بنت عندها 8سنين
كانت بنت عندها تمن سنين بتبيع شوكولاتة في عز البرد على رصيف في إسكندرية، جنبها أخوها الرضيع بيحترق من السخونية جوه عربية أطفال متهالكة.
المفروض إني كنت أعدّي بالعربية وأكمل طريقي.
لأن الرجالة اللي زيّي عارفين كويس إن اللي يخلي الواحد عايش ومكمل في شغله إنه يعرف إمتى يتدخل، وإمتى يعمل نفسه مش شايف.
بس أول ما نزلت من عربيتي وشفت الحاجة اللي البنت كانت لابساها في رقبتها
عرفت إن الطفلين دول مش غرب عني.
وعرفت إن حد أنا وثقت فيه سنين طويلة، قضى كل السنين دي وهو بيتأكد إني عمري ما ألاقيهم.
وقّف العربية.
السواق بصلي من المراية.
نعم يا باشا؟
اركن على جنب.
بس يا باشا، الاجتماع فاضله
قولت اركن.
كان باقي على معادي سبعتاشر دقيقة.
بس في اللحظة دي، الاجتماع بقى آخر حاجة تهمني.
نزلت من العربية.
البنت كانت واقفة جنب كرتونة صغيرة، مترتبة فيها ألواح الشوكولاتة واحدة جنب التانية بعناية غريبة على طفلة في سنها.
وكانت كل شوية تنادي بصوت واطي
شوكولاتة يا عمو بجنيه بس.
الناس كانت ماشية حواليها.
واحد بيبص الناحية التانية.
واحدة بتشد ابنها من إيده عشان ما يقفش.
ولا حد كان بيسأل هي واقفة هنا ليه في البرد ده.
وراها، كان فيه بيبي جوه عربية أطفال قديمة، بيكح.
مش كحة عادية.
كحة تقطع القلب.
كحة واحد نفسه طالع بالعافية.
البنت سابت الشوكولاتة على طول، وجريت عليه.
حطت إيدها على جبينه، واتنهدت بخوف.
معلش يا ليو استحمل شوية.
وبعدين قربت منه وهمست
أنا هجيبلك الدوا حاضر.
وبعدها قامت ورجعت تبيع تاني.
تمن سنين.
طفلة المفروض تكون بتلعب وتروح المدرسة وترجع تلاقي أمها بتحضرلها الأكل.
مش تقف في عز البرد تبيع شوكولاتة عشان تجيب دوا لأخوها.
كانت بتحاول تتكلم زي الكبار
لأن واضح إن مفيش كبير واحد وقف جنبها.
قربت منها.
أول ما عينيها قابلت عيني، بصتلي من فوق لتحت.
الغريب إنها ما خافتش.
كانت حذرة.
مستعدة تجري.
ودي حاجة ضايقتني أكتر من الخوف نفسه.
لأن الأطفال ما بيتولدوش وهم شاكين في الناس.
حد هو اللي بيعلمهم كده.
وقفت قدام الكرتونة.
بكام الشوكولاتة؟
قالت بسرعة
بجنيه يا عمو.
كل اللي عندك.
رفعت عينيها للكرتونة وعدّت الألواح.
دول تلاتة وأربعين واحدة.
طلعت مية جنيه من جيبي ومديتهالها.
بصت للفلوس، وبعدين بصتلي.
لكن بدل ما تفرح
هزت راسها.
لأ.
استغربت.
لأ ليه؟
عشان معيش باقي.
خليهم.
مينفعش.
سكت.
البنت الصغيرة مدت إيدها للجيب الداخلي في الجاكيت، وطلعت ظرف ورق قديم ومهلوك.
عدّت الفلوس واحدة واحدة.
وبعدين مدتلي سبعة وخمسين جنيه.
كده حسابهم.
بصيتلها وأنا ساكت.
والباقي؟
قالت بكل جدية
مش بتاعي.
الكلمة دي خبطت جوايا بشكل غريب.
السواق، محمود، كان واقف بعيد بيتفرج عليا.
هو عارفني من سنين.
وعارف إن في حاجات معينة ممكن تعدّي قدام عيني ومهتمش بيها.
لكن الجملة دي كانت مختلفة.
بصيت للبنت.
أبوكي فين؟
وشها اتغير فورًا.
بابا مش موجود.
