اقفلي الغساله

لمحة نيوز

يا أمي! اقفلي الغسالة دي حالًا! إنتِ فاكرة إن الميه والكهربا ببلاش؟! أنا مش هفضل أدفع فواتير البيت عشان تغسلي هدومك كل شوية على مزاجك!
صوت ابني، كريم، دوّى في الحوش كأنه بيزعق في واحدة غريبة مش أمه.
كنت وقتها عندي تمانية وستين سنة، واقفة قدام الغسالة القديمة اللي جوزي الله يرحمه، حسن، كان جابهالي من أكتر من تلاتين سنة.
الغسالة كانت شغالة، وجواها ملايتين وتلات بلوزات قطن وشوية هدوم داخلية.
يعني غسيل يوم عادي جدًا.
ولا حاجة تستاهل كل الزعيق ده.
كريم كان واقف على باب المطبخ، لابس هدوم الشغل، وحاطط إيده على صدره، وباصصلي بنظرة كلها ضيق.
ورا ضهره كانت مراته، داليا، ماسكة مج القهوة وبتتفرج عليّا بنفس النظرة اللي بقيت حافظاها عن ظهر قلب.
نظرة واحدة شايفة اللي قدامها خدامة في البيت ومش أكتر.
كريم كمل
الفاتورة جت نار الشهر ده! إحنا لازم نبدأ نحط حدود يا أمي. مش كل حاجة على حسابنا!
داليا نفخت بضيق وقالت
وبعدين هي سايبة الميه في كل حتة. لو حد اتزحلق ولا وقع، إحنا اللي هنلبس في الحيطة!
ما رديتش.
مديت إيدي وقفلت الغسالة.
صوت الموتور سكت فجأة.
فتحت الباب وطلعت الملايات وهي بتقطر ميه.
كان وزنها تقيل، ولما شيلتها حسيت بشدّة في ضهري.
الميه غرقت هدومي وإيدي، ونزلت نقط على الأرض.
كريم رجع خطوة لورا عشان الجزمة ما تتبهدلش.
وبدل ما يساعدني، قال بعصبية
شايفة؟ أهو كمان بوّظتي الأرض!
بصيت له ثانيتين.
وبعدين بصيت في الأرض.
ولا قلت كلمة.
حطيت الغسيل المبلول في جردل بلاستيك قديم، وشيلته وروحت ناحية الأوضة الصغيرة اللي في آخر البيت، الأوضة اللي بعيش فيها من حوالي أربع سنين.
أيوه...
أوضة صغيرة جنب المنور.
أوضة كنت أنا نفسي صاحبة البيت فيها.
مع إن كريم كان ناسي الحقيقة دي.
البيت ده أصلاً بتاعي.
أنا وحسن، جوزي الله يرحمه، اشترينا الأرض دي من زمان، وقت ما المنطقة دي كانت لسه أغلبها أراضي فاضية وشوارعها تراب.
بنينا البيت حتة حتة.
طوبة فوق طوبة.
وحسن كان عنده محل أدوات كهربائية صغير، وكنا بنحوش من كل قرش عشان نكمّل البيت.
لا كنا بنروح مصايف، ولا بنقعد في مطاعم، ولا كنا بنجيب حاجة لمجرد المنظرة.
كل اللي كان يهمنا إن يبقى عندنا بيت يأمّن مستقبلنا.
لحد ما حسن مات فجأة بأزمة قلبية.
بعد موته، كريم جهلي ومعاه شنطته.
قاللي وقتها
يا أمي، مستحيل تفضلي لوحدك. أنا ابنك، وبيتي بيتك.
صدّقته.
وبعدها بأسبوعين تقريبًا، داليا دخلت البيت معاه.
في الأول، حاجات صغيرة بدأت تتغير.
صورتي أنا وأبو كريم اتشالت من على الحيط.
وحطوا مكانها تابلوهات غريبة مالهاش أي معنى بالنسبة لي.
بعدها داليا قالت إن الكنبة القديمة بتاعتي شكلها قديم أوي ومش ماشية مع ديكور البيت.
