الساعه كانت 3 الفجر
الساعة كانت تلاتة الفجر بالظبط، لما لقيت بنتي عندها 11 سنة واقفة حافية في أوضة الغسيل، وبتغسل هدوم أنا متأكد إن مراتي كانت حطاها في شكاير زبالة ورا البيت.
لمبة الأوضة نورت فجأة، فالبنت اتخضت وبصتلي بخوف.
كانت لسه لابسة بيجامتها، والغسالة شغالة وبتلف بصوت واطي.
قربت منها وقلت
بتغسلي إيه يا حبيبتي؟
بصت ناحية باب الطرقة، كأنها خايفة حد يسمعنا.
وبعدين قالت بصوت مهزوز
بابا... والنبي متقولش لماما.
قلبي اتقبض.
رفعت غطا الغسالة وبصيت جواها.
جاكت الشتاء بتاعي.
تلات قمصان تقيلة.
جزمة الشغل.
وجاكت بني قديم كان بتاع أبويا الله يرحمه.
هدوم أنا عمري ما حطيتها في سلة الغسيل.
بصيت لبنتي باستغراب.
إنتي جبتي الحاجات دي منين؟
وشها اتغير، وعينيها دمعت.
من الشكاير السودة اللي ورا جزازة العشب.
سكت.
حسيت إن في حاجة غلط... غلط أوي.
أنا اسمي محمود السيوفي، والناس في كفر الشيخ ودسوق والمناطق اللي حوالينهم عارفاني باعتباري صاحب شركة نقل كبيرة، وعندي مخازن وعربيات نقل شغالة في نص الدلتا.
والناس اللي اشتغلت معايا سنين كانت عارفة حاجة تانية.
أنا مش الراجل اللي حد يحب يدخل معاه في عداوة.
عديت بمشاكل كتير، ومنافسات، وقضايا، وناس حاولت تبيعني، وناس تانية كانت مستنية وقعة مني عشان تفرح.
لكن عمري ما دخلت بنتي في أي حاجة من دي.
ولا حتى مراتي نهى.
أو ده اللي كنت فاكره.
بصيت لبنتي وسألتها
ليه هدومي كانت بره؟
مسحت دموعها بطرف إيدها وقالت
ماما كانت بترميها.
كلها؟
هزت راسها.
أيوه.
وبعدين بصتلي وقالت
حتى جاكت جدو.
صوتي هدي أكتر، رغم إن جوايا كان بيغلي.
ماما قالتلك ليه بترميه؟
بلعت ريقها.
قالت إنك مش هتحتاجه تاني.
فضلت باصصلها ثواني.
وبعدين سألتها
يعني إيه مش هحتاجه تاني؟
البنت بدأت تعيط.
ماما قالت إنك دخلت في مشكلة كبيرة أوي...
سكتت لحظة، وبعدين كملت
وقالت إن في رجالة جايين ياخدوك قبل يوم السبت.
حسيت إن الدنيا حواليّا وقفت.
رجالة مين؟
هزت راسها.
معرفش... ماما ماقالتليش.
قربت منها أكتر.
قالتلك أنا رايح فين؟
هنا بنتي بصتلي بطريقة عمرها ما بصتهالي قبل كده.
وبصوت واطي جدًا قالت
قالت إني هروح أقعد عند تيتة شوية.
اتنفست ببطء.
وبعدها؟
نزلت عينيها في الأرض.
سألتها بابا رايح فين؟
بدأ صوتها يتهز.
فقالتلي...
وسكتت.
قالتلك إيه؟
رفعت عينيها في عيني.
والجملة اللي قالتها بعدها كانت كفاية إنها تقلب كل حاجة في حياتي
قالتلي المكان اللي أبوكي رايحه... هناك بيدّوا الناس هدوم يلبسوها.
اتجمدت مكاني.
ما سألتهاش أي سؤال تاني.
بس حضنتها جامد وقلت لها
إنتي معملتيش أي حاجة غلط يا حبيبتي... سامعاني؟ ولا غلطة.
طبطبت عليها لحد ما هديت، وبعدها دخلتها سريرها.
لكن أنا ما نمتش.
وما صحيتش نهى.
استنيت لحد ما اتأكدت إن البيت كله نام، وبعدها نزلت على الحوش لوحدي.
كان الجو ساقعة والشارع هادي.
مشيت ناحية المكان اللي قالت عليه بنتي.
ورا جزازة العشب، لقيت تلات شكاير سودة كبار.
