عمي بيشتغل جزار

لمحة نيوز

بصيت لسيف.
سيف كان معاهم؟
لأ.
أمال؟
كانوا مهددين ياخدوه.
عمي قعد.
أبوكي قالي وقتها عبد الصمد، لو سلمتهم الورق، هينقذوا نفسهم ويقتلوا ابني.
وهو عمل إيه؟
رفض.
وإنت؟
خفت.
دموعه نزلت.
أول مرة في حياتي أخاف بالشكل ده.
وبعدين؟
اتخانقنا.
وبعدها؟
أبوكي وقع.
ماټ؟
لأ.
أمال؟
كان لسه عايش.
سكت.
لكن لما خرجت من المكان عشان أجيب عربية...
عمي بلع ريقه.
لما رجعت...
سكت.
لقيته ماټ.
خالي قال
مين قټله؟
عمي رفع عينه.
نفس الشخص اللي بيدور على سيف دلوقتي.
سألته
مين هو؟
عمي قال
اسمه جابر.
الراجل الغريب اتوتر.
جابر؟
عمي هز راسه.
أيوه.
خالي قال
مين جابر؟
عمي رد
الراجل اللي كان واقف قدام المخزن.
أنا افتكرت الصوت.
صوت بابا.
هو اللي كان بيقلد صوت بابا؟
عمي قال
أيوه.
ليه؟
عشان يرعبكم.
سيف فجأة قال
أنا عارفه.
كلنا بصينا له.
ماما قالت
تعرفه منين يا حبيبي؟
سيف قال
جهلي قبل كده.
أنا قربت منه.
إمتى؟
من كام شهر.
عمي اتجمد.
قالك إيه؟
سيف قال
كان بيسألني عن بابا.
ماما مسكت راسها.
وإنت قلت له إيه؟
قلتله بابا ماټ.
وبعدين؟
سيف قال
قالي لا، باباك سايبلك حاجة.
أنا بصيت لعمي.
إيه الحاجة؟
عمي قال
الميراث.
إيه ميراث؟
مش فلوس.
أمال؟
الحقيقة.
عمي قام.
فتح دولاب قديم.
طلع منه ظرف.
وقال
أبوكي كان عارف إنه ممكن ېموت.
فتح الظرف.
كان جواه تسجيل صوتي.
ضغط تشغيل.
صوت بابا خرج من السماعة.
صوت قديم.
متعب.
لكنه واضح.
لو التسجيل ده وصل لمراتي أو ولادي، يبقى أنا غالبًا مت.
ماما حطت إيدها على قلبها.
أنا دموعي نزلت.
صوت بابا كمل
عبد الصمد هيقول لكم إنه خاېن. يمكن تكرهوا. ويمكن تلوموه. بس لو هو لسه عايش، اسمعوه للآخر.
عمي بدأ يبكي.
صوت بابا قال
أنا عارف إن اللي بيحصل حوالينا أكبر مننا. وعارف إنهم ممكن يوصلوا لابني. عشان كده عبد الصمد هو الشخص الوحيد اللي أثق فيه.
ماما بصت لعمي.
صوت بابا كمل
لو حاولوا ياخدوا سيف، ما تسلمهوش. حتى لو اضطررت تخلي الناس تكرهك.
سكت التسجيل ثواني.
وبعدين صوت بابا قال
واللحمة اللي عبد الصمد هيجيبها لكم...
أنا قشعر جسمي.
متاكلوهاش.
ماما شهقت.
صوت بابا
لو وصلت لكم اللحمة دي، اعرفوا إنهم قربوا منكم.
التسجيل وقف.
الصمت كان خانق.
أنا بصيت لعمي.
ليه ما قلتلناش؟
قال
كنت خاېف.
من إيه؟
إنكم ترفضوا وجودي في حياتكم.
وإنت كنت بتأذينا.
عارف.
كنت بتخوفنا.
عارف.
كنت بتجيب لنا حاجة ممكن تضرنا.
عارف.
يبقى إزاي كنت بتحمينا؟
عمي قرب مني.
لأني كنت بحاول أختار أقل شړ.
أنا بكيت.
بس الشړ كان بيدخل بيتنا كل جمعة.
عمي نزل عينه.
وأنا كنت بمۏت كل جمعة وأنا شايل الكيس ده في إيدي.
فجأة سمعنا صوت عربية.
الراجل الغريب قام.
وصلوا.
عمي قال
مين؟
جابر ورجالته.
