باب القفص

لمحة نيوز

باب القفص ماطلعش صوت حديد
طلع صوت حكم.
كنت واقفة بالعافية، واقفة على رجلي من كرامتي مش من قوتي. دراعي الشمال كان سايب ومتدلّي جنبي كأنه مش بتاعي، والعرق نازل من رقبتي، وطعم الدم مالي بُقي.
قدامي كان واقف الرائد سيف الدمنهوري.
ولا كأنه لعب خمس جولات.
وشه مفيهوش خدش واحد. لا شفة متقطعة، ولا حتة جلد اتفتحت، ولا حتى نفسه كان عالي.
أما أنا
فكنت حاسة إن جسمي كله بيصرخ.
برا القفص، في صالة التدريب القتالي التابعة لإحدى وحدات القوات الخاصة في القاهرة، كان حوالي أربعمية عسكري واقفين بيهتفوا، يضربوا بإيديهم على المدرجات، وبعضهم كان بيتابع المشهد بنظرات فيها شماتة أكتر من الحماس.
ريحة العرق والمراهم الطبية والرباطات المبلولة كانت مالية المكان.
بس كان فيه ريحة تانية
ريحة ناس مستنية تشوف واحدة وقفت في مكان شايفينه مش من حقها تقع.
أنا اسمي ليان مراد.
عندي ستة وعشرين سنة.
طولي حوالي 160 سنتي.
ووزني 57 كيلو.
وأنا أول ست في تاريخ وحدتي قدرت تدخل واحدة من أصعب وحدات القوات الخاصة وتاخد شارة العمليات الخاصة.
والليلة دي
بالنسبة لناس كتير، أنا ماكنتش زميلة ليهم.
كنت غلطة مستنيين يصححوها.
من أول التمرين المشترك، الرائد سيف الدمنهوري كان بيتعامل معايا إني نكتة.
راجل طويل، جسمه ضخم، معروف بين الجنود إنه من أقوى المقاتلين اللي عدّوا على الوحدة، وابتسامته دايمًا فيها حاجة تخلي اللي قدامه يحس إنه أقل منه.
قدام رجاله، قاللي مرة
إنتِ جاية هنا بإمكانياتك ولا عشان المنظر؟
ضحكوا.
عدّيتها.
بعدها قال
الشارة دي أكبر منك بكتير يا آنسة.
برضه سكت.
لكن قبل المواجهة بدقايق، قرب مني قدام الكل، وبصلي من فوق لتحت وقال
النهارده هتعرفي إن أسوأ مكان ممكن تعيطي فيه هو أرض الحلبة بتاعتي.
ساعتها ماجادلتوش.
أنا عمري ما كنت بحب الكلام الكتير.
الكلام بيروح مع الهوا.
لكن التحدي
بيفضل.
رفعت صوتي قدام الكل وقلت
لو شايفني مش قد المكان ده، خلّي فريقك كله يطلع واحد ورا التاني.
سكت.
وبعدين ابتسم.
فكملت
ستة أفراد. نفس الليلة.
لو أنا خسرت، أسيب الشارة قدامكم وأطلع من الوحدة.
ولو أنا كسبت
إنت تكتب اعتذار رسمي قدام كل أفراد الوحدة، وتذكر فيه إن الست اللي بتدخل المجال ده مش محتاجة حد يسمح لها تثبت نفسها.
المكان كله سكت.
كان واضح إن الراجل اتزنق.
لأنه لو رفض، هيبان إنه خاف.
ولو وافق
كان متأكد إني هقع.
اختار الغرور.
وقال
اتفقنا.
الساعة كانت 913 بالليل لما الصفارة الأولى شقت الصالة.
أول واحد دخل كان العريف محمود عرابي.
كان داخل وهو بيضحك.
يمكن عشان شايف فرق الحجم بيني وبينه.
يمكن عشان كان فاكر إن الموضوع خلص قبل ما يبدأ.
بعد أقل من دقيقة
كان مستسلم.
التاني دخل اسمه حسام كمال.
