امي طردتني

لمحة نيوز

أمي طردتني من محل الحلويات بتاعها وافتكرتني شحات بس أول ما شافت نص المنديل القديم، وقعت على ركبتها وانهارت من العياط!
الجزء الأول
إحنا هنا مش بنخدم الشحاتين! غور من هنا بدل ما أتصل بالشرطة!
دي كانت أول جملة أسمعها من أمي بعد تلاتين سنة كاملة من غير ما أشوفها.
كانت واقفة قدامي بفستان موف شيك، جوه واحد من أشهر محلات الحلويات الراقية في وسط البلد في القاهرة. شعرها متسرّح بعناية، ودبلة وخواتم دهب رقيقة في إيديها، وكل حاجة فيها بتقول إنها ست عايشة في عز ونعمة.
أما أنا، فكنت واقف قدامها بقميص قديم، وجزمة غرقانة طين، وجاكيت متهالك باين عليه إنه شاف أيام كتير.
بصتلي من فوق لتحت باحتقار، كأني مش بني آدم زيها.
واللي كان واقف جنبها، شاب في أوائل التلاتينات، انفجر في الضحك.
وقال بسخرية
يا ماما، إنتِ هتضيعي وقتك مع الواد ده ليه؟ ده شكله جعان وعايز قرشين! اديه أي حاجة وخليه يغور من هنا.
الشاب ده اسمه مروان، ابن جوز أمي، اللي ربّته من وهو صغير واعتبرته ابنها.
أما أنا، فاسمي أحمد، عندي واحد وتلاتين سنة، ومهندس مدني. مش مليونير ولا ابن ناس معاهم ملايين، لكن الحمد لله عندي شغل محترم، وشقة صغيرة على قدي، وخطيبة بحبها من كل قلبي اسمها مريم.
والنهارده ده، كنت واقف قدام أمي لأول مرة بعد تلاتين سنة، متعمد ألبس هدوم قديمة وأبان كأني عامل غلبان جاي يطلب مساعدة.
مكنتش رايح أطلب منها فلوس، ولا كنت عايز أحرجها قدام الناس.
كل اللي كنت عايزه إني أعرف إجابة سؤال واحد فضِل يطاردني طول عمري.
ليه أمي سابتني وأنا لسه عندي سنة واحدة؟
طول طفولتي، كنت بسمع نفس الحكاية من خالي حسن ومراته أمينة، اللي ربّوني وكأني ابنهم فعلًا.
كانوا بيقولولي إن أبويا مات بعد مرض طويل، وإن أمي سابت البيت ومشيت، وإنهم أخدوني عندهم عشان مكنش ليا حد يرعاني.
خالي ومراته عمرهم ما قصّروا معايا. لا حرّموني من أكل، ولا تعليم، ولا حنان. بالعكس، كانوا بيحبوني أكتر من ولاد كتير عايشين وسط أهلهم.
بس مهما حاولوا يعوضوني، كان فيه سؤال بيفضل يوجعني كل سنة.
كل ما ييجي عيد ميلادي، كنت ببص لصورة أمي القديمة وأسأل نفسي
هي قدرت تعيش تلاتين سنة من غير ما تعرف أنا كبرت إزاي؟
هل كانت بتفكر فيا؟
هل كانت بتسأل نفسها أنا عايش ولا ميت؟
ولا أنا بالنسبة لها كنت مجرد طفل اتخلصت منه وبدأت حياة جديدة من غيره؟
ولما أنا ومريم حددنا ميعاد فرحنا، حسيت إني مبقتش قادر أهرب من الماضي أكتر من كده.
مكنتش عايز أدخل بيتي الجديد وأنا شايل جوايا نفس الوجع.
عشان كده، فضلت أسابيع أدور ورا أي معلومة عن أمي، لحد ما عرفت إنها اسمها نادية، وإنها متجوزة راجل أعمال مشهور اسمه رؤوف الشامي، صاحب سلسلة محلات حلويات فخمة في القاهرة.
وعرفت كمان إنها عايشة في فيلا كبيرة، وإن جوزها من رجال الأعمال اللي اسمهم بيتردد في المناسبات والحفلات، وإن حياتها من بره شكلها مثالي.
فلوس، ورفاهية، وجوز غني، وابن متربي في عز.
أما أنا، ابنها الحقيقي، فكنت مجرد ذكرى مدفونة في حياة الست دي.
قررت أروح لها من غير ما أكشف هويتي من أول لحظة.
كنت عايز أشوفها على طبيعتها، من غير ما تعرف أنا مين، ومن غير ما تحس إنها مطالبة تمثل دور الأم الحنينة قدام ابنها اللي رجع بعد غياب.
وعشان كده، لبست الهدوم القديمة، وروحت المحل.