خالي قال
نعمل إيه؟
عمي فتح درج.
طلع منه مفتاح.
فيه نفق تحت البيت.
ماما قالت
تاني نفق؟
البيت ده قديم.
وبعدين بص لي.
خدوا سيف وانزلوا.
أنا قلت
وإنت؟
هأخرهم.
ماما مسكته.
عبد الصمد...
بص لها.
سامحيني.
ماما عيطت.
ربنا يسامحك.
لكن قبل ما نمشي...
سيف قال
أنا مش هسيب عمي.
عمي ابتسم.
يا حبيبي، أنا عايزك تعيش.
سيف قال
بس بابا قال إنك بتحمينا.
عمي انهار.
قعد قدامه وحضنه.
أبوك كان أحسن مني.
وإنت كويس.
عمي بكى.
لأ.
لأ إيه؟
أنا غلطت كتير.
سيف مسح دموعه.
بس إنت جيت تنقذنا.
عمي ضمھ أكتر.
عشان دي آخر فرصة عندي.
نزلنا النفق.
كنت ماسكة سيف.
ماما ورايا.
خالي والراجل قدامنا.
لكن قبل ما ندخل، سمعنا ضړب ڼار من فوق.
ماما صړخت.
عبد الصمد!
خالي شدها.
لازم نمشي!
مشينا.
وصوت الضړب كان بيبعد.
لحد ما وصلنا للآخر.
خرجنا في أرض زراعية.
الراجل قال
العربية هناك.
جرينا.
ركبنا.
وفجأة...
سمعنا صوت عربية جاية من ورا.
جابر.
الراجل قال
بسرعة!
العربية انطلقت.
العربية التانية ورا.
كنت شايفة النور في المراية.
سيف كان بيبكي.
ماما بتقرأ قرآن بصوت واطي.
خالي سايق بسرعة.
الراجل قال
لازم نوصل للقسم.
خالي قال
الشرطة متورطة!
مش كلها.
إزاي نعرف مين؟
مش هنعرف.
وبعدين طلع الفلاش ميموري.
ده فيه أسماء.
خالي قال
أسماء مين؟
كل الناس اللي شاركت.
ولو وصلنا القسم؟
هنسلمها للنيابة.
العربية اللي ورانا قربت.
جابر فتح الشباك.
خالي زود السرعة.
وفجأة العربية اتخبطت فينا من الجنب.
ماما صړخت.
سيف وقع.
أنا مسكته.
العربية اتمايلت.
لكن خالي سيطر عليها.
وصلنا للشارع الرئيسي.
كان فيه ناس.
العربية اللي ورانا وقفت فجأة.
واضطر جابر يهرب.
الراجل قال
كمل.
وصلنا للقسم.
دخلنا كلنا.
الراجل سلم الفلاش ميموري.
خالي حكى كل حاجة.
لكن الضابط اللي قدامنا أول ما سمع اسم جابر...
وشه اتغير.
قال
استنوا هنا.
خرج.
الراجل قال
أنا قلتلك.
خالي قال
إيه؟
جابر له ناس في كل مكان.
بعد دقائق...
دخل ضابط تاني.
أكبر سنًا.
بص لنا.
وقال
مين عبد الصمد؟
ماما قالت
أخو جوزي.
الضابط قال
هو فين؟
سكتنا.
قلت
في المخزن القديم.
الضابط اتجمد.
المخزن؟
أيوه.
معاه ناس؟
غالبًا.
الضابط قام.
لازم نروح حالًا.
رجعنا للمخزن مع الشرطة.
المكان كان هادي.
زيادة عن اللزوم.
الباب مكسور.
دخلنا.
أول أوضة فاضية.
التانية فاضية.
لحد ما وصلنا للغرفة الكبيرة.
هناك...
لقينا عمي.
كان واقع على الأرض.
إيده پتنزف.
لكنه كان عايش.
جريت عليه.
عمي!
فتح عينه.
ابتسم.
سيف؟
معانا.
غمض عينه براحة.
الحمد لله.
الضابط قال
جابر فين؟
عمي رد بصوت ضعيف
هرب.
راح فين؟
عمي قال
عنده مكان تاني.
فين؟
عمي سكت.
الضابط قرب.
لازم تقول.
عمي بصلي.
المكان اللي أبوكي ماټ فيه.
أنا حسيت بقشعريرة.
بعد أيام من التحقيق...
بدأت الصورة تظهر.
تم القبض على عدد كبير من الأشخاص.
