حفيدي قالي

لمحة نيوز

قبل ما أمشي على القاعة بدقايق، حفيدي اللي عنده 3 سنين شدّ على صوابعي وهمسلي بصوت مرعوش:

— جدو… هي ضربت ماما.

وقبل ما ألحق أفهم هو بيتكلم عن مين، رفع إيده الصغيرة وأشار ناحية عروستي…

وبعدين طلع من جيب البدلة فلاشة صغيرة، كانت قادرة تهدّ كل الأكاذيب اللي الست دي عاشت سنتين بتبنيها قدامي.

— جدو… ما تتجوزهاش… هي ضربت ماما وإنت مش موجود.

جمدت مكاني.

أنا محمود، عندي 62 سنة، وكنت واقف في طرقة فندق كبير في القاهرة، قبل فرحي بحوالي عشر دقايق.

جوا القاعة كان فيه أكتر من مية وعشرين واحد مستنيني.

مزيكا شغالة، ورد أبيض مالي المكان، وكاسات العصير والشمبانيا متجهزة عشان أول ما ندخل يبدأ الزفة والتهاني.

لكن في اللحظة دي، كل حاجة اختفت من حواليا.

لأن حفيدي ياسين، اللي لسه مكملش 3 سنين، كان ماسك إيدي بكل قوته.

البدلة الرمادي اللي لابسها كانت أكبر منه بدرجتين، والكوتشي بتاعه بدل ما يكون مربوط كان نصه مفكوك، والبابيون كان مائل تحت دقنه.

لكن مكنش بيلعب.

ومكنش بيهزر.

ومكنش حتى بيعمل شقاوة الأطفال.

كان بيبص ناحية أوضة العروسة بنظرة خوفتني.

نظرة طفل شاف حاجة أكبر من سنه بكتير.

نزلت لمستواه بسرعة، وقعدت قدامه على ركبتي.

— مين اللي ضرب ماما يا ياسين؟

الولد بلع ريقه، وبإيده الصغيرة المرتعشة أشار للناحية التانية من الطرقة.

هناك…

كانت واقفة نادين.

الست اللي كنت داخل أتجوزها بعد عشر دقايق.

نادين كانت لابسة فستان فرح أوف وايت، وشكلها كان يخطف العين.

واقفة وسط اتنين من صاحباتها، بتضحك، والمصورة بتظبط الطرحة بتاعتها.

كانت هادية جدًا.

رقيقة.

مبتسمة.

ولو أي حد شافها في اللحظة دي، مستحيل يخطر على باله إنها ممكن تعمل حاجة وحشة.

دي نفس الست اللي بقالها سنتين بتجيبلي القهوة وأنا نازل الشغل.

ونفسها اللي كانت تقعد جنبي لما أتعب وتعمللي شوربة وتفضل تسألني طول اليوم:

"إنت كويس؟"

وكانت دايمًا تقوللي:

— أنا بحب عيلتك يا محمود… واعتبرهم أهلي.

خصوصًا بنتي منى.

لكن أول ما نادين لفت وشها ناحيتنا…

ياسين استخبى ورا رجلي على طول.

ساعتها حسيت إن فيه حاجة غلط.

بصيتله تاني وقلت بهدوء:

— ماما فين يا حبيبي؟

رد بصوت واطي:

— عند خالتو سارة.

اتخضيت.

— ليه؟ ماما مش المفروض تيجي الفرح؟

هز راسه.

— ماما قالتلي ما روحش لها.

وقتها قلبي بدأ يدق بسرعة.

لأن منى كان المفروض تكون في شقتها في التجمع.

الصبح كانت باعتالي رسالة وقالتلي إن عندها صداع جامد جدًا، وممكن تتأخر شوية قبل ما تيجي الفرح.

أما سارة، أختي الصغيرة، فكانت ساكنة في الزمالك.

لكن الغريب مش إنها راحت عند خالتها.

الغريب هو الخوف اللي كان ظاهر في عينين ابني الصغير.

طول الفترة اللي فاتت، نادين كانت دايمًا تقوللي إن منى مش متقبلة فكرة إني أتجوز تاني بعد وفاة أمها.

كانت كل شوية تقولي:

— بنتك مش عايزة تشوفك سعيد يا محمود.