فطلّعوها بره.
وبعدين بدأت الحكاية تكبر واحدة واحدة.
لحد ما في يوم داليا قالتلي بكل بساطة
ماما، أنا بصحى بدري وبحتاج أوضة كبيرة عشان الشغل، فممكن حضرتك تنقلي للأوضة اللي جنب الغسيل؟
ساعتها ما اتخانقتش.
قلت لنفسي
دي مرات ابني... وأنا مش هبقى سبب في خناقة بينهم.
نقلت حاجتي.
وسكت.
كنت فاكرة إن التنازل عشان ابني نوع من الحب.
لكن صباح اليوم ده...
عرفت إني كنت غلطانة.
حطيت الجردل على الأرض، وقعدت قدام الترابيزة الصغيرة في أوضتي.
ومن ورا الباب سمعت داليا بتقول لكريم
إحنا لازم نشد عليها أكتر من كده. طول ما إحنا سايبينها براحتها، عمرها ما هتفهم إن البيت ليه نظام.
فضلت ساكتة.
بس حاجة جوايا اتغيّرت.
حاجة باردة كده...
ومش بتوجع.
فتحت اللاب توب القديم بتاعي.
دخلت على حسابي البنكي.
وقعدت أبص في الشاشة شوية.
قدامي كانت كل المصاريف اللي بتتخصم تلقائيًا كل شهر
الكهربا.
الميه.
الإنترنت.
الضرايب العقارية.
وتأمين البيت.
كلهم بيتخصموا من حسابي أنا.
على مدار سنين.
كريم كان أوقات يجيب طلبات البيت من السوبر ماركت، وأوقات قليلة جدًا يحوّل لي مبلغ صغير، وبعدها يفضل يحكي لصحابه قد إيه هو شايل هم أمه وبيصرف عليها.
لكن الحقيقة؟
المصاريف التقيلة كلها كانت طالعة من معاشي ومن الفلوس اللي أنا وحسن تعبنا سنين عشان نحوشها.
التكييف اللي داليا بتسيبه شغال بالساعات.
الدش اللي بيتاخد فيه ميه كأن الحنفية مفتوحة على النيل.
التلاجة الكبيرة اللي أصرت تشتريها.
الإنترنت السريع اللي هما الاتنين مش بيقدروا يستغنوا عنه.
كل ده...
أنا اللي كنت بدفعه.
فتحت أول خدمة.
ظهر قدامي اختيار بسيط
إلغاء الدفع التلقائي.
فضلت باصة للشاشة كام ثانية.
وفي دماغي رجعت جملة كريم
ميتي... وكهربتي... وفلوسي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، من غير ما أحس.
مديت إيدي على درج المكتب وطلعت ميدالية مفاتيح نحاس قديمة.
حسن كان عاملها لي بإيده من أيام ما كان لسه بيشتغل في الورشة.
مسكتها في إيدي جامد.
وبعدين ضغطت.
إلغاء الدفع التلقائي للكهربا.
اتلغى.
فتحت الميه.
إلغاء.
بعدها الإنترنت.
إلغاء.
وبعدين باقي الخدمات اللي كنت بدفعها للبيت من غير ما حد حتى يسألني مين اللي بيدفع.
إلغاء.
واحدة ورا التانية.
لحد ما خلصت.
قفلت اللاب توب.
في نفس اللحظة سمعت صوت عربية كريم وهي بتدور قدام البيت.
داليا قالت وهي خارجة
نشوف بقى بكرة هتفهم ولا لسه فاكرة إن من حقها تعمل اللي هي عايزاه هنا.
قفلت باب العربية.
ومشيت.
استنيت لحد ما صوت العربية اختفى من آخر الشارع.
وبعدين رجعت للحوش.
فردت ملاياتي المبلولة على الحبل، وسيبت الشمس تنشفها.
كنت واقفة هناك بهدوء.
لا زعلانة.
ولا حتى بعيط.
الغريب إنهم خرجوا من البيت وهم مقتنعين إنهم أخيرًا حطوني عند حدي.