المخازن اتقفلت.
المسلخ السري اتكشف.
واتضح إن الشبكة كانت بتستخدم طرق ملتوية لإخفاء مصادر اللحوم، وكان فيه فساد وتلاعب كبير، وملفات كتير اتفتحت.
لكن جابر اختفى.
اختفى تمامًا.
أما عمي...
دخل المستشفى.
ولأول مرة من خمس سنين...
ماما قعدت جنبه.
مش لأنها نسيت اللي عمله.
لكن لأنها فهمت إنه كان عايش في خوف مستمر.
ولما دخلت عليه، قالت له
عبد الصمد.
فتح عينه.
أيوه؟
أنا مش مسامحاك على كل حاجة.
هز راسه.
من حقك.
بس مش هسيبك لوحدك.
دموعه نزلت.
ليه؟
ماما قالت
عشان أخوك لو كان عايش كان هيعمل كده.
عمي غطى وشه بإيده.
وبكى.
عدى شهر.
رجعنا حياتنا تدريجيًا.
ماما بطلت تشتري لحمة من أي حد.
وأنا كل ما أشوف لحمة حمرا في محل...
بطني تتقلب.
سيف رجع المدرسة.
لكن بقى أهدى.
أكتر حاجة كان بيعملها إنه يقعد جنب عمي لما نزوره.
عمي بعد ما خرج من المستشفى باع المحل.
وقال إنه مش قادر يشوف سکينة جزارة تاني.
فتح محل صغير لبيع الخضار.
ماما كانت بتضحك وتقول
يا عبد الصمد، أخيرًا بقيت تبيع حاجة مفيهاش أسرار.
وكان يضحك.
لكن عينيه كانت دايمًا حزينة.
أما أنا...
ففضلت محتفظة بالصورة اللي فيها بابا وعمي.
حطيتها في غرفتي.
لكن فيه حاجة واحدة كانت مضايقاني.
الصورة.
كل ما أبص لها...
أحس إن فيه حاجة ناقصة.
في يوم، وأنا بقلب في الصور القديمة، لاحظت إن ورا الصورة طبقة ورق ملزوقة.
شديتها.
طلعت ورقة صغيرة جدًا.
خط بابا.
قلبي بدأ يدق.
فتحتها.
كان مكتوب
لو عبد الصمد قدر ينقذ سيف، يبقى لسه فيه أمل.
وتحتها
لكن لو فشل... دوروا على جابر.
سكت.
قرأت السطر مرة تانية.
وبعدين لاحظت حاجة.
اسم جابر كان متشطب.
وتحته اسم تاني.
اسم مكتوب بقلم مختلف.
اسم
الدكتور سامح.
أنا ماعرفتش مين الدكتور سامح.
ولا ليه بابا كاتب اسمه.
ولا إيه علاقته بكل اللي حصل.
لكن في نفس الليلة...
رن تليفون البيت.
ماما كانت في المطبخ.
رديت.
ألو؟
صمت.
ألو؟
جالي صوت راجل.
صوت هادي.
إنتي بنت سليم؟
قلبي دق.
أيوه.
عمي عبد الصمد لسه عايش؟
أيوه.
وسيف؟
أيوه.
صمت.
وبعدين قال
يبقى لازم تعرفي إن اللي حصل كله كان مجرد البداية.
اتجمدت.
مين حضرتك؟
قال
الدكتور سامح.
إيدي بردت.
إنت تعرف أبويا؟
أكتر مما تتخيلي.
إنت كنت معاه؟
كنت آخر واحد شافه قبل ما ېموت.
إنت اللي قټلته؟
سكت.
وبعدين ضحك ضحكة خفيفة.
لأ.
أمال مين؟
قال
عبد الصمد قال لكم نص الحقيقة بس.
يعني إيه؟
أبوكي ماكانش بيحاول ينقذ سيف.
أمال؟
كان بيحاول ينقذ ناس كتير.
سكت.
وإنتي عندك حاجة تخصه.
بصيت حواليّا.
إيه؟
حاجة لسه ما وصلتش لها.
إيه هي؟
قال
الشريط الأصلي.
شريط إيه؟
التسجيل اللي أبوكي سجله قبل مۏته.
أنا بصيت ناحية الدرج.
الراجل كمل
اللي سمعتيه مع عبد الصمد نسخة.
والنسخة الأصلية؟
مع جابر.
جابر هرب؟
لأ.
أمال؟
قال
جابر ماټ من أسبوع.
