حماتي طردتني
حماتي طردت ابني وحفيدي اللي عنده ست سنين من البيت، ورمتلهم شنطتين وقالت لهم
إنتوا مش من مستوانا إنتوا ناس غلابة!
أنا ما رديتش عليها.
مسحت إيدي، طلعت موبايلي، وعملت مكالمة واحدة بس وابتسمت.
وبعد كام ساعة، كانت هتعرف مين بالظبط اللي اشترى مديونية شركتها اللي وصلت ل 42 مليون جنيه.
الجزء الأول
خد ابنك واطلع برّه! البيت ده مفيهوش مكان لناس من مستواكم!
دي كانت الجملة اللي قالها الحاج رفعت المنشاوي لابني كريم، قبل ما يرمي شنطه في طرقة العمارة، قدام حفيدي ياسين اللي ماكانش لسه كمل ست سنين.
لما كريم وصل لورشة النجارة بتاعتي في أطراف دمنهور، كان هدومه مكركبة، وعينيه منفخة من كتر العياط، وفي إيده شنطتين.
جنبه كان ياسين ماسك في حضنه جرار زراعي لعبة لونه أصفر، كأنه آخر حاجة في الدنيا لسه حاسس إنها بتاعته.
أول ما شافني، كريم قال بصوت مكسور
يا أبويا طردونا.
حطيت المفك من إيدي ومسحت إيدي في فوطة قديمة، وبعدين ما سألتش كريم أي سؤال.
أول حاجة عملتها إني حضنت ياسين.
الواد كان ساكت بشكل يخوّف.
بصلي وسألني بصوت واطي
جدو هو إحنا بقينا غلابة؟
السؤال دخل في قلبي زي السكينة.
شدّيته لحضني وقلت له
لأ يا حبيبي الغلبان بجد هو اللي لما الدنيا تقفل في وشه ما يلاقيش حد يسنده. إنت عندك أبوك، وعندك جدك، ولسه معاك الجرار بتاعك يعني إحنا أغنى من ناس كتير.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
أما كريم، فكان واقف قدامي ومش عارف يبص في عيني.
بعد شوية، بدأ يحكي.
طول أربع سنين كان شغال مدير لوجستيات في شركة حماه، شركة المنشاوي للتوريدات الزراعية.
كان هو اللي ماسك خطوط النقل، وبيحل مشاكل السواقين، وبيفاوض الموردين، وبيتابع الشحنات، وفي أوقات كتير كان بيبات في الشركة عشان يلحق الطلبات في مواعيدها.
لكن في اليوم ده، استدعاه رفعت لمكتبه.
حط قدامه ورقة استقالة وقال له
إمضي.
كريم سأله
استقالة إيه يا حاج؟ أنا ما قدمتش استقالتي.
رفعت ضحك باستهانة وقال
مش محتاج تقدم. أنا بقولك تمشي.
وبعدين بصله من فوق لتحت وقال
إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ أنا سمحتلك تشتغل معايا عشان تبقى جوز بنتي، مش عشان تفتكر إنك بقيت واحد من أصحاب الشركة.
كريم سكت.
لكن الجملة اللي بعدها كانت أقسى.
إنتوا عيلة على قدكم وعمركم ما هتبقوا من مستوانا.
رجع كريم البيت وهو لسه مش مستوعب اللي حصل.
لكن الصدمة الحقيقية كانت مستنياه هناك.
لقى الكالون متغير.
خبط على الباب.
مراته مريم فتحت له، بس ما فتحتش الباب كله.
وقفت وراه السلسلة وقالت
أنا محتاجة أبعد شوية يا كريم.
أبعدي عن إيه؟ إحنا بنتكلم عن إيه أصلًا؟
ما ردتش.
ظهر أبوها من وراها.
رفعت المنشاوي.
بص لكريم وقال بمنتهى البرود
خد شنطتك وابنك وامشوا.
كريم بص لمراته.
مريم إنتِ موافقة على الكلام ده؟
مريم نزلت عينيها وقالت
بابا شايف إنك بقيت حمل علينا.
كريم حس إن رجليه مش شايلاه.