كانوا فاكرين إنهم لقنوني درس.
وما يعرفوش...
إن في نفس الصبح، أنا كنت أخدت أول خطوة عشان أفهمهم مين اللي فعلًا كان شايل البيت ده على كتفه طول السنين.
واللي ما كانوش يعرفوه أخطر بكتير.
إن اللي اتلغى مش مجرد كام فاتورة.
كان في حاجات تانية...
أكبر.
وأهم.
وحين يكتشف كريم الورقة الحمرا اللي هتوصله بعد كام يوم...
هيفهم متأخر جدًا إن الجملة اللي قالها لأمه الصبح...
كانت أغلى جملة دفع تمنها في حياته.
بس ساعتها...
مش هيقدر يرجع أي حاجة زي ما كانت.
عدّى اليوم الأول من غير ما يحصل أي حاجة.
ولا التاني.
ولا التالت.
وأنا كنت عايشة حياتي عادي جدًا.
أصحى الصبح، أعمل كوباية شاي، أقعد شوية في الحوش، وبعدها أنزل أجيب اللي ناقصني من السوق.
كريم وداليا كانوا لسه بيتعاملوا معايا كأن مفيش حاجة حصلت.
وده كان أغرب شيء.
كنت مستنية حد منهم يسأل
إنتِ عملتي إيه في الفواتير؟
لكن محدش سأل.
واضح إنهم كانوا فاكرين إن كلام كريم الصبح خوّفني.
أو يمكن كانوا فاكرين إني، كالعادة، هسكت وأعدّيها.
في اليوم الرابع، وأنا قاعدة على الكرسي الخشب قدام الشباك، سمعت صوت خبط جامد على باب البيت.
قمت أفتح.
كان عامل شركة الكهرباء.
وراه واحد تاني ماسك ملف.
مساء الخير يا حاجة أمينة.
مساء النور.
ممكن حضرتك توقّعي هنا؟
بصيت في الورقة.
كانت ورقة تنبيه بخصوص عدم تجديد سداد الخدمة تلقائيًا، وإن فيه مدة محددة قبل اتخاذ إجراءات فصل الخدمة لو ما اتعملش ترتيب جديد للسداد.
قلت بهدوء
حاضر.
وقّعت.
العامل مشي.
قفلت الباب.
وبعد أقل من ساعة، رجع كريم من الشغل.
أول ما دخل، لقى الورقة الحمرا على السفرة.
مسكها.
قرأها.
وشه اتغير.
إيه ده؟
داليا كانت وراه.
في إيه يا كريم؟
ناولها الورقة.
قرتها بسرعة.
وبعدين بصتلي.
ماما... إيه اللي حصل؟
كنت قاعدة بشرب الشاي.
رفعت عيني ليها.
حصل إيه؟
كريم اتعصب
إنتِ لغيتِ الدفع التلقائي للكهربا؟
آه.
سكت.
والمية كمان؟
آه.
والنت؟
آه.
صرخ
ليه؟!
حطيت الكوباية على الترابيزة.
وقلت بمنتهى الهدوء
عشان دي فلوسي.
بصلي كأنه أول مرة يسمع الجملة دي.
يعني إيه فلوسك؟! إحنا عايشين في البيت ده!
وأنا كمان عايشة فيه.
داليا دخلت بسرعة
يعني حضرتك بتعاقبينا؟
بصيت لها.
لا.
أمال بتعملي إيه؟
نفذت كلام كريم.
كريم عقد حواجبه.
كلامي؟
أيوه.
وقلت
إنت قلت إنك مش هتدفع ميه وكهربا عشاني.
سكت.
فأنا ريّحتك من الدفع.
داليا فتحت بوقها، لكن مفيش كلمة خرجت.
أما كريم، ففضل واقف قدامي ثواني.
وبعدين قال
إنتِ مش فاهمة. أنا كنت متعصب.
ابتسمت.
وأنا ما زعلتش.
أمال إيه؟
صدقتك.
الجملة

تم نسخ الرابط