خبط جاري

لمحة نيوز

خبط جاري على بابي وسط المطر، وقال لي بصوت واطي
الساعة عشرة بالظبط، هات حفيدتك عندي وممنوع تنوّر أي لمبة في البيت. ومهما حصل، ما تقولش لمحمود.
ما سألتوش ليه.
حضنت البنت، وخرجت بيها وعدّيت الشارع.
ولما وقفت عند شباك الدور التاني في بيت جاري، وبصيت على بيتي من بعيد شفت تلات أشخاص بيدخلوا من باب الشقة.
بس المصيبة مش في كده
المصيبة إني عرفت اتنين منهم.
الجزء الأول
الساعة عشرة بالظبط هتخرج ليلى من البيت وتيجي بيها عندي. ما تنورش ولا لمبة. ما تتصلش بحد. وإياك تقول لمحمود.
كان عم حسن واقف قدام باب شقتي، هدومه كلها مبلولة من المطر.
أنا عندي سبعين سنة، وقضيت تقريبًا أربعين سنة من عمري شغال في تصليح البيوت وترميمها. يعني كنت فاكر إني عارف كويس إمتى الخطر بيكون قريب.
بس الليلة دي فهمت حاجة ما كنتش أتوقعها
أخطر حاجة ممكن تبوّظ بيت، مش دايمًا بتكون شرخ في الحيطة.
ساعات بتكون حد من أهلك والبيت من برّه شكله سليم.
أنا اسمي حسن عبدالسلام.
ومن حوالي سنة ونص، وأنا اللي بربي حفيدتي ليلى، عندها تمان سنين.
أمها، بنتي نجلاء، ماتت في حادثة على الطريق وهي راجعة في ليلة الدنيا فيها كانت بتمطر بغزارة.
وأبو البنت كان متوفي من سنين بسبب أزمة في القلب.
قبل ما نجلاء تموت، كانت عاملة توكيل ووصية إن لو حصل لها حاجة، أنا اللي أكون مسؤول عن بنتها وأربيها.
لكن نجلاء ما سابتش ليلى لوحدها.
كانت سايبة لها وديعة كبيرة باسمها حوالي تلاتين مليون جنيه.
والفلوس دي كانت بتاعت ليلى، مش بتاعتي.
أنا كنت مسؤول عنها بس، وكل جنيه بيتصرف منها كان لازم يبقى له ورق وحساب.
بعد العزا بفترة، ابني الكبير محمود بدأ ييجي عندنا كتير.
مرة يجيب حلويات، ومرة يجيب لبنت أخوه لعبة، ومرة يدخل شايل حاجات ويقعد يتكلم كأنه أكتر واحد خايف علينا.
وكان دايمًا يكرر نفس الكلام
يا بابا، ليلى محتاجة تعيش وسط عيلة. إنت خلاص كبرت، ومش هتقدر تفضل شايل مسؤوليتها لوحدك. إحنا ممكن ناخدها عندنا ونربيها.
كنت برد عليه كل مرة بنفس الجملة
أمك قصدي أمها، نجلاء، اختارتني أنا أكون مسؤول عنها. والموضوع ده مش هنتكلم فيه تاني.
بس كان فيه كلام تاني قالهولي محمود بعد دفن أخته بيوم واحد، ولسه لحد النهارده بيرن في ودني.
بص لي وقال
بابا نجلاء خرجت من البيت عشان إنت اللي طلبت منها تخرج. لو ما كنتش كلمتها وهي في الجو ده، يمكن كانت لسه عايشة.
الكلام وقع عليّا زي الحجر.
أنا ما كنتش فاكر إني كلمتها أصلًا في اليوم ده.
بس وقتها كنت مكسور من جوه.
ما كنتش بنام، وبصحى مفزوع، وعقلي مش مستوعب اللي حصل.
وبقيت أشك حتى في ذاكرتي.
ومن يومها وأنا شايل إحساس بالذنب جوايا سنة ونص كاملة.
لحد ما بدأت تحصل حاجات غريبة.