قربت منهم وفتحت أول واحدة.
وقفت مكاني.
كل حاجة تقريبًا ممكن أحتاجها لو اختفيت من البيت ومارجعتش كانت جوه الشكاير.
هدومي.
جزمي.
حاجات شخصية.
حتى حاجات كنت مخبيها في دولابي من سنين.
لكن اللي خلاني أحس إن الدم اتسحب من وشي...
إن كل شكارة كان عليها استيكر رفع قمامة تابع للحي.
والميعاد مكتوب عليه
الثلاثاء الصبح.
فضلت واقف أبص للشكاير من غير ما أتحرك.
وفجأة، كل التفاصيل بدأت تركب فوق بعض.
مراتي ماكنتش بترتب الدولاب.
وما كانتش بتتخلص من هدوم قديمة.
نهى كانت بتجهز البيت لغيابي.
والأسوأ من كده...
إنها كانت عارفة إن حاجة هتحصل لي قبل ما أنا نفسي أعرف.
رجعت من الحوش وأنا شايل في دماغي سؤال واحد
مين اللي كان بيجهز لاختفائي؟
طلعت السلم بهدوء، ولما وصلت قدام أوضة نومي، وقفت.
باب الأوضة كان موارب.
مع إني متأكد إني كنت قافله قبل ما أنزل.
دخلت.
نهى كانت نايمة.
أو على الأقل كانت عاملة نفسها نايمة.
فضلت واقف ثواني أبص لها.
وبعدين بصيت ناحية الدولاب.
فتحت الضلفة الكبيرة.
نص هدومي تقريبًا اختفى.
لكن الغريب إن هدومي القديمة اللي ما بلبسهاش كانت موجودة.
يعني مين كان بيختار بالضبط إيه اللي يتشال وإيه اللي يفضل؟
مديت إيدي ناحية الرف الأخير.
لقيت علبة خشب صغيرة.
العلبة دي أنا ما فتحتهاش من سنين.
كانت فيها حاجات أبويا الله يرحمه.
ساعة قديمة.
صورة ليه وأنا طفل.
ومفتاح صغير صدّي.
فتحتها.
المفتاح اختفى.
وقتها عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد إن مراتي بتجهزني للسفر أو لغياب مؤقت.
قفلت العلبة ورجعتها مكانها.
وبدل ما أنام، فضلت قاعد على الكنبة في الصالة لحد الفجر.
الساعة ستة إلا ربع، سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
قربت من الشباك.
عربية ملاكي سودا.
نزل منها راجلين.
ماعرفتهمش.
واحد منهم كان ماسك ملف بني.
والتاني وقف يبص ناحية البيت كأنه بيتأكد إن المكان فاضي.
العربية فضلت عشر دقايق.
وبعدين مشيت.
ماطلعوش.
وده كان أغرب من إنهم يطلعوا.
رجعت أبص على الساعة.
السبت.
لسه قدامي يومين.
قررت أروح الشركة قبل ما أي حد يصحى.
لكن قبل ما أخرج، سمعت صوت بنتي من ورايا
بابا؟
لفيت.
كانت واقفة عند باب أوضتها.
شعرها منكوش ووشها نايم.
قلت
إيه يا حبيبتي؟
جريت عليا وحضنتني.
وبعدين همست
بابا لو حصل لك حاجة، افتح درج مكتبك اللي محدش بيفتحه.
اتجمدت.
مين قالك كده؟
هزت راسها.
محدش.
أمال عرفتي منين؟
قالت
ماما كانت بتتكلم مع حد في التليفون، وقالتله هو لو فتح الدرج ده، كل حاجة هتبوظ.
وبعدين رجعت حضنتني.
أنا سمعتها.
سألتها
إمتى؟
قالت
أول امبارح.
ماعلقتش.
قبلتها على راسها وخرجت.
وصلت الشركة.
أول ما دخلت مكتبي، قفلت الباب بالمفتاح.
فتحت الدرج.
كان فيه ملفات الشغل العادية.
عقود.
فواتير.
أوراق عربيات.
دفتر الحسابات.
وفي الآخر، ظرف أبيض قديم.
فتحت الظرف.
لقيت صورة.
صورة ليا أنا ونهى يوم كتب كتابنا.
لكن على ضهر الصورة كان مكتوب بخط إيدي
لو وصلت للصورة دي، يبقى أنا غلطت في الشخص اللي وثقت فيه.
أنا عمري