعينين مليانين ندم.
أنا اتريقت عليك يوم ما دخلت المحل. شتمتك، واعتبرتك أقل مني عشان هدومك قديمة. ما كنتش أعرف إنك أخويا. بس حتى لو ما كنتش أعرف، ده مش عذر. أنا آسف.
كنت أقدر أجرحه بالكلام، وأفكره بكل كلمة قالها لي قدام أمي.
لكن بصيت له وقلت
أنا مش زعلان عشان إنت ما عرفتش إني أخوك. أنا زعلان عشانك افتكرت إن قيمة الإنسان في هدومه وفلوسه. يمكن أنا كنت لابس هدوم قديمة، بس عمري ما دخلت مكان عشان أطلب صدقة من حد.
نزل راسه.
عندك حق.
سكت شوية، وبعدها قال
أنا مش هطلب منك تعتبرني أخوك من النهارده. بس لو تسمح لي، نفسي أصلح اللي أقدر عليه.
قلت له
إصلاح الغلط مش بالكلام. خليك إنسان أحسن من اللي كنت عليه، وساعتها الأيام هتقول لنا إذا كنا نقدر نبقى إخوات فعلًا ولا لأ.
مد إيده يصافحني.
صافحته.
ما بقيناش أصحاب في يوم وليلة، وما نسيتش اللي حصل، لكن لأول مرة حسيت إن مروان بدأ يختار بنفسه بدل ما يعيش أسير الأكاذيب اللي اتربى عليها.
وبعد فترة، قرر يسيب الإدارة اللي كان أبوه مسيطر عليها، ويبدأ يراجع حسابات الشركة ويساعد في تسوية حقوق الموظفين اللي اتضرروا.
ما عملش كده عشان يشتري مسامحتي.
عمله لأنه أخيرًا فهم إن فيه حاجات أهم من الاسم والفلوس.
7. أول مرة أسمع أمي تحكي لي عن طفولتي
بعد ما الدنيا هديت، أخدت أمي لشقتي.
كانت مترددة تدخل، وبتبص حواليها كأنها خايفة تكون مش مرحب بيها.
قلت لها وأنا بفتح الباب
اتفضلي يا أمي. ده بيتك.
وقفت مكانها، وحطت إيدها على بقها، وبدأت تعيط.
بيتك؟ إنت بتقول لي بيتي يا أحمد؟
ابتسمت، رغم إن عيني كانت بتدمع.
أمال أقول لك إيه؟ إنتِ أمي.
دخلت، وقعدت على الكنبة، وفضلت تبص لصورتي أنا ومريم يوم الخطوبة.
وبعدين سألتني
هي مريم عارفة كل حاجة؟
قلت لها
أيوه. وهي نفسها تتعرف عليكي.
هزت راسها بخجل.
أنا خايفة تكرهني.
قعدت جنبها.
مريم بتحبني، وعارفة إني كنت محتاج أفهم اللي حصل. مش هقول لك إن اللي فات سهل، ولا إن تلاتين سنة ممكن يتعوضوا في يوم وليلة. بس إحنا عندنا فرصة نبدأ من جديد.
بصت لي وقالت
ينفع أحكيلك عن أول سنة في حياتك؟
ابتسمت.
ده أنا مستني الحكايات دي من وأنا طفل.
بدأت تحكي لي إزاي كنت برفض أنام غير لما تحضني، وإزاي كنت بمسك صباعها الصغير بإيدي، وإزاي أبويا كان بيضحك لما أبدأ أتكلم وأقول كلمات مش مفهومة.
حكت لي عن أول خطوة مشيتها، وعن أول مرة وقعت فيها، وعن اليوم اللي عملت فيه المنديل الأزرق.
وبعدين سكتت فجأة.
قلت لها
مالك يا أمي؟
ردت وهي بتبص لإيدي
أنا فاكرة اليوم اللي سبتك فيه عند حسن. كنت مستخبية بعيد، وشفتك نايم في حضنه. كنت عايزة أجري عليك، أخدك وأهرب بيك لأي مكان. لكن رؤوف كان باعت ناس يراقبوني. لو كنت قربت منك، كانوا هيعرفوا مكانك.
دموعها نزلت تاني.
فضلت واقفة لحد ما العربية اللي جابتني مشيت. كنت سامعة صوتك من بعيد، وكنت بموت وأنا بعرف إنك هتكبر من غير ما أضمك كل يوم.
مسكت إيديها.
ليه ما حاولتيش ترجعي لي لما كبرت؟
قالت
حاولت، يا أحمد. لكن كل ما كنت أجهز خطة، كان يحصل حاجة تخوفني. مرة لقيت صورة ليك وإنت راجع من المدرسة محطوطة قدامي على مكتبي. ومرة جالي جواب فيه عنوان بيت خالك، وتحت العنوان مكتوب إحنا عارفين هو فين.
سكتت لحظة، وبعدها كملت
كنت عايشة في سجن، حتى وأنا وسط الفلوس والناس. وكل ما مروان يكبر، كنت بخاف عليه هو كمان، لأنه ما كانش يعرف حاجة عن اللي بيحصل.
بصيت لها طويلًا.
كان جوايا غضب على السنين اللي ضاعت، وعلى الخوف اللي سرق منها أمومتها، وعلى نفسي لأني قضيت عمري فاكر إني ما كنتش كفاية عشان أتحب.
لكن وأنا شايفها قاعدة قدامي، ست كبرت وشابت وهي شايلة سر تقيل، فهمت إن الحقيقة أحيانًا بتكون أعقد من إننا نحكم عليها بكلمة واحدة.
قلت لها
أنا مش هقدر أرجع السنين اللي فاتت، يا أمي. لكن أقدر أديكي فرصة تكوني موجودة في اللي جاي.
حضنتني، وفضلت تعيط على كتفي.
والمرة دي، ما حاولتش تمنع نفسها من العياط.
8. يوم فرحي المنديل رجع كامل لأول مرة
بعد ست شهور، جه يوم فرحي أنا ومريم.
كنت واقف قدام المراية بظبط البدلة، وأمي دخلت عليا وهي ماسكة علبة صغيرة.
قالت بخجل
عندي لك هدية. مش غالية، بس نفسي تلبسها النهارده.
فتحت العلبة.
كان جواها نص المنديل التاني.
نفس القماش القديم، ونفس العصفور الأزرق، ونفس الغرز اللي شفتها يوم ما دخلت محل الحلويات.
أمي طلعت النص اللي كان معايا من جيبي، وحطته جنب نصها.
ولأول مرة من تلاتين سنة، القطعتين بقوا جنب بعض.
الخطوط اتطابقت، والعصفور الأزرق اكتمل.
لكن أمي كانت مخبية مفاجأة تانية.
قلبت المنديل على ضهره، وورّتني كلمة صغيرة مطرزة بخيط رفيع جدًا.
كانت كلمة
أحمد.
وتحتها تاريخ ميلادي.
قالت
أنا كتبت اسمك بإيدي يوم ما كملت أول سنة. كنت فاكرة إنك هتفضل معايا طول العمر، وإن المنديل ده هيكون ذكرى من طفولتك. لكن لما اضطررت أسيبك، شلت نصه معايا، وسيبت لك النص التاني. كنت بتمنى ييجي
متابعة القراءة