عندها 75سنه
عندها 75 سنة، انحنيت فوق تابوت حفيدتي قبل ما يدفنوها، عشان أظبط لها فستانها للمرة الأخيرة لكن إيدي لمست حاجة مستخبية جوّه طيّة في الفستان.
كانت صورة.
بصيت لها، وسألت من غير ما أرفع صوتي
مين حط الصورة دي هنا؟
ما استنيتش حد يرد. حطيت الصورة في جيبي، وقفلت التابوت بإيدي.
وبعد ساعات، اكتشفت إن ابني اللي مات من 9 سنين كان مخبّي عني سر سر لو ظهر، كان كفيل يقلب حياة عيلتنا كلها.
الجزء الأول
الشمعة دي عشان حفيدتي والشمعة التانية عشاني أنا. عشان بعد ما أدفنها، مش هيبقى لي لازمة أعيش.
قال الحاج عبدالرحيم الشناوي الجملة دي وهو واقف قدام محراب مسجد صغير في قرية قريبة من دسوق، وإيده ماسكة شمعتين مرتعشين.
كان عنده خمسة وسبعين سنة.
ضهره محني من السنين، ووشه مليان تجاعيد، وعينيه وارمين من كتر العياط.
بص له عم حسين، خادم المسجد، بقلق وقال
يا حاج عبدالرحيم، ربنا يديك العمر إنت لسه عايش.
ابتسم عبدالرحيم ابتسامة مكسورة.
لحد دلوقتي.
تاني يوم كان هيدفن ملك، حفيدته اللي عندها ستاشر سنة، وآخر حد في الدنيا كان لسه بييجي يسأل عليه.
مراته ماتت من عشر سنين بأزمة قلبية.
وبعدها بفترة قصيرة، ابنه الوحيد كريم مات في حادثة على الطريق وهو راجع من الشغل.
ومن ساعتها، علاقته بمرات ابنه، سلوى، كانت شبه مقطوعة.
عمره ما ارتاح لها.
بعد موت كريم، سلوى دخلت في سكة الشرب، وبقت طول الوقت سايبة بنتها لوحدها، كأن ملك مش بنتها أصلًا.
لكن ملك كانت مختلفة.
رغم كل حاجة، عمرها ما نسيت جدها.
كانت كل كام شهر تركب من طنطا وتيجي البلد مخصوص عشان تقعد معاه كام يوم.
كانت تدخل عليه وهي شايلة كيس عيش وفاكهة وتقول
جدو، إنت هتفضل تاكل لوحدك لحد إمتى؟
وكان يضحك ويقول لها
وإنتِ فاكرة إني هستنى غيرك يعني؟
كانت ملك هي الحاجة الوحيدة اللي مخلياه متعلق بالحياة.
لكن قبل موتها بتلات أيام، خرجت تتمشى ناحية الترعة القريبة من البلد.
ومرجعتش.
لقوها بعدها بساعات مرمية على جنب الطريق.
الإسعاف حاول ينقذها، لكن الأطباء قالوا إن عندها مشكلة خلقية في القلب، وإن قلبها وقف فجأة.
في الليلة دي، عبدالرحيم أخد قرار مرعب.
هيدفن ملك
وبعدها مش هيحاول يعيش تاني.
كان حاسس إن خلاص كل اللي بيحبه راح.
مراته.
ابنه.
ودلوقتي ملك.
لكن في الليلة اللي سبقت الجنازة، حصل له شيء غريب.
شاف ابنه كريم في المنام.
كان واقف قدامه بنفس شكله يوم ما مات.
نفس القميص.
نفس الابتسامة.
نفس النظرة.
عبدالرحيم قرب منه وقال
كريم إنت جيت تاخدني معاك؟
ابنه هز راسه.
لأ يا أبويا لسه بدري.
بدري إيه؟! أنا مبقاش لي حد.
كريم سكت شوية، وبعدين بص له بحزن.
عشان لسه عندك حفيدة.
عبدالرحيم بص له باستغراب.
حفيدتي ماتت يا ابني.
لكن كريم قرب منه وقال جملة خلت عبدالرحيم يفزع من النوم وهو بيصرخ
ملك مش الحفيدة اللي أنا بتكلم عنها.
فتح عينيه وهو غرقان في العرق.
قعد على السرير وهو بيتنفس بصعوبة.
حط إيده على صدره.
وقال لنفسه
ده حلم مجرد حلم من كتر الحزن.
لكن تاني يوم، حصلت حاجة خلت عبدالرحيم يعيد كل كلمة سمعها من ابنه في المنام.
كانت الجنازة خلصت.
والناس كلها واقفة حوالين القبر.
وقبل ما ينزلوا التابوت، عبدالرحيم وقف فجأة وقال
استنوا.
الناس بصت له.
عايز أشوفها آخر مرة.
فتحوا التابوت.
كانت ملك لابسة فستان أبيض بسيط.
وشها هادي بشكل يوجع القلب.
قرب عبدالرحيم منها، ومد إيده يعدل لها الفستان.
كان عايز آخر صورة تفضل في دماغه تكون وهي مرتاحة.
لكن أول ما لمس إحدى طيات الفستان، حس بحاجة غريبة تحت القماش.
وقف.
دخل صوابعه بحذر.
وسحب حاجة صغيرة.
صورة فوتوغرافية.
بص لها.
وفجأة وشه اتغير.
الصورة كانت لبنت صغيرة، تقريبًا عندها عشر سنين.
شعرها أشقر.
وعينيها فاتحة.
وكانت واقفة قدام كاميرا وبتضحك.