لكن اللي وجعه أكتر إن رفعت بص لياسين، اللي كان واقف ماسك الجرار بتاعه، وقال
إنت كمان خد ابنك وروح. إحنا مش بنصرف على ناس فاشلة.
رما الشنط في طرقة العمارة وقفل الباب في وشهم.
كريم سكت شوية وهو بيحكيلي.
وبعدين قال
بس يا أبويا ياسين ما عيطش.
سكت.
وده اللي كسرني.
بصيت له.
كمل وهو بيحاول يمنع دموعه
ماعملش أي حاجة. بس مسك الجرار بتاعه وقال لي بابا هنروح فين؟
ما رديتش عليه.
أخدتهم معايا على البيت الريفي.
جهزت لياسين السرير اللي كان كريم بينام عليه وهو صغير.
الواد نام بسرعة من كتر التعب، وهو حاضن الجرار اللعبة تحت دراعه.
أما كريم، ففضل صاحي.
كان بيلف في البيت رايح جاي لحد ما قرب مني وقال
أنا فشلت يا أبويا.
بصيت له وقلت
لأ.
يعني إيه لأ؟ أنا خسرت شغلي وبيتي ومراتي.
هزيت راسي وقلت
الراجل اللي يتغير له كالون بيته في يوم وليلة، ويتطرد بالشكل ده، الموضوع مش موضوع إنه ما اجتهدش كفاية.
سكت لحظة.
اللي حصل ده كان مترتب له من زمان.
كريم بصلي باستغراب.
يعني إيه؟
ما جاوبتش.
فضلت ساكت.
وبعد ما اتأكدت إن كريم وياسين ناموا، دخلت الورشة وقفلت الباب ورايا.
روحت ناحية دولاب قديم، شلت منه صندوق مليان قطع غيار، وطلعت موبايل قديم كنت سايبه بقاله سنين.
بصيت للموبايل ثواني.
وبعدين اتصلت برقم ما اتصلتش بيه من وقت طويل.
رد صوت ست
ألو؟
قلت
مساء الخير يا أستاذة نجلاء.
مين معايا؟
قلت بهدوء
أنا الحاج حسن عبدالسلام.
سكتت ثانيتين.
وبعدين صوتها اتغير
حسن؟ إنت بتتصل بيا ليه بعد السنين دي؟
بصيت من شباك الورشة ناحية البيت.
كنت شايف نور الأوضة اللي نايم فيها ياسين.
وقلت
عايز منك كشف كامل عن مديونيات شركة المنشاوي.
سكتت.
كملت
القروض، الشيكات، الرهون، الضمانات، عقود التوريد وكل جنيه عليهم للبنوك وللناس.
قالت باستغراب
إنت بتتكلم عن شركة المنشاوي؟
أيوه.
إنت عارف إن مديونيتهم وصلت لأكتر من 42 مليون جنيه؟
ابتسمت.
عشان كده بكلمك.
سكتت شوية، وبعدين سألتني
إنت ناوي تعمل إيه يا حاج حسن؟
بصيت ناحية البيت تاني.
ياسين كان نايم، والجرار الأصفر لازق في صدره.
وقلت
رفعت المنشاوي حب يعلّم حفيدي يعني إيه ناس من مستواه وناس غلابة.
وسكت لحظة.
بكرة هعلّمه أنا بقى يعني إيه اسم حسن عبدالسلام.
قالت
يعني إنت ناوي تدخل في الصفقة؟
ابتسمت للمرة الأولى بجد.
أنا مش داخل أشتري شركته.
أمال؟
رديت وأنا بقفل الموبايل
أنا هشتري ال مليون جنيه اللي عليه.
قفلت المكالمة.
وساعتها بس، فهمت إن رفعت المنشاوي ارتكب غلطة واحدة ماكانش عامل حسابها
إن الراجل اللي شافه طول عمره مجرد نجار بسيط في ورشة صغيرة، كان مخبي ورا اسمه حكاية قديمة، وثروة ما يعرفش عنها حاجة.
والأخطر من كده
إن مريم نفسها ما كانتش مجرد بنت اتجوزت كريم ووقفت مع أبوها.
كان عندها سر، سر لو ظهر في الوقت المناسب، هيقلب