قبل ما أطلب
قبل ما أطلب إيد واحدة تانية بساعات، دخل الحمّام قدامي أربع ولاد توأم في السن تقريبًا، كل واحد فيهم عنده ست سنين ولما بصّيت في وشوشهم حسّيت إن الدم اتسحب من جسمي.
كانوا شبهّي بشكل يخوّف.
لدرجة إن حتى أنا كمال المنشاوي، الراجل اللي اسمه لوحده كان كفاية يخلي ناس كتير في القاهرة تحسب كلامها كويس قبل ما تتكلم، ماعرفتش أتحرك من مكاني.
وبعدين سمعت صوت أمهم برّه الحمّام.
صوت الست اللي حبيتها من ست سنين.
في اللحظة دي، الخاتم اللي كان في جيبي فقد معناه تمامًا.
اسمي كمال المنشاوي.
عندي سبعة وتلاتين سنة، والناس في القاهرة كانوا عارفين كويس إن الأفضل مايسألوش أنا بشتغل إيه بالظبط.
عيلة المنشاوي كانت ماسكة شغل كتير؛ شركات، أراضي، عقارات، وعلاقات واسعة مع ناس تقيلة.
اسمنا كان كفاية يفتح أبواب ناس تانية أصلًا ماكانوش يعرفوا إنها موجودة.
لكن الليلة دي، حتى أنا كنت ماشي على مزاج العيلة وخطتها.
الساعة سبعة ونص بالليل، كان المفروض أطلب إيد لارا الشاذلي، بنت عيلة كبيرة ومعروفة، في قاعة زجاجية خاصة فوق أحد مباني العيلة المطلة على النيل.
البدلة الكحلي كانت متفصلة مخصوص.
ساعة جدي كانت في إيدي.
وخاتم ألماس تمنه يخلّي ناس تعيش بيه سنين، كان جوّه جيب الجاكت.
كل حاجة كانت مترتبة.
كل حاجة ماعدا أنا.
أنا ماكنتش بحب لارا.
هي كانت ذكية، جميلة، بنت ناس، وعيلتها ليها وزنها.
والجوازة بالنسبة لعيلتنا كانت مثالية.
كل اللي حواليّا كانوا بيقولوا
دي جوازة العمر.
لكن أنا كنت فاهم المقصود الحقيقي.
مصلحة.
جوازة تربط عيلتين كبار ببعض.
وبس.
السواق اتأخر عليّا بشكل مفاجئ، وكان قدامي تقريبًا ساعة قبل المعاد.
فقلت أعدّي على مطعم راقي في مصر الجديدة آكل حاجة وأظبط نفسي قبل ما أروح.
دخلت الحمّام عشان أغسل إيدي وأظبط الكرافتة.
وفجأة
لقيت أربع ولاد واقفين قدام الحوض.
كلهم لابسين بلوفرات كحلي شبه بعض.
وبناطيل بيچ.
وشعرهم غامق.
كانوا واقفين جنب بعض، بيتكلموا ويضحكوا، لكن أول ما دخلت، واحد منهم بصلي.
وبعدين رفع إيده ومشّط بيها شعره لورا.
ومال راسه شوية.
وبعدها حط إيده الشمال ورا رقبته.
التلاتة التانيين عملوا نفس الحركة بالظبط.
اتجمدت مكاني.
الحركة دي
أنا بعملها من وأنا صغير.
كنت بعملها كل ما أتوتر أو أبقى مش عارف أقول حاجة.
لكن اللي خلاني مش قادر أتنفس مش الحركة.
كان وش الولد.
الولد الأول لف ناحيتي بالكامل.
بصيت في عينيه
وحسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
نفس العينين.
نفس شكل الفم.
نفس النظرة العنيدة.
حتى الخط الصغير اللي بين حواجبه لما يركز
كان هو نفس الخط اللي بشوفه في المراية كل يوم.
كنت ببص لنفسي وأنا عندي ست سنين.
وبعدين التلاتة التانيين لفوا.
أربع وشوش.
أربع نسخ مني.
فضلت ساكت.
أنا قابلت في حياتي رجالة أخطر من الموت نفسه، وقعدت قدام ناس مستعدة تقتل من غير ما رمش عيني.
لكن الأربع أطفال دول
خوفوني.
سألت بصوت حاولت أخليه ثابت
عندكم كام سنة؟
الولد اللي قدامي ابتسم وقال بمنتهى البراءة
ست سنين.