وأنا كنت بدافع عنها.

كنت بقول:

— هي بس محتاجة وقت.

فتبتسم نادين وترد:

— وأنا مستعدة أستنى… الحب الحقيقي يستاهل الصبر.

وصدقتها.

صدقت كلامها سنتين كاملين.

لحد اللحظة دي.

بصيت لياسين وسألته:

— ماما قالتلك إيه تاني؟

الولد بص ناحية نادين مرة تانية.

وبعدين دخل إيده الصغيرة في جيب بدلته.

طلع فلاشة USB سودا.

قديمة شوية، وعليها خدوش كتير.

حطها في إيدي وقال:

— ماما قالتلي… لو نامت ومصحيتش بسرعة، أديهالك إنت بنفسك.

حسيت رجلي مش شايلاني.

— يعني إيه نامت ومصحيتش؟

قبل ما ألحق أسأله أي سؤال تاني…

نادين شافتنا.

في لحظة واحدة، ملامح وشها اتغيرت.

تغير صغير جدًا…

لو مكنتش أعرفها كويس، مكنتش هاخد بالي منه.

لكنها رجعت في نفس اللحظة تبتسم وتمشي ناحيتي، وكأن مفيش أي حاجة حصلت.

قالت وهي بتضحك قدام الناس:

— محمود حبيبي! إنت واقف هنا ليه؟ كل الناس مستنياك عشان ندخل.

وأنا كنت لسه ماسك الفلاشة في إيدي.

أما ياسين…

فأول ما قربت منه، رجع لورا بسرعة.

نادين بصتله وقالت بابتسامة مصطنعة:

— مالك يا ياسين؟ تعال عندي يا حبيبي.

الولد استخبى أكتر ورا رجلي.

ساعتها فهمت إن الموضوع مش غيرة أطفال.

ومش سوء تفاهم.

ومش مجرد إن بنتي مش قابلة جوازي.

كان فيه سر…

سر بنتي كانت بتحاول توصلهولي قبل ما يحصل حاجة.

وضغطت على الفلاشة جوه كفي.

وفجأة، نادين قربت مني وهمست:

— محمود… إنت بتبصلي كده ليه؟

رفعت عيني وبصيت لها لأول مرة من غير الحب اللي كنت ببصلها بيه طول السنتين اللي فاتوا.

وقلت:

— إنتِ عملتي إيه في بنتي؟

ابتسامتها اختفت.

ولأول مرة…

وشها كشف خوف حقيقي.

لكنها لحقت نفسها بسرعة وقالت:

— إنت مصدق طفل عنده 3 سنين؟

ياسين فجأة شد إيدي وقال بصوت أعلى:

— جدو… افتح الفلاشة!

سكت المكان حواليّ.

وفي اللحظة دي، عرفت إن فرحي اللي كنت فاكره بداية حياة جديدة…

ممكن يكون في الحقيقة بداية كشف أكبر كذبة اتقالتلي في حياتي.

وخدت قرار واحد بس:

مش هادخل القاعة.

مش قبل ما أعرف الحقيقة.

مديت إيدي بسرعة وخدت اللابتوب من واحد من العاملين في الفندق، وطلبت منه يوصله بالشاشة اللي كانت مجهزة للفرح.

نادين اتغير لون وشها.

— محمود… إنت بتعمل إيه؟

مردتش.

دخلت الفلاشة.

كان عليها ملف واحد بس.

اسمه:

"لو جدو وصل للفيديو… يبقى أنا مش قادر أقول له بنفسي."

حسيت قلبي وقف.

بصيت لياسين.

الولد كان واقف جنبي، ماسك في بدلتي.

فتحت الملف.

ظهرت صورة من كاميرا مراقبة.

واللي شوفته بعدها خلاني أنسى إني واقف في فندق مليان ناس.

كانت منى.

بنتي.

واقفة في مطبخ شقتها.

قدامها نادين.

لكن دي مش نادين اللي أعرفها.

كانت بتزعق في بنتي، وقريبة منها بشكل مرعب.

سمعت صوت منى وهي بتقول:

— ابعدي عني يا نادين! أنا مش هسكت تاني.

ردت نادين:

تم نسخ الرابط