في نص غداء

لمحة نيوز

في نص غدا عائلي، سمعت أمي بتقول قدام بنتي اللي بربيها، واللي عندها 8 سنين
لوسيا مش من العيلة أصلًا.
البنت وطّت راسها، في الوقت اللي كل اللي قاعدين حوالي السفرة كملوا أكلهم كأنهم ما سمعوش حاجة.
أنا ما اتخانقتش.
ولا عليت صوتي.
حطيت مفاتيحي على السفرة، وألغيت المساعدة الشهرية اللي كنت ببعتها لأهلي، وخدت لوسيا ومشيت.
بس بعد كام أسبوع، أمي بعتتلي صورة على الموبايل...
والصورة دي قلبت كل حاجة.
أمي، نادية، حطت القلم من إيدها على السفرة وقالت قدام الكل
مفيش مكان للوسيا في المصيف. هي في الآخر مش من العيلة.
لوسيا كان عندها 8 سنين.
وكانت قاعدة قريبة كفاية إنها تسمع كل كلمة.
لحد اللحظة دي، غدا يوم الجمعة في بيت أمي وأبويا في أطراف دسوق كان ماشي عادي جدًا، زي أي لَمّة عيلة.
أبويا محمود كان بيقطع اللحمة.
أختي داليا كانت بتزعق لولادها عشان خلصوا العيش قبل ما ينزل باقي الأكل.
وأخويا أحمد كان بيحاول يمنع بنته إنها تدي الكلب أكل من تحت السفرة.
جوزي كريم كان بيلم الأطباق من على السفرة، ولوسيا كانت قاعدة جنبي، بتتكلم بحماس عن المصيف اللي العيلة كلها مخططاله الأسبوع اللي جاي.
أمي كانت بقالها كام يوم بتجهز لكل حاجة.
تلات ليالي في شاليهات ناحية الساحل الشمالي.
تيشيرتات شبه بعض للعيال.
يوم في ملاهي.
وخروجات وأكل على البحر.
لوسيا كانت فرحانة جدًا.
بصت لأمي وقالت
تيتا، هو إحنا هننزل البحر كل يوم؟
أمي ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي بتبص في الورقة اللي في إيدها.
هنشوف يا حبيبتي.
لوسيا كملت بحماس
وأنا عايزة أركب العجلة اللي على البحر! وكمان عايزة أصور كلنا سوا!
أنا ضحكت وقلت
حاضر يا ستي، هنعمل اللي انتي عايزاه.
لكن بعدها بدقايق، أمي نادتني على جنب.
عندنا مشكلة.
بصتلها باستغراب.
مشكلة إيه؟
مفيش مكان للوسيا.
افتكرت إنها بتتكلم عن الشاليه.
قلت لها بكل بساطة
ولا يهمك، نزود سرير أو ناخد شاليه أكبر.
هزت راسها.
مينفعش. كل حاجة اتحجزت وخلاص.
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين فهمت.
الموضوع ما كانش موضوع مكان.
قلت لها
يعني إيه مينفعش؟
أختي داليا دخلت في الكلام وهي بتلم الطبق قدامها
يا ماما، بلاش تكبري الموضوع. الرحلة دي معمولة لولاد العيلة.
بصيت لها.
ولوسيا مش من ولاد العيلة؟
سكتت.
أمي قالت بمنتهى البرود
لوسيا بنت كريم. مش بنتك.
إيدي اتجمدت فوق السفرة.
ولوسيا كانت قاعدة على بعد كام كرسي بس.
وفجأة بطلت تاكل.
ما رفعتش عينيها.
أمي كملت
كريم ممكن يقضي اليوم معاها أو يعمل لها حاجة تانية. مش لازم تيجي كل حاجة معانا.
بصيت لأمي وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.
لوسيا عايشة معايا. أنا اللي بوديها المدرسة، وأنا اللي بذاكر لها، وأنا اللي عارفة إيه اللي بيخوفها وإيه الأكل اللي بتحبه، وصاحباتها اسمهم إيه، وبتصحى من النوم إمتى وهي متضايقة.