مكالمات في نص الليل.
رقم مختلف كل مرة.
أرد
ولا صوت.
أقول ألو؟
مفيش رد.
وأقفل.
وفي يوم، عم حسن، جارنا اللي ساكن قصادي، سألني فجأة
إنت واخد بالك من العربية الرصاصي اللي بتركن عند أول الشارع بقالها كام يوم؟
قلت له
عربية إيه؟
قال
أنا متابعها من فترة. بتظهر في مواعيد معينة، وبتختفي بعدها. وبدأت أدوّن أرقام اللوحات والمواعيد.
عم حسن كان عقيد دفاع مدني على المعاش، وعنده خبرة سنين في الحوادث والمشاكل.
وبصراحة كان عنده إحساس بالخطر بيخليني آخد كلامه بجد.
وبعد يومين، ندهلي عنده.
طلع لي صورة كان مصورها من شباكه.
ست واقفة جنب السور الخلفي لبيتي بعد نص الليل.
في إيدها موبايل، وكانت بتصور حاجة ورا حاجة
عداد الغاز.
الشباك اللي جنب أوضة ليلى.
ومكان سخان الميه.
أول ما شفت وشها، حسيت بدمي نشف.
دي ريهام مرات محمود.
عم حسن ما ردش.
بس بص لي نظرة معناها إنه كان مستني مني أقول الاسم.
رجعت بيتي، واتصلت بمحمود وأنا عامل نفسي عادي.
قلت له
مراتك كانت عندنا في المنطقة امبارح بالليل؟
رد من غير حتى ما يتردد
لأ يا بابا، ريهام كانت معايا طول الليل.
وبعدين سكت لحظة وقال
إنت متأكد إنك شفت كويس؟ أنا بقالّي فترة حاسس إنك مش مركز زي الأول.
الجملة دي وجعتني أكتر من الكدبة نفسها.
لأنها كانت بتقول لي حاجة أخطر
هو عايزني أشك في عقلي.
وبعدها بكام يوم، بدأت حاجات أغرب تحصل.
علبة دوايا اختفت.
دورت عليها في كل حتة.
وفي الآخر لقيتها مخبية تحت الحوض.
مفاتيح البيت اختفت من مكانها المعتاد.
وبعد ساعات لقيتها محطوطة جوه جاكيت قديم أنا أصلًا مبقتش بلبسه.
حكيت لمحمود.
اتنهد كده، وبص لي بنظرة فيها شفقة مصطنعة وقال
يا بابا يمكن إنت محتاج تكشف عند دكتور على موضوع الذاكرة. السن بيعمل كده ساعات.
ساعتها بدأت أخاف فعلًا.
مش منهم
من الفكرة اللي كانوا بيحاولوا يزرعوها في دماغي.
إن كل حاجة بتحصل حواليا يمكن أنا اللي بتخيلها.
لكن في نفس اليوم، ليلى قعدت قدامي على ترابيزة المطبخ.
بصت حواليها الأول، وبعدها قربت مني وخفضت صوتها.
جدو
قلت لها
نعم يا حبيبتي؟
قالت
طنط ريهام يوم الحد مسكت علبة دواك، وقعدت تقرأ اللي مكتوب عليها وبعدها صورتها بالموبايل.
سكت.
قلت لها
إنتِ متأكدة؟
هزت راسها.
أيوه. وأنا استغربت بس ما حبتش أقولك وقتها.
فضلت باصص لها من غير ما أتكلم.
وفي اللحظة دي، كل حاجة بدأت تركب فوق بعض.
المكالمات.
العربية الرصاصي.
الصور.
الدوا.
المفاتيح.
وكلام محمود عن ذاكرتي.
ساعتها فهمت الحقيقة المرعبة
هما مش مستنيين ذاكرتي تضعف.
هما كانوا بيحاولوا يعملوا دليل يثبت إني فقدت عقلي.
وكان واضح إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد فلوس ليلى.
بس اللي ما كنتش أعرفه

تم نسخ الرابط