اتجمدت.
إزاي؟
مقتول.
مين قټله؟
صمت.
وبعدين قال
نفس الشخص اللي قتل أبوكي.
قفلت المكالمة.
فضلت واقفة.
ماما دخلت.
مين كان بيتكلم؟
ماقدرتش أرد.
بصيت لها.
ماما...
نعم؟
عمي كان قال لنا إن جابر هو اللي قتل بابا.
أيوه.
الدكتور سامح قال إن جابر ماټ.
ماما وشها اتغير.
مين الدكتور سامح؟
قلت
واحد يعرف بابا.
سكتنا.
وبعدين ماما قالت
لازم نكلم عبد الصمد.
اتصلنا.
لكن موبايله كان مقفول.
حاولنا مرة.
مرتين.
عشر مرات.
مفيش رد.
بعد ساعة...
خالي وصل.
ولما حكيت له، قال
لازم نروح له.
رحنا بيته.
الباب كان مفتوح.
دخلنا.
البيت فاضي.
على الترابيزة ورقة.
خط عمي.
خالي فتحها.
قرأ.
وبعدين وشه اتغير.
مكتوب إيه؟
ناولني الورقة.
كان مكتوب
لو وصلتوا للورقة دي، يبقى الدكتور سامح وصلكم.
قلبي دق.
كملت القراءة.
متثقوش فيه.
وتحتها
ومتدوروش على الشريط.
لكن آخر سطر كان هو اللي خلاني أرتعب.
لأن الشريط مع سيف.
بصيت لأخويا.
كان واقف جنب ماما.
سيف؟
سيف بصلي.
أنا؟
خالي قال
استنى...
قرب منه.
فتش جيوبه.
مفيش حاجة.
سيف قال
أنا معايا حاجة.
طلع من جيبه عربية لعبة صغيرة.
قال
دي لقيتها عند عمو عبد الصمد.
فتحها.
جواها كان فيه كارت ميموري صغير.
خالي أخده.
بص لنا.
دي هي.
أنا حسيت إننا رجعنا لنقطة البداية.
اللحمة.
المخزن.
بابا.
عمي.
جابر.
الدكتور سامح.
وسيف.
كل الخيوط رجعت تتجمع.
لكن قبل ما نعرف اللي على الكارت...
سمعنا صوت خبط على الباب.
ثلاث خبطات.
خالي بص لنا.
محدش يتحرك.
الخبط اتكرر.
ثلاث مرات.
وبعدين صوت راجل من بره
أنا الدكتور سامح.
ماما مسكت إيدي.
خالي همس
إوعوا تفتحوا.
الصوت قال
أنا جاي أقولكم الحقيقة.
خالي صړخ
امشي!
الدكتور قال
لو ما فتحتوش، هقولها للشرطة.
خالي سكت.
وبعدين قال
قول من عندك.
الصوت رد
سليم كان شغال معايا.
ماما شهقت.
كدب!
الدكتور كمل
عبد الصمد كان عارف.
خالي قال
إنت عايز إيه؟
الكارت.
سيف بص للكارت في إيد خالي.
خالي فهم.
خباه بسرعة.
الدكتور قال
عارف إن الكارت معاكم.
سكتنا.
ولو ما سلمتوهش...
سكت.
ثم قال
هقول لسيف مين أبوه الحقيقي.
ماما شهقت.
إيه؟
سيف بص لنا.
أنا ابن مين؟
الصوت من بره قال
اسأل أمك.
ماما اڼهارت.
ده ابني.
الدكتور قال
أيوه.
وبعدين ضحك.
بس مش ابن الراجل اللي فاكرينه.
خالي صړخ
كفاية!
الدكتور قال
افتحوا الباب.
لكن قبل ما حد يتحرك...
سمعنا صوت عربية شرطة قدام البيت.
الدكتور جرى.
خالي فتح الباب الخلفي.
دخل ضابط.
قال
فين الدكتور سامح؟
خالي أشار للشارع.
الضابط جرى وراه.
وأنا وقفت مكاني.
سيف مسك إيدي.
أختي...
بصيت له.
نعم؟
أنا ابن مين؟
دموعي نزلت.
حضنته.
إنت ابن أمي وأبويا.
بس هو قال...
هو كداب.
متأكدة؟
بصيت في عينه.
متأكدة.
لكن الحقيقة؟
أنا ماكنتش متأكدة من أي حاجة.
بعد ساعات...
