الساعه كانت اتنين
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل، لما لقيت مدبرة البيت قاعدة على أرضية المخزن، بتاكل بواقي الأكل البايتة حبة حبة، كأنها خايفة حد يمسكها متلبسة وهي بتحاول تعيش.
في الأول افتكرت إن اسماء، الست اللي شغالة عندي، ظروفها صعبة ومش مكفية معاها.
لكن لما فتحت سجلات المرتبات بتاعة شركتي
اكتشفت حاجة أسوأ بكتير.
حد كان بيسرق أكتر من نص مرتبها بقاله سنين.
والأصعب من كده؟
إن التفويض اللي بيتم بيه السحب كان باسم الراجل اللي أنا واثق فيه أكتر من أي حد
الراجل اللي سلمته نص إمبراطوريتي بإيده.
من بعد وفاة مراتي من سنتين، النوم بقى حاجة شبه المستحيل.
معظم الليالي كنت بفضل ألف في البيت الكبير اللي ساكن فيه في الشيخ زايد، لحد ما جسمي ينهار وأنام من التعب.
الليلة دي، نزلت المطبخ عشان أشرب كباية مية.
وأنا معدي جنب المخزن، لمحت الباب مفتوح سنة صغيرة.
وقفت.
وبصيت جوّه.
لقيت اسماء قاعدة على الأرض، وحاطة طبق على رجليها.
رز بارد.
فاصوليا خضرا.
وتلات شرايح لحمة متبقية من العشا اللي كنت عامله الليلة اللي فاتت.
عشا حضره رجال أعمال ومسؤولين كبار، وكل واحد فيهم كان سايب نص أكله في طبقه ومش فارق معاه.
أول ما اسماء شافتني، اتجمدت مكانها.
حضرتك
ونزلت الشوكة من إيدها بسرعة.
أنا آسفة يا فندم.
بصيت لها باستغراب.
آسفة على إيه؟
فضلت باصة في الأرض.
مكنتش عايزة أزعج حد.
عيني راحت من الطبق لإيديها.
مفاصل صوابعها كانت متشققة من الكلور وسلك المواعين، وإيديها باين عليها إنها بتشتغل طول اليوم.
ولفت نظري إسورة قديمة حوالين إيدها.
كنت شوفتها قبل كده مئات المرات، بس عمري ما سألتها عنها.
كان متخيط عليها حرفين
ل وم.
ولاديها.
إمتى آخر مرة أكلتي فيها أكل بجد؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت بصوت واطي
امبارح الصبح.
حسيت بحاجة تقيلة نزلت على صدري.
إنتِ شغالة هنا كل يوم، ومرتبك بينزل كل أسبوع. ليه قاعدة مستخبية في المخزن الساعة اتنين بالليل وبتاكلي بواقي الأكل؟
إيديها شدت على الطبق.
وبعد تردد قالت
أنا ببعت معظم فلوسي لأهلي.
سألتها
أهلك فين؟
قالت إن بنتها ليلى عندها تمان سنين، وابنها مازن عنده خمس سنين، وعايشين مع جدتهم في كفر الشيخ.
هي اضطرت تسيبهم عند أمها عشان مصاريف القاهرة بقت نار.
الإيجار لوحده كان بياكل جزء كبير من مرتبها.
والحضانة والمدرسة كانوا مصاريفهم أكتر.
وفوق ده كله، أمها عندها مشاكل مزمنة في التنفس وبتحتاج علاج باستمرار.
الأدوية الأول.
مصاريف المدرسة بعد كده.
وأسماء؟
كانت بتحط نفسها آخر واحدة في القائمة.
سألتها
إحنا بندفع لك كام؟
قالتلي الرقم.
ساعتها حسيت إن في حاجة غلط.
قلت لها
قولي الرقم تاني.
كررته.
بصيت لها وأنا مش مستوعب.
مستحيل.
اسماء رفعت عينيها عليا بخوف.
أنا كنت عارف ميزانية العمال والموظفين بنفسي.
وأنا شخصيًا اللي وافقت على المرتبات.
سألتها
إنتِ اتعينتي عن طريق أنهي شركة؟
قالت
شركة النخبة للخدمات المنزلية.
اتجمدت.
دي كانت شركة تابعة لمجموعتي.
طلعت موبايلي وفتحت نظام المرتبات.