عبدالرحيم فضل باصص للصورة كأنه مش فاهم هو شايف إيه.
وبصوت واطي قال
مين حط الصورة دي هنا؟
محدش رد.
لف على الستات اللي كانوا جهزوا ملك.
إنتِ اللي لبستيها؟
أيوه يا حاج.
شوفتي الصورة دي؟
لأ والله، معرفش عنها حاجة.
سأل واحدة تانية.
وبعدين اتنين من العاملين في المغسلة.
ولا واحد فيهم عرف حاجة.
حتى الشيخ اللي حضر تجهيز الجنازة قال له
والله يا حاج، أول مرة أشوفها.
لكن عبدالرحيم ما كانش بيسمع حد.
كان كل اللي بيدور في دماغه جملة ابنه
ملك مش الحفيدة اللي أنا بتكلم عنها.
رجع البيت وهو مخبي الصورة في جيبه.
طول الليل ما نامش.
كل ما يغمض عينه، يشوف البنت اللي في الصورة.
مين دي؟
وليه صورتها كانت مستخبية في فستان ملك؟
وليه كريم قال له في المنام إنه عنده حفيدة تانية؟
وفجأة افتكر شخص واحد.
سلوى.
مرات ابنه.
أم ملك.
والست اللي ما ظهرتش حتى في جنازة بنتها.
تاني يوم الصبح، عبدالرحيم خد أول عربية رايحة طنطا.
كان لازم يعرف الحقيقة.
لما وصل بيت سلوى، خبط على الباب.
استنى.
خبط تاني.
وبعد شوية الباب اتفتح.
عبدالرحيم اتصدم.
سلوى ما كانتش زي ما فاكرها.
كانت وشها شاحب.
شعرها منكوش.
عينيها حمرا ومنتفخة.
وكانت ريحة الخمر طالعة منها بشكل واضح.
بصت له وقالت ببرود
إنت عايز إيه يا حاج؟
عبدالرحيم دخل من غير ما يستأذن.
وقال بصوت متحشرج
عايز أعرف ليه ما جيتيش تدفني بنتك.
سلوى ضحكت ضحكة قصيرة، باردة.
بنتي؟
وبصت له في عينه وقالت
ملك عمرها ما كانت بنتي.
عبدالرحيم اتجمد مكانه.
إنتِ بتقولي إيه؟
سلوى سندت ضهرها على الباب وقالت
ملك مش بنتي ولا بنت كريم.
عبدالرحيم حس إن رجليه مش شايلينه.
طلع الصورة من جيبه.
ورفعها قدام وشها.
طب والبنت دي مين؟
أول ما سلوى شافت الصورة
وشها اتغير.
الضحكة اختفت.
وعينيها اتفتحت على آخرها.
فضلت ساكتة كام ثانية.
وبعدين قالت
الصورة دي إنت لقيتها فين؟
عبدالرحيم قرب منها.
في كفن ملك.
سلوى رجعت لورا خطوة.
وبصوت مرتعش قالت
يبقى هو عرف.
مين؟
سلوى سكتت.
عبدالرحيم مسك دراعها.
مين عرف يا سلوى؟!
سلوى بصت له وهي بتترعش.
وبعدين قالت
كريم.
عبدالرحيم حس بقلبه بيقف.
كريم كان عارف إيه؟
سلوى بلعت ريقها وقالت
ملك كريم خدها من دار أيتام وهي عندها سنة.
عبدالرحيم فضل ساكت.
يعني إيه خدها من دار أيتام؟
يعني مش من دمنا.
سكتت لحظة.
ثم قالت الجملة اللي هزت عبدالرحيم من جواه
ملك ما كانتش بنت كريم أصلًا ومش بنتي أنا كمان.
حس عبدالرحيم إن الأرض بتلف بيه.
كل السنين اللي فاتت.
كل مرة ملك كانت بتناديه فيها جدو.
كل حضن.
كل زيارة.
كل مرة قالت له وحشتني يا جدو.
وفجأة افتكر حلم ابنه.
لسه عندك حفيدة بس ملك مش الحفيدة اللي بتكلم عنها.
لكن عبدالرحيم لسه ما كانش يعرف إن الحقيقة اللي سلوى مخبياها مش مجرد إن ملك طفلة متبنّاة.
لأن الصورة اللي كانت مستخبية في كفن ملك
كانت أول خيط في سر أكبر بكتير.
سر كريم خبّاه عن أبوه تسع سنين كاملة.
وسر، لو عبدالرحيم عرفه كله
كان هيكتشف إن موت ملك نفسه ما كانش بالبساطة اللي كل الناس صدقتها.
عبدالرحيم فضل واقف قدام سلوى مش قادر ينطق.
كان نفسه يصدق إن اللي سمعه مجرد كذبة قالتها واحدة سكرانة، واحدة فقدت بنتها ومخها اتلخبط من الصدمة.
لكن الصورة اللي في إيده كانت بتقول غير كده.
قال بصوت مبحوح
ملك كانت متبنّاة؟
سلوى هزت راسها.
أيوه.
وكريم كان عارف؟
أيوه.
وإنتِ؟
سلوى ضحكت بمرارة.
أنا كنت أول واحدة عرفت.
عبدالرحيم قرب منها.
احكيلي كل حاجة.
سلوى بصت للأرض.
كريم كان عنده تلاتين سنة لما قابل واحدة اسمها نهى.
مين نهى؟
أم البنت اللي في الصورة.
عبدالرحيم رفع الصورة تاني.
البنت دي؟
أيوه.