حاول يلعب على المسافة ويخليني أجري وراه، لكن أول ما قرب مني، لفيت عليه وسيطرت على ضهره.
بعد ثواني اضطر يعلن استسلامه.
التالت كان رامي نصار.
وده دخل بعنف.
اندفع ناحيتي بكل قوته، كأنه عايز يخلص عليا في أول لحظة.
لكن اندفاعه كان غلطة.
استنيت اللحظة المناسبة، ووقفت هجومه، وبعد كام ضربة متتالية الحكم تدخل ووقف المواجهة.
التالت خلص.
الرابع كان طارق صبري.
وده كان أذكى واحد فيهم.
ما اندفعش.
ما استهترش.
فضل يستنى غلطة.
وأنا كنت عارفة إنه مستنيني أغلط.
فضلنا نلف حوالين بعض وقت طويل، لحد ما شفت الفرصة.
قفزت عليه بحركة خلت الصالة كلها تطلع صوت واحد
أووووووه!
ولما وقعنا على الأرض، اضطر يستسلم.
أربعة.
أربعة أسماء اتكتبوا على السبورة جنب مكان المدربين.
عرابي.
كمال.
نصار.
صبري.
أربع علامات.
وأربع ابتسامات اختفت.
لكن اللي محدش كان شايفه
إن كل انتصار كنت بدفع تمنه من جسمي.
ركبي كانت بتوجعني.
ضلوعي كانت بتحرقني مع كل نفس.
وإيدي كانت بدأت ترتعش.
بس لسه فيه اتنين.
الخامس دخل.
اسمه عادل شوقي.
وده كان مختلف.
ضخم.
حوالي 110 كيلو.
كتافه عريضة ورقبته شبه الحيطة.
دخل الحلبة وهو ساكت.
مفيش ابتسامة.
مفيش استفزاز.
بس عينيه كانت بتقول إنه داخل يخلص اللي بدأه الباقيين.
وأنا كنت خلاص حاسة إن رجلي مش شايلاني.
لكن مفيش رجوع.
بدأت الجولة.
عادل هجم.
اتراجعت.
هجم تاني.
اتحركت من قدامه.
كنت أسرع منه، لكن جسمي كان بيخلص بطاريته.
وفجأة
شاف فتحة.
اندفع.
أنا حاولت أستغل اندفاعه وأعمل حركة أخيرة.
قفزت بكل اللي باقي فيا.
مسكت دراعه.
وحاولت أقفل الحركة.
لكن اللي حصل بعدها
عمري ما هنساه.
هو وقع بكل وزنه على ناحيتي الشمال.
وسمعت صوت.
طَق!
صوت صغير
بس كفاية يخلي الدم يتجمد في عروقي.
كتفي خرج من مكانه.
الألم ضربني فجأة لدرجة إن الدنيا قدامي ابيضّت.
حاولت أحرك صوابعي.
مفيش.
دراعي ما استجابش.
فضل متدلي جنبي.
كأنه اتفصل عن جسمي.
الحكم اتحرك ناحيتي.
والطبيب العسكري اللي واقف جنب الحلبة قام بسرعة.
لكن قبل ما حد يتكلم
هزيت راسي.
لا.
مش دلوقتي.
مش قدامه.
مش قدام الأربعمية واحد اللي مستنيين اللحظة دي من أول الليل.
مش عشان أنا مش حاسة بالألم.
أنا كنت حاسة بكل ذرة فيه.
بس كنت عارفة إن لو خرجت دلوقتي، سيف هيحوّل لحظة ضعفي لقصة يحكيها لكل بنت تيجي بعدي.
هيقول
شايفين؟ قلت لكم.
وأنا ماكنتش مستعدة أدي له الجملة دي.
الساعة قربت من 1147.
الصفارة الأخيرة للجولة الخامسة دوّت في المكان.
وفجأة
الصالة كلها سكتت.
مبقاش فيه هتاف.
ولا ضرب على المدرجات.
ولا كلام.
حتى المدرب اللي كان بيكتب النتيجة وقف القلم في إيده.