رجع الضابط.
قال إن الدكتور سامح هرب.
لكن قبل ما يهرب...
ساب ظرف.
الظرف كان باسم
إلى ابنة سليم.
فتحت الظرف.
كان جواه تسجيل.
شغلناه.
صوت بابا.
المرة دي كان مختلف.
صوته كان واضح.
لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا مت.
سكت.
أنا آسف.
ماما بدأت تبكي.
كل اللي عملته كان عشان أحميكم.
ثم قال
سيف ابني.
ماما شهقت.
أنا غمضت عيني.
ابني من مراتي. مفيش أي سر في نسبه.
سيف ابتسم.
أنا حضنته.
لكن بابا كمل
الدكتور سامح هيحاول يقنعكم بغير كده.
ثم قال
هو جزء من الشبكة.
الضابط قرب.
صوت بابا كمل
هو اللي كان بيدير المكان.
ماما حطت إيدها على بوقها.
وجابر كان مجرد أداة.
ثم قال
عبد الصمد غلط. لكنه حاول يصلح.
صمت.
أنا سامحته قبل ما أموت.
عمي كان واقف جنبنا.
وأول ما سمع الجملة دي...
انهار.
قعد على الكرسي وفضل يبكي.
صوت بابا كمل
ولو عبد الصمد لسه عايش، خلوه يعيش.
هو شال عنكم حاجات أنا ماقدرتش أشيلها.
التسجيل انتهى.
الصالة كلها كانت ساكتة.
عمي فضل يبكي.
ماما قربت منه.
حطت إيدها على كتفه.
وقالت
أخوك سامحك.
عمي قال
بس أنا مش هسامح نفسي.
ماما ردت
يمكن دي مش مهمتك.
رفع عينه.
أمال مهمتي إيه؟
قالت
تصلح اللي تقدر عليه.
بعد شهور...
القضية كبرت.
اتمسك الدكتور سامح.
واتكشف إن الشبكة كانت أكبر بكتير مما كنا متخيلين.
ناس كتير اتحاكمت.
وأسماء كبيرة ظهرت.
لكن عمي عبد الصمد رفض ياخد أي فلوس مننا.
وقال
كل اللي عملته كان عشان أخويا.
وفي يوم، وأنا واقفة قدام قبر بابا...
حطيت وردة.
وسيف كان واقف جنبي.
ماما وراينا.
عمي بعيد شوية.
بصيت للقبر وقلت
أنا فهمت دلوقتي ليه كنت بتثق فيه.
ماما قالت
مين؟
بصيت لعمي.
عمي.
سكت.
مش لأنه كان كامل.
لكن لأنه فضل يحاول.
ماما ابتسمت بحزن.
أبوكي كان عارف إن الإنسان ممكن يغلط.
بس الأهم
إنه يرجع.
عمي قرب.
وقف قدام القپر.
وقال
سامحني يا سليم.
سكت.
اتأخرت.
ماما مسكت إيده.
وسيف وقف بينهم.
وأنا بصيت للمشهد.
لأول مرة من خمس سنين...
حسيت إن عيلتنا رجعت تلم نفسها.
مش زي الأول.
لكن أحسن.
لأننا بقينا عارفين الحقيقة.
والحقيقة مهما كانت موجعة...
أرحم من إنك تعيش طول عمرك جوه كڈبة.
مرت سنة.
عمي فتح محل صغير بعيد عن الجزارة.
كان بيبيع خضار وفاكهة.
كل جمعة كان ييجي عندنا.
لكن المرة دي...
كان بييجي بإيده فاضية.
وأمي كانت تضحك وتقوله
فين كيس اللحمة يا عبد الصمد؟
فيضحك
كفاية عليا إنكم سامحتوني.
ماما تقول
مين قال إننا سامحناك؟
فيرد
أخويا.
وكان يشاور على صورة بابا المعلقة في الصالة.
وسيف كان يجري عليه.
عمو!
وعمي يفتحه حضنه.
وأنا كنت دايمًا أبص للمشهد ده وأفتكر الجمعة اللي اتقلبت فيها حياتنا.
الجمعة اللي عرفنا فيها إن الحاجة اللي كنا فاكرينها نعمة...
كانت وراها مصېبة.
لكن كمان...
الجمعة دي هي اللي خلتنا نكتشف الحقيقة.
وتمنع کاړثة أكبر.
وتعرفنا إن أبويا ماټ وهو بيحاول يحمينا.
وإن عمي...
