بالمرتب اللي تقبضيه
بالمرتب اللي بتقبضيه ده، تستحمّي بمية ساقعة. أنا مش هولّع السخان عشان الدلع بتاعك!
وقفت مريم قدام السخان مكانها، مش قادرة حتى ترد.
كانت الساعة قربت على تسعة بالليل، ولسه لابسة هدوم الشغل بتاعتها. قضت حوالي 12 ساعة واقفة في المعمل بسبب إن واحدة من زميلاتها غابت، وبعدها ركبت مواصلتين من أول القاهرة لحد بلدهم في أطراف دمنهور.
جسمها كان مهدود، إيديها ساقعة، وكل اللي كانت نفسها فيه دش دافي يهون عليها اليوم.
لكن حماتها، الحاجة عفاف، كانت واقفة قدامها وهي ماسكة محبس السخان بإيدها، كأنها بتعلن قرار نهائي.
أنا جاية من الشغل متبهدلة يا ماما...
ردت حماتها ببرود
وإيه يعني؟ سخّني جردل مية واستحمّي. هو إحنا فلوسنا حرام عشان نولّع السخان كل شوية؟
مريم بصّت لجوزها حسام.
كان قاعد على السفرة، ماسك موبايله وبيتفرج على فيديوهات. رفع عينه ثانيتين بس، بص لمريم، وبعدها رجع يبص في الموبايل كأن مفيش حاجة حصلت.
والحقيقة إن سكوته وجعها أكتر من كلام حماتها.
من تلات سنين، بعد وفاة حماها، الحاج فوزي، قالت الحاجة عفاف إنها مش قادرة تعيش لوحدها في البيت القديم.
البيت كان في أطراف البلد، والسخان كان بايظ نص الوقت، وهي كانت بتشتكي من رجليها وخايفة تمرض وهي لوحدها بالليل.
وقتها مريم قالت لنفسها
كام شهر وهتتحسن ظروفها، وبعدها كل واحد يرجع لحياته.
فوافقت هي وحسام يعيشوا معاها.
وكان عند مريم شقة صغيرة كانت وارثاها عن جدتها. بدل ما تأجرها وتستفيد منها، سابتها مقفولة، وقررت تساعد جوزها وأمه لحد ما الدنيا تستقر.
بس كام شهر اتحولوا لتلات سنين.
حسام كان بيدفع قسط عربيته، والكهربا والنت.
أما مريم فكانت شايلة معظم مصاريف البيت اللي محدش بياخد باله منها.
المقاضي.
المية.
الزبالة.
المنظفات.
أجرة المواصلات والتاكسيات لما حماتها تحتاج تروح للدكتور.
حتى مصاريف المشاوير الصغيرة اللي بتتراكم في آخر الشهر وتطلع مبلغ كبير.
وفوق كل ده، كانت بتطبخ وتنضف وتظبط البيت، وتراجع الفواتير، وتخلص مشاوير حماتها، وتطلب إجازات من شغلها لما الحاجة عفاف تحتاجها.
ومع ذلك، الحاجة عفاف كانت دايمًا بتقول
أنا اللي بدفع تمن الغاز هنا!
وكأنها هي اللي شايلة البيت كله على كتفها.
والأغرب إن المعاملة كانت بتختلف حسب وجود حسام.
لما حسام يكون موجود، السخان شغال، والأكل يكون لحمة أو فراخ، والقهوة معمولة طازة.
أما لما يكون في الشغل، مريم كانت تسمع
سخني الأكل اللي من امبارح.
ولو قالت إنها تعبانة
كلنا تعبانين يا بنتي، هو إنتِ بس اللي بتشتغلي؟
وفي مرة حسام نفسه قالها وهو بيضحك
كلي رز وخضار يا مريم، عشان تحافظي على وزنك.
كانت بتضحك وقتها، حتى لو الكلام وجعها.
كانت بتعدّي حاجات كتير عشان بيتها ما يتهدش.
لكن اللي حصل الليلة دي كان مختلف.
بصت مريم لجوزها تاني.
حسام... إنت مش هتقول حاجة؟
اتنهد، وحط الموبايل على السفرة.
يا مريم، أمي مش قصدها حاجة. هي بس بتحاول توفر. ما تكبريش الموضوع.
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين ابتسمت.
ابتسامة هادية جدًا، لدرجة إن حماتها نفسها اتوترت منها.
حاضر.
الحاجة عفاف رفعت حاجبها.
حاضر إيه؟
مريم هزت راسها وقالت بهدوء
ولا حاجة. بس من بكرة، كل واحد هيدفع اللي عليه.
حسام ضحك باستخفاف.
هو إحنا هنحسبها على بعض دلوقتي؟
مريم بصت له في عينه.
لأ. بس بما إن مرتبي قليل أوي زي ما ماما قالت... يبقى أكيد مش هيبقى له لازمة في البيت.
الحاجة عفاف ضحكت بسخرية.
يا حبيبتي، فلوسك دي كلها على بعضها كام يعني؟ كام قرش؟
مريم ما ردتش.
بس قالت جملة واحدة
تمام. من بكرة ابنيكِ يا ماما... ابنك هو اللي يدفع كل حاجة.
حسام اتضايق
مريم، ما تبتديش خناقة دلوقتي.
مش هعمل خناقة.
قالتها وهي بتتحرك ناحية الحمام.
أنا بس هبطل أدفع.
دخلت الحمام.
فتحت المية...
كانت ساقعة لدرجة إنها شهقت.