اسماء كانت واقفة جنبي، ساكتة ومش فاهمة أنا بعمل إيه.
كتبت اسمها.
ظهرت قدامي بياناتها.
أسماء عبدالسلام.
وبجوار اسمها كان مكتوب المرتب اللي شركتي رسميًا بتدفعه لها كل شهر.
الرقم كان أكتر من ضعف الرقم اللي قالتلي عليه.
فتحت شاشة تانية.
وبعدين تالتة.
وبعدين رابعة.
نفس الرقم.
كل شهر.
كل تحويل.
كل سنة.
حد كان بيسرق من مرتبات الموظفين تحت اسمي، وفي نفس الوقت السجلات الرسمية بتقول إنهم بياخدوا مستحقاتهم كاملة.
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
فتحت خانة الموافقة على التحويلات.
وفي اللحظة دي
إبهامي وقف مكانه.
التوقيع اللي قدامي كان توقيع شخص أنا عارفه كويس جدًا.
مش مجرد موظف.
ولا مدير عادي.
ده الراجل اللي كنت بثق فيه أكتر من أي حد.
سلمته حسابات.
وشركات.
وصفقات بملايين.
وأسرار عمرها ما خرجت من مكتبي.
كان هو اللي ماسك نص إمبراطوريتي تقريبًا.
والتوقيع اللي قدامي كان توقيعه.
يعني إنه مش بس كان عارف.
ده كان هو اللي بيوافق.
بقاله سنين.
بصيت لأسماء.
كانت لسه واقفة قدامي، ماسكة الطبق اللي فيه بواقي الأكل، كأنها هي اللي عملت حاجة غلط.
كأنها لازم تتكسف عشان جعانة.
رفعت عيني للموبايل.
وبصيت للاسم مرة تانية.
المرة دي مكنتش مصدوم.
كنت هادي بشكل يخوف.
لأني قررت إن قبل ما الشمس تطلع
هعرف بالظبط كام موظف اتسرق باسمي.
وكل جنيه راح فين.
ومين كان بيقبضه.
وفجأة
الموبايل اهتز في إيدي.
رسالة جديدة.
من نفس الراجل اللي توقيعه كان قدامي على الشاشة.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوب فيها
لازم نتكلم قبل ما تبدأ تسأل أسئلة
رفعت عيني عن الشاشة.
وبصيت لاسماء.
ولأول مرة فهمت إن اللي اكتشفته الليلة دي
مكنش سرقة مرتب واحدة.
كان أول خيط في حاجة أكبر بكتير.
حاجة ممكن تقلب كل اللي بنيته في حياتي.
وتكشف مين كان بينهب إمبراطوريتي من جوّه
فضلت باصص للرسالة كام ثانية.
وبعدين قفلت الشاشة.
ما رديتش.
ولا سألت أسماء أي سؤال تاني.
بس قلت لها بهدوء
روحي نامي يا أسماء.
بصتلي باستغراب.
بس يا فندم
قلتلك روحي نامي. ومن بكرة، اعتبري إنك مش شغالة هنا.
وشها اصفر.
حضرتك بتطردني؟
هزيت راسي.
لأ.
وسكت لحظة قبل ما أكمل
أنا بقولك من بكرة، مش هتشتغلي عندي كخدامة.
سكتت.
وبعدين قلت
هتشتغلي عندي كموظفة.
عينيها لمعت بالدموع، لكنها ما فهمتش.
وأنا ما شرحتش.
لأن في نفس اللحظة، وصلتني رسالة تانية.
من نفس الشخص.
أنا عارف إنك فتحت الملف.
ابتسمت لأول مرة.
إذن هو كان بيراقب.
والغلط الوحيد اللي عمله
إنه استعجل.
الراجل ده كان اسمه رامي الشاذلي.
صديقي من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
بدأنا سوا من مكتب صغير في وسط البلد.
أنا كنت بفهم في التجارة والاستثمار.
وهو كان عبقري في الحسابات والأرقام.
مع الوقت، شركتنا كبرت.
وبعدها بقت مجموعة شركات.
وبعدين بقى عندنا استثمارات في العقارات، والمطاعم، والتكنولوجيا، والتجارة.
أنا كنت واجهة المجموعة.
ورامي كان العقل اللي ورا الأرقام.
ولما مراتي ماتت، هو كان أكتر واحد وقف جنبي.
على الأقل
ده اللي كنت