وأول ما دخلت، فهمت إن السنين غيرت أمي فعلًا.
بس اللي مكنتش متوقعه إن قلبها يكون اتغير بالشكل ده كمان.
قربت منها وقلت بهدوء
يا مدام، ممكن أسألك سؤال بس؟
بصتلي بضيق وقالت
خير؟ عايز إيه؟
بلعت ريقي، وحاولت أسيطر على رعشة صوتي.
هو حضرتك مبسوطة في حياتك؟
للحظة واحدة، ملامحها اتغيرت.
بصتلي كأن سؤالي لمس حاجة جواها، حاجة كانت بتحاول تخبيها عن العالم كله.
لكن قبل ما تنطق بكلمة، مروان وقف بيني وبينها وقال بعصبية
إنت مالك بقى بحياتها؟! أمي عندها كل اللي تتمناه أي ست. جوز ناجح، وابن بيحبها، وشغل بملايين! إنت فاهم يعني إيه الكلام ده؟ يلا، من هنا!
بصيت له، وبعدها رجعت بعيني لأمي.
كنت مستني منها كلمة واحدة.
حتى لو كلمة قاسية.
كنت مستني تقول له يسيبني أتكلم، أو تسألني أنا مين، أو حتى تستغرب ليه واحد غريب بيسألها السؤال ده.
لكنها فضلت ساكتة.
ساعتها حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
ابتسمت ابتسامة صغيرة بالعافية، وقلت
تمام يا مدام. ربنا يديم عليكي السعادة.
لفيت عشان أمشي.
بس قبل ما أخرج، إيدي اتحركت بهدوء، ووقعت مني على الأرض حاجة صغيرة كنت مخبيها في جيبي.
نص منديل قماش قديم، لونه أصفر من الزمن، ومطرز عليه عصفور صغير باللون الأزرق.
المنديل ده كان أغلى حاجة عندي في الدنيا.
مش عشان سعره، لكن عشان كان الحاجة الوحيدة اللي أمي سابتها جنبي يوم ما اختفت من حياتي.
خالي حسن كان محتفظ بيهولي من وأنا طفل، وكل ما كنت أسأله عنه، كان يقولي إن المنديل ده كان موجود في سريري يوم ما أخدني عنده.
وعلى مدار السنين، فضلت محتفظ بالنص ده، بينما النص التاني مكنتش أعرف راح فين.
خرجت من المحل، والمطر بدأ ينزل على الشارع.
كنت حاسس إني أخيرًا واجهت الحقيقة، حتى لو الحقيقة كانت أقسى من كل توقعاتي.
قلت لنفسي إن خلاص، كفاية كده.
هقفل الصفحة دي، وأرجع لمريم، وأبدأ حياتي من جديد.
لكن وأنا بعدّي الشارع، لقيت نفسي ببص ناحية واجهة المحل الزجاجية مرة أخيرة.
واللي شفته بعدها خلاني أقف مكاني.
مروان كان بيشاور على المنديل اللي وقع مني، وبيضحك.
وقال لأمي باستهزاء
ماما، شوفي الزبالة اللي الواد القذر ده سابها وراه! حتى وهو ماشي لازم يسيب قرفه!
رفع رجله عشان يزق المنديل بعيد عن طريقه.
لكن أمي اتحركت بسرعة مفاجئة.
جريت ناحيته، وزقته بعيد عن المنديل، وبعدها نزلت على ركبتها قدام الزباين كلهم، ومدت إيديها المرتعشة ولمّت قطعة القماش من الأرض.
فضلت تبص للمنديل، وتقلبه بين صوابعها، كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
وبعدين قربته من وشها، وضغطت عليه لصدرها.
وفجأة
انهارت في العياط!
مش عياط ست متضايقة من موقف محرج، ولا دموع واحدة افتكرت ذكرى قديمة.
دي كانت صرخة وجع طالعة من أعماقها، صرخة خلت كل اللي في المحل يسكتوا ويبصوا عليها بذهول.
مروان حاول يساعدها تقوم، لكنها كانت رافضة تسيب المنديل.
فضلت تردد وسط شهقاتها
لأ مستحيل! إزاي؟! إزاي وصل لهنا؟!
وقتها، ظهر رؤوف الشامي، جوزها، خارج من المكتب اللي ورا المحل.
كان راجل في أواخر الخمسينات، طويل وعريض الكتفين، وملامحه جامدة بشكل يخليك تحس إن محدش بيقدر يعارضه.
أول ما شاف نادية على الأرض، وشاف المنديل في إيديها، وشه اتغير تمامًا.
الجري اختفى من عينيه، وحل مكانه غضب مرعب.
مسكها من دراعها بعنف، وقال بصوت واطي لكنه مليان تهديد
قومي! إنتِ اتجننتي؟! إيه اللي بتعمليه ده قدام الناس؟!