وقفت تحتها وهي بتترعش، وعينيها مليانة دموع.
مش بسبب المية.
لكن لأنها لأول مرة فهمت إنها عاشت تلات سنين كاملة وهي بتحاول تثبت إنها زوجة كويسة، وكنّة كويسة، وإنسانة يعتمد عليها...
بينما الشخص الوحيد اللي كان المفروض يقف جنبها، اختار يسكت.
بعد ما خلصت، دخلت أوضتها من غير ما تتعشى.
فتحت موبايلها.
وقعدت تبص على التحويلات والفواتير اللي كانت بتدفعها كل شهر.
فاتورة المية.
القمامة.
المنظفات.
طلبات السوبر ماركت.
أدوية حماتها.
مشاوير الدكتور.
اشتراكات وخدمات كانت متوصلة باسمها.
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين بدأت تلغيهم واحد ورا التاني.
إلغاء الدفع التلقائي.
إيقاف الخدمة.
إلغاء الاشتراك.
كل ضغطة كانت بتريح قلبها أكتر.
ولما خلصت، حطت الموبايل جنبها وقالت لنفسها
من النهارده، كل واحد يشيل نتيجة اختياراته.
ونامت.
ولأول مرة من سنين...
نامت من غير ما تفكر هتجيب طلبات البيت منين، ولا مين ناقصه دوا، ولا فاتورة إيه قرب ميعادها.
لكن الساعة ستة ونص الصبح، صرخة مرعبة هزت البيت كله.
مامااااا! إنتِ عملتي إيه؟!
مريم فتحت عينيها.
قعدت على السرير بهدوء.
سمعت صوت حسام جاي من المطبخ، وكان واضح إنه بيتكلم بعصبية.
خرجت من الأوضة.
لقته واقف قدام السفرة، ماسك موبايله، ووشه متغير تمامًا.
هو إيه اللي حصل؟
بصلها وهو مش مستوعب.
مريم... هو إحنا كنا بندفع كام في البيت كل شهر؟
قالت بهدوء
على حسب.
يعني إيه على حسب؟! أنا فتحت التطبيق لقيت إن مصاريف البيت لوحدها بتوصل لأكتر من اتناشر ألف جنيه!
الحاجة عفاف خرجت من المطبخ بسرعة.
اتناشر ألف إيه؟!
حسام بدأ يقرأ من الموبايل
مقاضي... منظفات... مية... زبالة... أدوية... مواصلات... طلبات البيت...
رفع عينه لمريم.
إنتِ اللي كنتِ بتدفعي كل ده؟
مريم ما ردتش.
فقالت الحاجة عفاف بسرعة
ما هو يعني كانت بتجيب حاجات بسيطة! ما تكبروش الموضوع!
حسام بص لها.
بسيطة إيه يا أمي؟ ده أنا عمري ما كنت أعرف إن المصاريف دي كلها بتتدفع من حساب مريم!
سكتت الحاجة عفاف.
لكن حسام فجأة فتح كشف الحساب تاني.
وبدأ يقلب في العمليات.
مرة.
واتنين.
وبعدين وشه اتغير تمامًا.
استني...
مريم بصت له.
في إيه؟
حسام قرب الموبايل من عينه، وكأنه مش مصدق اللي شايفه.
مريم... إنتِ لغّيتي كل المدفوعات دي إمبارح؟
قالت بهدوء
أيوه.
الحاجة عفاف اتدخلت بعصبية
وليه؟!
مريم بصت لها.
عشان مرتبي قليل، زي ما قولتي.
لكن حسام ما كانش بيسمعهم أصلًا.
كان لسه بيقلب في كشف الحساب.
وفجأة قال بصوت مخنوق
يا نهار إسود...
مريم قربت خطوة.
في إيه يا حسام؟
رفع عينه ليها.
المرة دي ما كانش غضبان.
كان مرعوب.
في حاجة أسوأ بكتير من مصاريف البيت...
وبص لأمه.
إنتِ كنتِ بتدفعي فلوس من حساب مريم من غير ما تعرف؟
الحاجة عفاف وشها اصفر.
ومريم لأول مرة شافت الخوف الحقيقي في عيني حماتها.
لكن حسام كان لسه بيقلب في آخر كشف...
ولما وصل لعملية واحدة بعينها، إيده بدأت ترتعش.
لأن المبلغ اللي اتسحب...
كان أكبر بكتير من كل مصاريف البيت اللي كانت مريم بتدفعها في السنين اللي فاتت.
والأسوأ من المبلغ...
إن اسم المستفيد كان شخصًا لا تعرفه مريم إطلاقًا.
وهنا بدأت الحقيقة اللي هتغيّر شكل الجواز والبيت كله.
في حاجة أسوأ بكتير من مصاريف البيت...
قالها حسام وهو بيقلب في كشف الحساب.
مريم قربت منه.
إيه هي؟
حسام بلع ريقه، وبص لأمه.
إنتِ كنتِ بتدفعي فلوس من حساب مريم من غير ما تعرفي؟
الحاجة عفاف شهقت
أنا؟! إنت بتتهمني يا حسام؟
أنا مش بتهمك... أنا بس بسأل!
فتح حسام العملية قدامهم.
كان فيه تحويل بمبلغ مائة وثمانين ألف جنيه، متقسم على دفعات صغيرة خلال حوالي سنة ونص.
المستفيد شركة النور للمقاولات والتوريدات.
مريم عقدت حواجبها.
أنا معرفش الشركة دي.
حسام سألها
متأكدة؟
بصت له باستغراب.