ست سنين.
الكلمة خبطت في دماغي كأن حد ضربني على دماغي.
ست سنين
نفس المدة بالظبط.
من ست سنين كان فيه ست.
الست الوحيدة اللي حبيتها بجد.
الوحيدة اللي في وقت من الأوقات فكرت أسيب عشانها حياة عيلتي كلها، وأبعد عن عالمهم، وأبدأ معاها من الصفر.
اسمها كان مريم.
مريم كانت مختلفة عن كل الستات اللي عرفتهم.
ماكانش يهمها اسمي.
ولا فلوسي.
ولا نفوذ عيلتي.
كانت بتبصلي أنا كمال.
مش كمال المنشاوي.
وفي يوم، من ست سنين، اختفت من حياتي.
أو على الأقل
ده اللي كنت فاكره.
إيدي اتحركت لوحدها ناحية جيب الجاكت.
لمست علبة الخاتم.
الخاتم اللي كنت داخل بيه النهارده عشان أطلب إيد واحدة تانية.
وفجأة، سمعت صوت خطوات جاية من برّه.
وبعدين صوت ست بينادي
يا ياسين! يا يونس! يا يحيى! يا يوسف! خلصتوا ولا إيه؟!
نفسي اتقطع.
الصوت ده
مستحيل.
ست سنين عدّوا.
لكن مهما مرّ وقت
كنت هعرف الصوت ده وسط ألف صوت.
مريم.
الأولاد الأربعة جريوا ناحية باب الحمّام.
وأنا فضلت واقف مكاني.
لا قادر أتحرك.
ولا قادر أتكلم.
ولا حتى قادر آخد نفسي.
النهارده، كان المفروض القاهرة كلها تعرف إن كمال المنشاوي هيتجوز.
كان المفروض أعلن خطوبتي على بنت عيلة كبيرة، والجوازة دي تقوّي نفوذ عيلتي أكتر.
كان المفروض أطلع من المطعم، أركب عربيتي، وأروح أطلب إيد لارا.
لكن في اللحظة دي
كل حاجة اتكسرت جوايا.
لأن الست اللي حبيتها من ست سنين كانت واقفة ورا الباب.
وأربع ولاد عندهم ست سنين
أربع ولاد لابسين نفس ملامح طفولتي
كانوا بيجروا ناحيتها.
وقبل ما أستوعب اللي بيحصل، سمعت واحد منهم بيقول
ماما، الراجل ده كان بيسألنا عندنا كام سنة.
مريم سكتت.
سكتة قصيرة
لكنها كانت كفاية.
وبعدين سمعت صوتها، واطي ومتوتر
كمال؟
في اللحظة دي، عرفت إن اللي اختفى من حياتي من ست سنين
ماكانش مجرد حب قديم.
كان فيه سر كبير مستخبي ورا اختفائها.
وسر لو طلع حقيقي
كان ممكن يقلب حياة عيلة المنشاوي كلها رأسًا على عقب.
كمال؟
صوت مريم خرج متقطع.
أنا فضلت واقف مكاني، مش قادر أرد.
الأربع ولاد كانوا واقفين حواليها.
ياسين ماسك إيدها اليمين.
ويونس ماسك إيدها الشمال.
يحيى واقف وراها.
ويوسف كان باصصلي بنفس النظرة اللي شوفتها في وشي في المراية.
مريم بصتلي ثواني، وبعدها قالت
الأولاد... ادخلوا العربية.
بس يا ماما...
دلوقتي.
كان واضح إنهم متعودين يسمعوا كلامها.
خرجوا.
لكن قبل ما مريم تتحرك، وقفت قدامي.
كانت أكبر شوية من آخر مرة شوفتها.
ملامحها اتغيرت.
بس عينيها...
كانت زي ما هي.
قلت بصوت واطي
دول ولادي؟
وشها اصفر.
ما ردتش.
كررت
مريم، أنا سألتك... دول ولادي؟
غمضت عينيها لحظة، وبعدين قالت
أيوه.
الكلمة وقعت عليّ كأنها حكم بالإعدام.
أربع ولاد.
مش واحد.
مش اتنين.
أربع ولاد.
ست سنين وأنا فاكر إنها سابتني من غير سبب.
ست سنين وأنا فاكر إن حبنا انتهى.
طلعت الحقيقة إنها كانت