سيبية هناك

لمحة نيوز

سنة على الحادث.
آدم دخل المدرسة تاني بشكل طبيعي، رغم إنه كان لسه بيعمل بعض جلسات العلاج.
وفي يوم كان عنده نشاط مدرسي، واتطلب منه يحكي عن أهم موقف غير حياته.
رجع البيت ومعاه ورقة.
قرأتها.
كان كاتب
في يوم من الأيام، اتعلمت إن الشخص ممكن يكون محبوس جوه عربية ومحتاج حد ينقذه، لكن النجاة مش دايمًا بتيجي من أقرب الناس. وأهم حاجة اتعلمتها إن الحقيقة ممكن تكون صعبة، لكن الكذب عليها ممكن يعمل مشكلة أكبر بكتير.
بصيت له وقلت
إنت اللي كتبت ده؟
قال
أيوه.
هتقرأه قدام المدرسة؟
أيوه.
مش خايف؟
ابتسم وقال
لأ.
ليه؟
قال
عشان أنا مابعملش حاجة غلط.
حضنته.
وفي اللحظة دي فهمت إن اللي حصل كان مؤلم، لكنه علّم ابني حاجة يمكن ناس كتير ما تتعلمهاش إلا بعد سنين.
إنك لما تغلط، ما تدورش على حد أضعف منك تحط الغلط عليه.
وإن حماية حد من نتيجة غلطه مش معناها إنك بتحبه.
أحيانًا، الحقيقة القاسية هي أكتر حاجة ممكن تنقذ الإنسان من إنه يكرر نفس الغلط.
أما أنا، فقررت ما أرجعش أعيش بنفس الطريقة.
ما بقيتش أقول دول أهلي وخلاص.
بقيت أقول
دول أهلي، وأنا بحبهم، لكن ده لا يمنع إن عندي حدود.
نادين اتغيرت هي كمان.
بقت أكثر مسؤولية، وبطلت تعتمد على أمي وأبويا في حل مشاكلها.
وأبويا بقى أول واحد يقول
اللي يغلط يتحمل نتيجة غلطه.
وفي يوم، كنا كلنا قاعدين على السفرة.
آدم كان بيضحك ويحكي عن المدرسة.
نادين بصت له وقالت
فاكر الحادثة؟
ضحك وقال
للأسف.
قالت
لو الزمن رجع بيا، كنت هركب تاكسي وما كنتش هسوق أصلًا.
رد آدم
وأنا لو الزمن رجع، كنت هقولك من أول دقيقة إنك ما ينفعش تسوقي.
ضحكنا كلنا.
حتى أمي ابتسمت.
لكن جوايا كان فيه شيء اتغير للأبد.
أنا ما نسيتش اللي حصل.
ولا آدم نسي.
ولا نادين نسيت.
لكننا أخيرًا عرفنا نتعامل مع الحقيقة بدل ما ندفنها.
وبعد فترة، خرج الحكم في القضية، وتحملت نادين مسؤوليتها القانونية عن القيادة المخالفة وما ترتب عليها من إصابات، من غير ما تتحول حياتها لنهاية مأساوية، ومن غير ما عيلتنا تحاول تزوّر الحقيقة أو تلقي التهمة على آدم.
أما آدم، فبعد رحلة طويلة من العلاج، وقف على رجليه من جديد.
مش بنفس السرعة القديمة.
ومش من غير ألم.
لكن وقف.
وفي أول يوم مشي فيه مسافة طويلة من غير مساعدة، رجع البيت وهو بيضحك.
بص لي وقال
ماما، شوفي!
بصيت له.
كان واقف قدامي لوحده.
دموعي نزلت.
قلت
شايفاك يا حبيبي.
ابتسم وقال
قلتلك هقوم.
حضنته وأنا بعيط.
وقتها افتكرت أول مكالمة.
افتكرت صوته وهو بيقول
ماما... رجلي مش حاسس بيها.
وافتكرت الرعب اللي حسيت بيه وأنا في مكتب التأمين.
وافتكرت أمي وهي بتقول
سيبيه هناك.
لكن الجملة اللي فضلت معايا بعد كل ده ما كانتش جملة أمي.
كانت جملة ابني
كنت عارف إنك هتيجي.
وفهمت إن الأم مش بس الشخص اللي بيخاف على ابنه.
الأم هي الشخص اللي ابنها يبقى واثق، حتى وهو في أسوأ لحظة في حياته، إنها هتدور عليه لحد ما تلاقيه.
وأنا فعلًا لقيته.
وأنقذته الإسعاف والأطباء، وحافظت الحقيقة على حقه، لكن اللي أنقذني أنا كان درس واحد لن أنساه
الحب الحقيقي مش إنك تغطي غلط اللي بتحبه مهما كان ثمنه الحب الحقيقي إنك تمنعه من تكرار الغلط، وتحمي المظلوم، وتقول الحقيقة حتى لو الحقيقة وجعتك.
ومن يومها، علاقتنا بالعيلة ما رجعتش زي الأول.
لكنها بقت أصدق.
وأهدى.
وأكثر مسؤولية.
وأنا لأول مرة فهمت إن وضع الحدود مش معناه إنك بتكره أهلك.
أحيانًا، وضع الحدود هو الطريقة الوحيدة اللي تخلي العلاقة تفضل موجودة من غير ما يتحول الحب إلى ظلم.
أما آدم
فكل ما كان بيشوف أثر الإصابة في رجله، كان بيقول لي
دي مش علامة إن أنا ضعفت.
وأنا كنت أرد عليه
أمال علامة إيه؟
فيقول
علامة إني وقعت وقومت.
وساعتها كنت بابتسم.
لأن ابني، في ليلة واحدة، اتعلم درس كان ممكن ياخد عمر كامل عشان يفهمه
مش كل حد بيقول إنه بيحميك بيكون فعلًا بيحميك وأحيانًا الشخص الوحيد اللي ينقذك هو الحقيقة.

تم نسخ الرابط