نادية حاولت تفلت إيدها منه، وهي بتقول وسط عياطها
سيبني يا رؤوف! ده ابني ده ابني رجع!
الكلمة وصلتني من ورا الزجاج، وحسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
ابني؟!
يعني هي عرفتني؟
بس إزاي؟ أنا لسه ما قلتلهاش اسمي، ولا وريتها أي صورة، ولا حتى قلتلها إني ابنها!
رؤوف شدها ناحية باب المخزن اللي ورا المحل، وهو بيحاول يمنع الناس من ملاحظتهم.
وقبل ما يختفوا عن نظري، أمي لفتت راسها ناحية الشارع.
عينها وقعت على عيني مباشرة من خلال الزجاج المبلول بالمطر.
ولأول مرة في حياتي، شفت في عينيها إحساس عمري ما تخيلت أشوفه.
مكنش احتقار.
مكنش ندم عادي.
كان رعب رعب حقيقي من حاجة أنا لسه معرفهاش.
وبعد ثواني، حصلت حاجة تانية خلت الدم يبرد في عروقي.
رؤوف وقف عند باب المخزن، ولف ناحيتها، وصرخ فيها بغضب.
ماكنتش سامع صوته بسبب الزجاج والمطر، لكن كنت شايف شفايفه بوضوح وهو بيقول
مش أنا حذرتك قبل كده؟! قلتلك لو الواد ده رجع يظهر في حياتنا، هتحصل مصيبة!
اتجمدت مكاني.
الواد ده؟!
يعني رؤوف كان عارف بوجودي من البداية؟
يعني أمي ما سابتنيش واختفت من غير ما حد يعرف مكاني وخلاص؟
إيه علاقة الراجل ده بيا؟
وليه كان خايف من رجوعي بالشكل ده؟
طلعت الموبايل من جيبي، وكنت هتصل بأمي، لكن إيدي وقفت قبل ما أدوس على الرقم اللي لقيته بعد بحث طويل.
لأني فجأة افتكرت حاجة خالي حسن قالهالي قبل سنين، يوم ما كنت بسأله عن أبويا.
ساعتها وشه اتغير، وسكت شوية، وبعدين قال لي
يا أحمد، فيه حاجات في الدنيا لو عرفتها، ممكن تتمنى إنك ما عرفتهاش أبدًا. بس لو جه يوم وقررت تدور على أمك، أوعى تروح لها لوحدك من غير ما تعرف الحقيقة الأول.
وقتها افتكرت إنه بيحاول يحميني من خيبة الأمل.
لكن دلوقتي، وأنا واقف قدام المحل، شايف أمي منهارة بسبب قطعة قماش قديمة، وجوزها بيهددها بسبب رجوعي، بدأت أفهم إن خالي يمكن كان عارف أكتر بكتير مما قالهولي.
بصيت للمحل مرة أخيرة، وبعدها مشيت وسط المطر، وأنا متأكد من حاجة واحدة
المنديل ده مش مجرد ذكرى من أمي ده مفتاح سر مدفون بقاله تلاتين سنة.
سر فيه كدبة كبيرة، وتهديدات، وتضحية محدش حكى لي عنها.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن أخطر سر في الحكاية كلها مش سبب إن أمي سابتني
إنما السبب الحقيقي اللي خلاها تسيبني عايش، وهي مقتنعة إنها مش هتشوفني تاني أبدًا!
الجزء التاني والأخير أمي سابتني وأنا عندي سنة لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعدها خلتني أتمنى لو كنت فضلت طول عمري جاهل بيها!
رجعت البيت الليلة دي وأنا حاسس إن دماغي هتنفجر من كتر الأسئلة.
كل ما أغمض عيني، أشوف أمي وهي راكعة على الأرض، حاضنة نص المنديل وبتعيط كأنها شافت حد راجع من الموت.
وأسمع صوت رؤوف وهو بيقول لها
مش أنا حذرتك؟! قلتلك لو الواد ده رجع يظهر في حياتنا، هتحصل مصيبة!
كنت عايز أرجع المحل، أكسر الباب، وأجبرهم يقولولي الحقيقة. لكن افتكرت كلام خالي حسن، وإنه يمكن يكون الشخص الوحيد اللي يقدر يفسر اللي حصل.
اتصلت بيه.
أول ما رد، قلت له
خالي، أنا لازم أشوفك حالًا. الموضوع يخص أمي.
سكت.
ثانيتين تلاتة وبعدها سمعت صوته بيتغير.
إنت رحت لها يا أحمد؟
اتجمدت مكاني.
إنت عرفت منين؟!
رد بصوت واطي
تعالى لي بكرة الصبح. ومهما حصل، أوعى تواجه الراجل اللي اسمه رؤوف

تم نسخ الرابط