شوفت بنتي
شوفت بنتي قاعدة في ميدان، جنبها ابني حفيدي اللي عنده خمس سنين، وتلات شنط مرميين تحت رجليها.
أول ما سألتها إيه اللي حصل؟
بصتلي وهي بتحاول تمنع دموعها، وقالت بصوت واطي
حماتي طردتني من شركتك وجوزي قال لي أسيب البيت.
ما صرختش، ولا عملت خناقة.
شلت الشنط وحطيتها في عربيتي، وبعدين اتصلت بمحاميّ.
لكن اللي عرفته بعدها خلاني أسأل نفسي
مين اللي مضى قرار فصل بنتي من شغلي؟
الجزء الأول
حماتي فصلتني من شركتك، وبعدها هي وجوزي طردوني من بيتي قالتلي بنتي وهي قاعدة جنب نافورة في ميدان قريب من وسط البلد، وحفيدى ياسين، عنده خمس سنين، لازق فيها وحاضن دراعها، وتلات شنط سفر محطوطين جنبهم.
فضلت باصة لها كام ثانية، مش مستوعبة اللي سمعته.
كان يوم التلات الصبح.
كنت لسه خارجة من مكتبي في وسط البلد عشان أجيب قهوة وأفصل دماغي شوية قبل ما أراجع حسابات ورواتب آخر الشهر.
الميدان كان زحمة كعادته ناس رايحة شغلها، عربيات معدية، واحد بيبيع فول وطعمية، وست قاعدة بتبيع ورد، وصوت البياعين داخل في بعض.
كل حاجة كانت طبيعية.
إلا بنتي نور.
نور طول عمرها، حتى لو كانت تعبانة أو منهارة، كانت أول ما تدخل مكان تعدّل ضهرها وتتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن الصبح ده كانت قاعدة قدامي كأن الدنيا كلها وقعت فوق دماغها.
كتافها نازلة، عينيها مورّمة من العياط، وشعرها مبهدل.
جنبها كان ياسين ماسك عربية لعبة بإيد، وبالإيد التانية ماسك في كم بلوزة أمه ومش راضي يسيبها.
أول ما شافني قال بصوت واطي
تيته
نزلت لمستواه وحضنته.
إنت كويس يا حبيبي؟
هز راسه آه، بس فضل ماسك في أمه.
ساعتها بصيت على الشنط.
تلات شنط كبار.
مش شنط خروجة ولا كام يوم.
دي كانت الشنط اللي حد بيحط فيها حياته لما يتقال له لمّ حاجتك وامشي.
رفعت عيني لبنتي.
احكيلي حصل إيه؟
نور بلعت ريقها وخدت نفس طويل.
حماتي سهير راحت الشركة امبارح. طلبتني في مكتب المخزن، وقالتلي إن وجودي بقى مش مناسب للشكل الجديد للشركة.
قطبت جبيني.
يعني إيه مش مناسب؟
معرفش يا ماما. فضلت ترمي كلام من نوع إن الشركة داخلة مرحلة جديدة وإن لازم يكون في ناس أكتر احترافية. وبعدها لقيت الموظف بتاع الأمن بيقوللي إن كارت الدخول بتاعي اتلغى.
إيدي شدت على كوباية القهوة اللي كانت لسه في إيدي.
سهير منصور.
حماتها.
مرات رجل الأعمال اللي ابنه، كريم، كان جوز نور.
الست دي عمرها ما كان ليها أي منصب في شركتي.
ولا حتى سهم واحد.
كل علاقتها بالشركة إنها مرات ابن واحد من الموظفين الكبار عندي، وكانت بتحضر أوقات اجتماعات أو مناسبات مع العملاء باعتبارها ضيفة.
وبس.
شركة النور للملابس الجاهزة كانت شركتي أنا.
أنا اللي بدأتها من تمانية وعشرين سنة.