طب أمك؟
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت
ماما ماتت.
بصيت وراها ناحية الطفل.
ليو بدأ يكح تاني.
قربت من العربية.
وشه كان أحمر من السخونية، وشعره مبلول من العرق، مع إن الجو كان ساقعة بشكل يخلي الواحد يعض على سنانه.
مديت إيدي ناحية جبينه.
لكن البنت شدّت العربية بعيد عني بسرعة.
لأ!
بصتلها.
أنا مش هأذيه.
هو محتاج دكتور.
وشها اتقفل.
لأ.
ليه؟
قالتها وهي بتبص حواليها
المستشفيات بتسأل أسئلة.
اتجمدت مكاني.
أسئلة إيه؟
ما ردتش.
في اللحظة دي، السلسلة اللي في رقبتها خرجت من تحت الجاكيت.
كانت لابسة ميدالية فضة صغيرة.
قديمة.
حوافها متآكلة، والسلسلة نفسها كانت متصلحة بسلك رفيع.
لكن أول ما شفتها
الدنيا كلها سكتت حواليا.
عرفتها.
أنا اللي كنت مديهالها.
مديت إيدي ناحيتها، لكن وقفت قبل ما ألمسها.
الميدالية دي جتلك منين؟
البنت حطت إيدها عليها بسرعة.
ماما ادهالي.
قلبي بدأ يدق بعنف.
اسم مامتك إيه؟
بصتلي بحذر.
منال.
منال إيه؟
سكتت.
وبعدين قالت
منال الشافعي.
حسيت كأن حد ضربني في صدري.
منال الشافعي.
الاسم ده ما سمعتوش من تمن سنين.
منال كانت بتشتغل مع عيلتي.
وكانت من أقرب الناس لينا.
وفي آخر أيامها معانا، جتلي وهي مرعوبة.
قالتلي إن حد من أقرب رجالي بيسرق فلوس من ورايا
وبيستخدم اسمي عشان يهدد ناس ويخلص مصالح لنفسه.
طلبت مني أحميها.
وأنا عملت اللي كنت فاكره وقتها الصح.
أديت أوامري لواحد من أخلص رجالي، سامح، إنه يخبّيها في مكان محدش يعرفه لحد ما أخلص تحقيق في الموضوع.
بعد تلات أيام
سامح رجعلي وقال إن منال هربت.
قال إنها أخدت الفلوس اللي اديتهالها، وسابت المكان، ومشيت من غير ما تقول لحد.
صدّقته.
ما سألتش.
ما دورتش وراها.
ومرّت تمن سنين وأنا فاكر إن منال هي اللي خانتني وهربت.
لكن دلوقتي
بصيت للميدالية اللي في رقبة البنت.
أنا فاكرها كويس.
أنا اللي اديتها لمنال بنفسي قبل ما كل حاجة تنهار.
رجعت بصيت للبنت.
إنتِ اسمك إيه؟
قالت
سلمى.
والواد الصغير ده؟
أخويا يونس.
بلعت ريقي.
وبصيت لمحمود.
اقفل الاجتماع.
محمود قرب مني بتردد.
بس يا باشا الحاج فؤاد مستنيك، ولو الاجتماع اتلغى بالشكل ده ممكن
لفيت له.
أنا قلت إيه؟
سكت فورًا.
الاجتماع اتقفل.
حاضر يا باشا.
كنت لسه هتحرك ناحية العربية، لكن سلمى نادتني
يا عمو!
لفيتلها.
كانت واقفة حاضنة الميدالية في إيدها.
وشها مليان خوف.
ماما قالتلي
سكتت لحظة.
قالتلي لو في يوم واحد اسمه كمال الدمنهوري سأل علينا
قلبي وقف.
ده اسمي.
اسمي اللي الناس كلها في المنطقة تعرفه.
اسم لو اتقال قدام حد غلط، ممكن يخليه يهرب من المكان من غير ما يسأل حتى ليه.
سألتها بهدوء
قالتلك تعملي إيه؟
البنت بصت في عيني مباشرة.
قالتلي أجري.
ما اتحركتش.
ما اتكلمتش.
حتى محمود، اللي شافني في مواقف أصعب من كده، كان واقف ساكت.
لأول مرة من سنين
حسيت إن في حاجة أنا مش فاهمها.
طول عمري كنت فاكر إن