الطبيب العسكري شد الفوطة اللي في إيده.
والعريف عرابي، اللي كان من شوية بيضحك، بطل يبتسم.
لأن الكل عرف الحقيقة.
الخامس وقع.
لكن أنا كمان كنت خلاص على آخري.
وفاضل واحد.
واحد بس.
سيف الدمنهوري.
باب الحلبة اتفتح.
دخل.
وكان كأنه لسه واصل.
لا عرق.
لا نهجان.
لا تعب.
دخل بهدوء، وهو بيربط جوانتيه.
بصلي.
وبعدين بص على دراعي الشمال المتدلي.
ابتسم.
كأنه داخل يستلم جايزته.
مشى ناحيتي خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
الضوء وقع على وشه، وظله غطى رجلي.
أنا رفعت إيدي اليمين.
الشمال ماكانتش بتتحرك.
كل نبضة في كتفي كانت بتبعت موجة نار في جسمي.
حسيت بعيني بتدمع.
لكن مسحت الدمعة بسرعة.
وفي اللحظة دي افتكرت أبويا.
أبويا كان دايمًا يقولي
يا ليان، القوة مش إنك ماتوجعيش القوة إنك تعرفي تعملي إيه وإنتِ موجوعة.
كان مات من سنين.
لكن صوته جه في دماغي واضح.
بس المشكلة إن الموتى ما بيقدروش يصدوا الضربات مكانك.
سيف قرب أكتر.
وقف قدامي.
وبعدين مال برأسه ناحية ودني.
الصالة كلها كانت ساكتة.
أربعمية شخص بيتفرجوا.
ولا نفس مسموع.
ولا حركة.
حتى الساعة اللي على الحيطة كانت عقاربها بتتحرك بصوت مسموع.
نقطة عرق نزلت من دقني ووقعت على أرض الحلبة.
سيف قرب من ودني.
وبص على دراعي المصاب.
وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة
وهمس
إنتِ لحد دلوقتي فاكرة إن اللي حصل الليلة دي كان امتحان قوة؟
اتجمدت مكاني.
كمل بصوت واطي محدش غيري سمعه
أنا ماكنتش داخل أثبت إنك ضعيفة أنا كنت مستنيكي توصلي للمرحلة دي.
بصيتله باستغراب.
ولأول مرة من بداية الليلة
الابتسامة اختفت من وشه.
وقال
لأن اللي هقولهولك دلوقتي أخطر من أي ضربة خدتيها النهارده.
ساعتها قلبي دق أسرع من أي وقت.
لأن نبرة صوته ماكانتش نبرة واحد داخل يهزمني.
كانت نبرة واحد
كان مخبي سر من البداية.
سيف قرب من ودني أكتر، وصوته بقى أوطى من الهمس
إنتِ لحد دلوقتي فاكرة إن اللي حصل الليلة دي كان امتحان قوة؟
بصيتله وأنا مش فاهمة.
أمال كان إيه؟
رجع خطوة لورا.
لأول مرة من بداية الليلة، شفت في عينيه حاجة غير الاستفزاز.
قلق.
قال
كان اختبار ثقة.
ضحكت رغم الألم.
ضحكة قصيرة وموجوعة.
ثقة؟ إنت كسرتلي كتفي!
وأنا كنت عارف إن ده ممكن يحصل.
اتجمدت.
إيه؟
بص بسرعة ناحية المدرجات، وبعدين رجع عينه عليّ.
اسمعيني كويس. من اللحظة اللي دخلتي فيها الوحدة، في حد بيراقبك.
مين؟
مش شخص واحد.
سكت ثانية.
في حد بيسرب معلومات من جوه الوحدة.
حسيت إن الألم اختفى للحظة.
معلومات إيه؟
مواعيد التحركات. أسماء المشاركين. تدريبات الفرق. تقارير العمليات.
بصيت حواليا.
أربعمية عسكري.
كل واحد فيهم ممكن يكون واقف بيسمع.
قال
من ست شهور وإحنا

تم نسخ الرابط