رغم كل أخطائه...
قضى خمس سنين بيحاول يكفر عن ذنبه.
وفي آخر يوم في القضية...
الضابط سلمني صندوق صغير.
قال
ده كان من متعلقات والدك.
فتحته.
جواه ساعة بابا.
وخاتمه.
وصورة قديمة ليا وأنا طفلة.
وفي آخر الصندوق...
ورقة.
فتحتها.
كان مكتوب
لما تكبري، لو عرفتي كل حاجة، متخليش الخۏف يغير قلبك.
قرأت الجملة كذا مرة.
وبعدين ضحكت وسط دموعي.
حطيت الورقة على صدري.
وفهمت.
أبويا ماكانش عايزني
أعيش طول عمري خاېفة.
ولا أكره عمي.
ولا أشك في كل شخص حواليا.
كان عايزني أعرف إن الشړ موجود...
بس الخير موجود برضه.
وإن الإنسان ممكن يقع...
بس يقدر يقوم.
وإن الحقيقة مهما كانت صعبة...
في النهاية هي الحاجة الوحيدة اللي بتخلينا نعرف نعيش بضمير مرتاح.
قفلت الصندوق.
ورجعت البيت.
ماما كانت في المطبخ.
سألتني
عملتي إيه؟
قلت لها
أخدت حاجات بابا.
قالت
وريني.
فتحت الصندوق.
ماما شافت الساعة.
لمستها.
وبكت.
وبعدين ابتسمت.
أبوكي كان بيحبك أوي.
بصيت لها.
عارفة.
سكتنا.
وفجأة سيف دخل جري.
ماما!
نعم يا حبيبي؟
عمو عبد الصمد جاي.
ماما بصتلي.
طب روحي افتحي له.
ضحكت.
حاضر.
خرجت.
فتحت الباب.
لقيت عمي واقف.
من غير كيس.
من غير لحمة.
بس ماسك كيس صغير.
قلت
إيه ده؟
ابتسم.
حاجة ليكي.
إيه؟
طلع منه علبة.
فتحتها.
لقيت فيها صورة قديمة.
أنا وبابا وعمي.
أنا كنت صغيرة جدًا.
عمي قال
لقيتها في حاجات أخويا.
بصيت للصورة.
وبعدين له.
ليه بتديهالي؟
قال
عشان تفتكري إن قبل كل اللي حصل...
كنا عيلة.
دموعي نزلت.
قلت
وإحنا لسه عيلة.
ابتسم.
أيوه.
حضنته.
ولأول مرة...
الحضن ده ماكانش فيه خوف.
ولا شك.
ولا أسرار.
كان فيه بس ۏجع قديم...
اتحول لحاجة شبه السلام.
ومن يومها...
ماما كل جمعة كانت تعمل لنا أكلة مختلفة.
فراخ.
محشي.
مكرونة.
سمك.
لكن اللحمة؟
ماكناش بنشتريها غير من مكان معروف جدًا.
وسيف كان كل ما يشوف جزار يضحك ويقول
ماما، فاكرة عمو عبد الصمد؟
فترد
فاكرة يا ابني.
ويضحك.
وأنا...
كل ما أشوف كيس أسود للحمة...
أفتكر أول يوم.
أفتكر عمي وهو بيقول
ده بقر اسكتلندي.
وأفتكر نفسي وأنا بضحك ومش فاهمة.
وأفتكر صرخته
إنتي أكلتيني من اللحم اللي بجيبهولكم؟!
زمان كنت فاكرة إن أكتر حاجة مرعبة في القصة...
هي اللحمة.
لكن بعد ما عرفت الحقيقة...
اكتشفت إن اللحمة ماكنتش هي المرعبة.
المرعب كان البشر اللي قدروا يعملوا كل ده.
والأصعب...
إن عمي كان واحد منهم في يوم من الأيام.
لكن الفرق...
إنه في آخر الطريق اختار ينقذنا.
اختار أخوه.
اختار سيف.
واختار إنه يعيش باقي عمره شايل ذنبه...
بدل ما يدفنه مع أبويا.
ومن ساعتها فهمت حاجة عمري ما هنساها
مش كل حد بيعمل غلط يبقى شرير للأبد...
ومش كل حد بيبان طيب يبقى بريء.
وأحيانًا...
الحقيقة بتستخبى في أكتر مكان عمرك ما تتوقعه.
حتى لو كانت جوه...
كيس لحمة.

تم نسخ الرابط