ماكنش معايا وقتها غير ماكينة خياطة مستعملة استلفتها من واحدة قريبتي، وكام لفة قماش، ومبلغ بسيط جدًا كنت حاطاه في حساب التوفير.
دلوقتي بقينا أكتر من خمسين موظف، وبنتعامل مع تجار ومصانع في كذا محافظة، وعندنا مبنى كامل باسم الشركة.
وكنت لسه محتفظة في مكتبي بأول قطعة قماش اشتغلت فيها بإيدي.
بصيت لنور وسألتها
مين اللي وقّع قرار فصلك؟
سكتت.
وبعدين قالت
هي قالت إنك إنتِ اللي طلبتي.
حسيت إن حاجة باردة نزلت في ضهري.
لأن قبل ما أخرج من الشركة الصبح ده، مدير التشغيل كان باعتلي رسالة
مدام هالة، حضرتك طلبتي إلغاء صلاحيات نور؟
أنا رديت عليه فورًا
طبعًا لأ.
وبعدها طلبت منه يراجع السيستم.
اللي ظهر قدامي كان غريب جدًا.
طلب إلغاء كارت نور اتسجل يوم الاتنين الساعة أربعة وسبعة وأربعين دقيقة العصر
من خلال بيانات دخول مؤقتة باسم سهير، وهي البيانات اللي كانت بتستخدمها لما تدخل الشركة كضيفة في بعض الاجتماعات.
لكن أنا لسه ما كنتش عارفة كل حاجة.
بصيت للشنط تاني.
طب وشنطك إيه حكايتها؟ إنتِ كنتي جاية من البيت على هنا؟
نور هزت راسها.
لأ.
صوتها اتكسر.
لما رجعت البيت امبارح، لقيت سهير هناك وكريم كان معاها.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
قالتلي إن بعد المشكلة اللي عملتها في الشركة أنا محتاجة أبعد شوية عنهم وأراجع نفسي.
بصيت لها بعدم تصديق.
مراجعة نفسك فين؟
نور نزلت عينيها.
برّه البيت.
اتجمدت مكاني.
يعني إيه برّه البيت؟
قالتلي آخد ياسين وأمشي كام يوم وكريم
سكتت.
كريم عمل إيه؟
دموعها نزلت.
كريم ما دافعش عني.
صوتها بقى أوطى.
بالعكس قالي إن الأفضل ليا ولهدوء البيت إني أخرج أنا وياسين شوية لحد ما الأمور تهدى.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
من بيتك؟
هزت راسها.
البيت أصلًا كان باسم نور وكريم.
لكن جزء كبير من مقدم الشقة كان من فلوس بنتي ومدخراتها قبل الجواز.
يعني الست دي ما اكتفتش إنها تدخل شغلي
دي كمان دخلت بيت بنتي وطردتها منه.
بصيت على ياسين.
طفل عنده خمس سنين.
واقف جنب أمه، مش فاهم ليه فجأة بقى عنده تلات شنط وليه قاعد في ميدان بدل ما يكون في بيته.
ساعتها أخدت قرار.
ما كانش وقت خناقات.
ولا وقت صويت.
ولا حتى وقت ما أروح أواجه سهير.
بصيت لنور وقلت
يلا.
رفعت عيني باستغراب.
على فين؟
هنروح بيتي.
وبعدين أشرت للشنط.
لمّي حاجتك.
حاولت تتكلم
ماما
قاطعتها بهدوء
دلوقتي يا نور.
فضلت باصة لي شوية، كأنها خايفة من اللي ممكن أعمله.
لكن أنا ما كنتش ناوية أعمل خناقة.
كنت ناوية أعرف الحقيقة.
مين اللي اداها الحق يفصل بنتي من شركتي؟
ومين اللي اداها الحق يخرجها من بيتها؟
ومين اللي وصل بيه الأمر إنه يزوّر اسمي؟
بالليل، بعد ما ياسين نام على الكنبة في الصالة، ونور أخيرًا هديت شوية، قعدت