وقفت لحظة.
دي بنتي.
أختي داليا ردت بسرعة
إنتِ مش أمها.
الكلمة نزلت عليا كأن حد ضربني بالقلم.
لكن الأصعب إني سمعت نفس الكلمة تتردد من ناحية السفرة...
لوسيا.
البنت كانت سامعة كل حاجة.
رفعت عينيها ببطء.
ما بصتش لأمي.
ولا لأختي.
بصتلي أنا.
وفي اللحظة دي فهمت.
هي أصلًا ما كانتش مستنية إن جدتها تغير رأيها.
ولا كانت مستنية حد يعتذر لها.
هي كانت مستنية تعرف أنا هعمل إيه.
هل هسيبهم يبعدوها؟
ولا هقف جنبها؟
جوزي كريم كان في المطبخ، ولما حس إن في حاجة غلط، خرج وقال
في إيه؟
محدش رد.
أمي رجعت تبص في الورقة بتاعتها، وكأن الموضوع خلص.
كأننا كنا بنتكلم عن شنطة زيادة مش عن طفلة قاعدة وسطنا.
ساعتها فهمت إن السكوت هيكون مشاركة في الإهانة.
فتحت شنطتي.
طلعت سلسلة المفاتيح.
مفتاح شقتي.
مفتاح باب بيت أهلي.
وميدالية صغيرة على شكل قلب، كانت أمي جابتهالي أنا وإخواتي من سنين، وقالتلنا وقتها
البيت ده بيتكم، والعيلة عمرها ما تقفل بابها في وش حد.
حطيت المفاتيح قدامها على السفرة.
صوت المفاتيح وهي خبطت في الخشب كان واضح لدرجة إن كل اللي قاعدين سكتوا.
بصيت لأمي وقلت
لو لوسيا مش من العيلة...
خدت نفس.
يبقى أنا كمان مش من العيلة.
أمي وشها اتغير.
إنتِ بتعملي إيه بس؟ متعمليش مشكلة من لا شيء.
هزيت راسي.
لا، أنا مش بعمل مشكلة. أنا بس فهمت مكاني.
أبويا رفع عينه من الطبق.
وأمي قالت بعصبية
يعني إيه؟
بصيت لها وقلت
يعني من النهارده، مفيش فلوس بتتبعت كل شهر.
سكتت.
ومفيش مشاوير مستشفيات.
أبويا بدأ يبصلي باستغراب.
ومفيش حد هيجري يخلصلكم طلبات كل يوم.
أمي شهقت
إنتِ بتهدديني؟
لأ يا أمي.
بصيت لها في عينيها.
أنا بس هبطل أعمل حاجات لناس شايفاني مش من عيلتهم.
الحقيقة إن الموضوع ما كانش مجرد فلوس.
أنا بقالي سنين ببعت لأهلي مبلغ ثابت كل شهر، حوالي 12 ألف جنيه، عشان معاش أبويا ما كانش مكفي مصاريف البيت والعلاج.
أنا اللي كنت بجيب العلاج.
وأنا اللي كنت بروح معاهم للدكاترة.
وأنا اللي كنت أخلص مشاوير البيت.
وأوقات كتير كنت أسيب شغلي وأروح لهم لمجرد إن أمي تقول
تعالي ضروري.
عمري ما حسبتها.
ولا عمري عايرتهم بحاجة.
لحد اليوم ده.
لأن في اللحظة اللي أمي قالت فيها إن لوسيا مش من العيلة...
حسيت إن كل السنين اللي فاتت اتحطت قدامي مرة واحدة.
كريم خرج من المطبخ، ولما شاف عينين لوسيا مليانين دموع، فهم إن الموضوع أكبر من خناقة عادية.
قرب منها وقال بهدوء
يلا يا حبيبتي، البسي الجاكت بتاعك.
لوسيا ما قالتش حاجة.
قامت بهدوء.
مسكت إيدي.
ومشينا.
ولا حد فينا بص وراه.
رجعت البيت، ولوسيا دخلت أوضتها من غير ما تتكلم.
بعد حوالي عشر دقايق، دخلت عندها.
لقيتها قاعدة على السرير وحاضنة المخدة.
قعدت جنبها.
قالت بصوت واطي
ماما... هو أنا

تم نسخ الرابط